رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لو أردنا اختزال محنة العرب الراهنة في عنوان بسيط ومعبر لقلنا إن العرب تحولوا من عصر براميل النفط إلى عصر براميل الموت. فالذي يحدث في سوريا وأقل منه رعبا الذي يحدث في مصر وليبيا واليمن يوحي للعالم بأننا لم نعد شعب براميل النفط ومضاربات الطاقة وأسواق المال بل أصبحنا ننعت بأننا شعب البراميل المتفجرة التي تسقط من المروحيات على رؤوس السوريين محاربين كانوا أم أبرياء عزلا ورجالا كانوا أم نساء وأطفالا وشيوخا فارين بجلودهم من الموت الهاجم! إنه منعرج خطير ومنزلق سحيق أن تتحول الشعوب العربية من عهد الاستبداد مباشرة إلى عهد الفوضى ومن حكم الطغاة إلى حكم العجزة وأن نفعل بأنفسنا ما يفعله العدو بعدوه ونكفي إسرائيل المحتلة لأراضينا مؤونة محاربتنا فنتولى شؤون قتلنا لأنفسنا بأيدينا إلى درجة أن العالم نسي تماما كما نسينا نحن بأن قضيتنا المركزية هي تحرير فلسطين كما تشدقنا بذلك على مدى سبعين عاما وفي مؤتمرات القمة العربية التي عقدناها في مختلف العواصم والتي كذبنا فيها على جماهيرنا وصدقنا أكاذيبنا من سنة إلى سنة حتى لم تعد شعوبنا تصدقنا ولا العالم يقرأ لنا حسابا وختمنا مهازل الإستبداد العربي بمأساة البراميل المتفجرة ليمارس النظام السوري القتل بالتخفيض أي من دون كلفة مالية عالية لأن البرميل الذي كان مصنوعا لاحتواء النفط يعبأ بالمتفجرات بطريقة تقليدية بسيطة ولا يكلف سوى 400 دولار مقابل الصاروخ الحربي (سكاد) الذي يبلغ سعره 10.000 دولار ويكون القتل بالسعر المناسب الذي لا يرهق الميزانية السورية! أي أن الضحية السورية تكلف دولارين عوض خمسين دولار! إنه موسم التخفيضات في حمص وإدلب وريف دمشق! ولا تحسبن أن السوريين غافلون عن البحث عن حل سياسي لا بل هم اجتمعوا في جنيف 2 بوساطة المسكين محمد الأخضر الإبراهيمي ولكن كما توقعنا لم يصلوا إلى حل وكان الحوار بين طرشان حتى عاد صاحبا الشأن إلى أخذ زمام الشأن بأيديهما وهما بالطبع سرغي لافروف وجون كيري ليثبتا لأمتيهما أنهما حاضران لحماية مصالح العملاقين وعدم ترك مصير الشرق الأوسط بين أيدي هؤلاء المتناحرين الغافلين! فبعد الحرب الباردة والسلام البارد جاء زمن تقاسم ما تبقى من تركة الرجل العربي المريض بل المحتضر لأن التاريخ كما قال قائل من حكماء الغرب ما هو إلا سلسلة من الحلقات المعادة المكررة فالذي يحدث اليوم سنة 2014 هو تكرار ببعض التعديل الطفيف لما جرى للعرب سنة 1916 حين تقاسم سايكس وزير خارجية بريطانيا مع بيكو وزير خارجية فرنسا تركة الرجل الشرقي المريض بعد أن دمرت الأمبراطوريتان ذلك الصرح الإسلامي الشامخ المتمثل في الخلافة.
وعرج أيها القارئ المندهش مثلي على العراق لتدرك بأن مئات الضحايا العراقيين الأبرياء يسقطون قتلى وجرحى يوميا في الفلوجة وضواحي البصرة وبغداد بين فرقاء لم تعد تقدر مهما أوتيت من حكمة أن تتبين مراجعهم ومصادر تسليحهم وغايات قتالهم حتى عاد العراقيون كما كانوا منذ مصيبة البعث وانقلاباته هم الحطب لنار لم يوقدوها بينما يتشبث كل فريق بل كل طائفة بأنها تمتلك الحق المطلق وغيرها على ضلال مبين! لقد دخل العراق في دوامة السيارات المفخخة والاغتيالات وتدمير البيوت على رؤوس أصحابها وملاحقة أشباح (داعش) هذه الدوامة التي تعصف بما تبقى في العراق من بقية أمن وأمان بعد أن عرف ذلك الشعب الكريم مصرع علمائه وهجرة مثقفيه وخراب البصرة وهلاك جيشه وضياع ثروته وغياب إشعاعه. (أين أنتما يا جواهري ويا سياب...)
وانظر حولك أيها القارئ العزيز لتشهد على تأزم الأوضاع في ليبيا حيث لم تعد تفهم هل وقع انقلاب يقوده العميد خليفة حفتر أم لم يقع يوم الجمعة الماضي؟ ومن نصدق؟ حين نرى حفتر يعتلي المنابر ليعلن عن حل المجلس الحاكم وتسريح الحكومة وإعلان برنامج إنقاذ البلاد بقيادة الجيش ثم نرى بعد ساعات رئيس الحكومة علي زيدان يكذب حفتر ويعلن لنا في التلفزيون بأن الوضع (على ما يرام) وبأن الحكومة تسيطر على الوضع! ولا أخفيكم بأن تفكيري يذهب إلى المسكين رئيس آخر حكومة للقذافي (البغدادي المحمودي) الذي سلمته سلطات بلادي تونس في غفلة من الضمير والأعراف السياسية والأخلاق الدبلوماسية لما يمكن تسميته بالسلطات الليبية! منذ عامين والرجل يقبع في سجون مجهولة دون محاكمة وأتمنى ألا يقتل حتى لا تلطخ أيدي من سلموه بدم رجل استغاث بالتوانسة فلم يغيثوه وكنت نصحت رفاق المنافي الذين تمكنوا من السلطات المؤقتة أن يجيروا من استجار بهم لأنه لا توجد دولة ليبية بعد مما يترتب عنه فقدان العدل فلم يسمعوا نصيحة ولم يهتموا بناصح بل هرولوا نحو كسب زائل ولعلهم اليوم نادمون حيث لا ينفع الندم!
حول بصرك يا قارئي الوفي إلى مصر ولكي تدرك حجم مأساة أكبر دولة عربية اقرأ ما قاله أحد فقهاء السلاطين الجدد من أن الله من على مصر بوزيري الدفاع والخارجية الذين زارا موسكو مشبها إياهما بموسى وأخيه هارون ومشبها شعب مصر بأل إسرائيل في عهد فرعون! هل نضحك أم نبكي على حال الثقافة المصرية وأدبيات السياسة فيها والخلط الذي أصبح مقبولا بين السياسة والدين حين يخدم ركاب سادة اليوم بعد أن كان ملعونا حين خدم ركاب محمد مرسي وإخوانه! من الذي سيمنع اليوم إنزلاق مصر التي دخلناها أمنين إلى مستنقع العنف الرهيب ومؤشراته لم تعد تخفى على أحد بداية من السيارات الملغومة إلى مصرع رجال الأمن مرورا بالمظاهرات اليومية والتي يحركها منطق الثأر المعروف حتى لو تخلص الناس من السياسة. ولا تنس أن تتأمل اليمن وهو يعاني من تقهقر الدولة المركزية القوية واستفحال الصراع بين الحكومة والحوثيين ليتحول إلى أزمة إقليمية تقض مضاجع الجميع بالإضافة إلى عودة شبح التقسيم عاتيا وهو يهدد الوحدة.
من براميل النفط التي كانت سبب ثراء العرب والتي أيضا كانت سبب محنهم إلى براميل الموت التي كفت أعداءنا شر حربنا بل أراحتهم إلى مدى نصف قرن قادم يظل العرب تائهين في بحر الظلمات بلا منارة هادية ولا كتاب منير. ربنا اهدنا إلى سواء السبيل وأسدل علينا ستائر عفوك ورضاك.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
سينهي الحرب من يملك أوراق الصمود، فإذا نظرنا للمواجهات بين ايران وامريكا واسرائيل وإذا أخذنا العناصر الأساسية للصمود من الطبيعة الجغرافية التي هي مسرح العمليات فنحن نتحدث عن إيران كمساحة تبلغ حوالي 1.7 مليون كم2 تنتشر فيها القوات والقدرات الايرانية محصنة بسلاسل جبلية يصعب اختراقها ولذلك فإن القوتين المحاربتين لإيران في حاجة لتغطية كل هذه المساحة واختراق القمم الجبلية. وهذا سيكون من الصعب خاصة عند الحديث عن آلاف المواقع التي تحتاج تغطيتها وقد تعود عدة مرات لمثل هذه المواقع لكي تتأكد انه تم تدميرها وفي الكثير من هذه المواقع يصعب الوصول لها إما لأسباب طبيعية أو التمويه من قبل القوات الإيرانية، في المقابل مساحة فلسطين تعتبر صغيرة والقدرات الإسرائيلية متكدسة ومكشوفة فيسهل لإيران الوصول لكل هذه الأهداف بشكل ميسر إما لقلة عدد الاهداف او لتواجدها قريبة من بعضها او لكون إيران تستخدم الصواريخ الدقيقة للوصول لها. في الجانب الآخر وخاصة استخدام سلاح الطيران والذي تعتمده اسرائيل وامريكا سيكون شاقا عليهم مثل هذه الحركة لمسافة آلاف الكيلومترات فيستنزف الكثير من الوقود ويستنزف الكثير من طاقة الطواقم او يكون مكلفا باستخدام حاملات الطائرات وتكون معرضة للهجمات. ويرفع المخاطر عليهم بسبب تقادم مثل هذه الطائرات، إذن مسافات خطوط الامداد تبدو في صالح الطرف الايراني وايران هي المصنعة لصواريخها ومنصات انطلاقها، فبالامكان تسمية هذا انه "مسافة السكة" لايران بينما يعاني الطرف الاخر من تعقيدات خطوط الامداد التي تزيد عن احد عشر الف كم. واذا اضفنا الى هذه المسافة مساحة ايران تبرز مدى الصعوبة في السيطرة على الأحداث في الارض بالنسبة لسلاحي الطيران، اذن اذا كانت المساحة في صالح ايران وخطوط الإمداد في صالح ايران والمخزون أيضا في صالح ايران فبعد ان انهكت اسرائيل وامريكا في حرب غزة واوكرانيا وعلى مدى سنتين أو أكثر فإن مخزونهما من الذخيرة ومستوى استنزافهما بلغ درجات قصوى ولذلك فاعتمادهما استراتيجية الصدمة والترهيب قد تكون مفيدة في حال كانت فترة المواجهات قصيرة. اما اذا امتدت فترات اطول فإنها قد تعرضهما اما لزيادة الانهاك بالنسبة للطواقم والتهالك بالنسبة للطائرات والاجهزة والحالة الثالثة نفاد مخزون الذخيرة وهذه ثلاثة عوامل جد خطيرة بالاضافة إلى عاملين اخرين يخدمان ايران وهما التكاليف المنخفظة مقارنة بانتاج الذخيرة الامريكية التي تبلغ اكثر من خمسين ضعفا مقارنة بانتاج الذخيرة الايراني وعمليات الانتاج الايراني المستمرة وهو انتاج حربي في مقابل الشركات الامريكية والتي تحتاج خطوط انتاجها فترات زمنية طويلة للانشاء والانتاج. فإذا أضفنا لكل هذه العوامل الجبهة الداخلية بالنسبة لايران تبدو صلبة وأما الجبهات الداخلية بالنسبة للولايات المتحدة فإن الشعب الأمريكي يرفض مثل هذه الحرب وقد تؤدي بالادارة الامريكية لفقدان الانتخابات النصفية وما بعدها أيضا فقدان الكونغرس وكذلك الحال بالنسبة لاسرائيل فالجبهة الداخلية متشظية ومنهكة وتتجاذبها الايديولوجيات من العلمانية الى الليبرالية والمذاهب المختلفة من الحسيدية الى الحريدية. فاذا نظرنا وجدنا أن العامل الزمني يخدم ايران، فمع مرور الزمن تتراجع مكانة وقدرات أمريكا واسرائيل فلا هما قادران على فك حصار مضيق هرمز ولا قادران على الدفاع عن نفسيهما امام صواريخ ايران الفرط صوتية ومسيراتها، وبما ان أمريكا واسرائيل هما من بدأتا هذه الحرب بظروف غير مواتية لكلتيهما اصبح الرأي العام العالمي داعما لإيران بما انه اعتدي عليها من قبل امريكا واسرائيل، والأخطر ان ايران تملك ايضا ورقة الطاقة خاصة لموقعها الجغرافي على مضيق هرمز. وهذا سيجعل من الأوضاع في الاقتصاد الأمريكي جد صعبة فأي زيادة في أسعار الطاقة سيكون لها تداعيات بالغة على الاقتصاد وعلى الإدارة الامريكية.
16221
| 16 مارس 2026
* مع اقترابنا من نهاية هذا الشهر الفضيل، نسأل الله أن يبلغنا ليلة القدر، وأن يجعلنا من عتقائه من النار، وأن يتقبل منا الصيام والقيام وصالح الأعمال. وفي ظل ما يمر به العالم من ظروف صعبة وأحداث مؤلمة، نسأل الله أن يرفع الغمة، وأن يعم الأمن والسلام على بلادنا وسائر بلاد المسلمين. * في هذه الأيام المباركة، تتجه القلوب إلى بيوت الله بحثًا عن السكينة والخشوع، خاصة في المساجد التي يرتبط بها المصلون روحانيًا، ومن بينها المساجد التي يؤم فيها الشيخ عبدالرشيد صوفي، لما لصوته من أثر بالغ في نفوس المصلين، وما يحمله من خشوع يجعل الكثيرين يحرصون على الصلاة خلفه منذ سنوات. * هذا الإقبال الكبير، بطبيعته، يتطلب جاهزية عالية في إدارة المسجد، من حيث تنظيم الدخول والخروج للمواقف، وتوفير المساحات الكافية، وتهيئة المرافق، وحسن التعامل مع المصلين والمصليات، إلا أن الواقع في بعض الحالات لا يعكس هذا المستوى من الجاهزية. * فمن غير المقبول أن يتم التحكم في المرافق الأساسية، وإغلاق دورات المياه، أو تخصيصها لفئة معينة دون غيرها، بما يسبب معاناة للمصليات، ويخلق حالة من الازدحام والتوتر، بل ويدفع بعضهن للخروج إلى المرافق الخارجية للوضوء. كما أن غياب التنظيم الواضح، وترك بعض الجوانب لاجتهادات فردية دون صفة رسمية، قد يؤدي إلى ممارسات لا تتناسب مع حرمة المكان، سواء في أسلوب التعامل أو في آلية إدارة المصلى. * إن بيوت الله يجب أن تظل مفتوحة، رحبة، قائمة على الرفق، كما أرشدنا النبي ﷺ، لا أن تتحول- تحت أي ظرف- إلى بيئة يشعر فيها المصلون بالتضييق أو التمييز أو التوتر. * كما أن ما يُثار حول وجود تدخلات غير رسمية في بعض المساجد، أو التعامل معها وكأنها نطاق خاص، يطرح تساؤلات مشروعة حول ضرورة تعزيز الإشراف المؤسسي، وتأكيد أن المسجد وقف لله، يخضع لتنظيم الجهات المختصة، ولا يُدار وفق اعتبارات شخصية أو علاقات. * إن طرح هذه الملاحظات لا يأتي من باب النقد المجرد، بل من حرص صادق على بيوت الله، وعلى أن تبقى، كما ينبغي، مكانًا للسكينة، والرحمة، والخشوع. * ومع ختام هذا الشهر الكريم، فإن الأمل كبير بإذن الله في أن تؤخذ هذه الملاحظات بعين الاعتبار، وأن يتم التعامل معها بجدية، والاستعداد بشكل أفضل للمواسم القادمة، بما يضمن تهيئة بيئة إيمانية متكاملة، تليق بروحانية رمضان، وبمكانة المساجد، وبحرص المصلين على العبادة فيها. فالمساجد ليست مجرد مباني بل هي روح تُبنى، وقيمة تُصان، وأمانة يجب أن تُحفظ. * آخر جرة قلم حين يحرص الناس على الصلاة خلف إمام بخشوع الشيخ عبدالرشيد صوفي والحرص على الحضور من مناطق بعيدة، والتواجد طوال الشهر، فذلك دليل حياة في القلوب، لا يُقابل بإغلاق باب، ولا بتضييق مرفق، ولا بسوء إدارة. بيوت الله لا تُدار بالمفاتيح، بل بالمسؤولية. ولا تُحفظ بالمنع، بل بالرحمة. فإن لم تُصن روحانية المسجد، فماذا نصون؟ نسأل الله أن يتقبل، وأن يبلغنا وإياكم رمضان أعوامًا عديدة، في أمن وسكينة وطمأنينة. وأن يبلغنا ليلة القدر وما تنزل فيها من كل أمر حكيم.
1230
| 18 مارس 2026
ليست الحياة سوى جند مطواع يفتح ذراعيه لاستقبال كل من حمل في قلبه خيراً فأضاءه، فهي تأنس بمن يأنس إليها، وتلين لمن يطرقُ بابها بعزمٍ صادقٍ، فتفتح مسالكها لمن جاء زارعاً مُعمراً لا عابراً مجتازاً فحسب، وتستقبله هاشةً باشة، وكأنما تُكافئه جزيلاً على سلامة النية، وصفاء المقصد. ثم لا تلبث أن تلاعبه قليلاً لتمتحن شدّة صبره، وتختبر حقيقة جَلده، فيقف عند مفارقها لحظاتٍ يتبيّن فيها مقدار ما في صدره من احتمالٍ وثبات. وفي تلك المداورة الخفيّة تتجلّى معادن النفوس، وتنكشف سرائر الصدور، فمن وثق عزمه ازداد رسوخاً، ومن لانَ ساعده تعلّم من العثرة ما يقوّي خطوه في المرة القادمة. وكأن الحياة في هذا الامتحان لا تريد إلا أن تُظهر خبيئة المرء لنفسه، ليعرف موضع قدمه في دروبها، ومقدار ما يملك من صبرٍ على مسالكها الوعرة. فإن اجتاز.. تباهت به، وكأنها ترفع ذكره بين تجاربها، وتشهد له بأنه ممن صدقوا المسير ولم يهن لهم عزم. وإن علق في بعض منعطفاتها أعطته كرّات أخرى، تُمهله ليعيد المحاولة، ويستنهض الخطوة، ويستأنف السير بعزمٍ أشد وبصيرةٍ أوسع. وهكذا تبادله ودًّا بود، وإقداما بإحجام، في علاقةٍ خفيّة تتوازن فيها الخطوات بين الدفع والتريّث، وبين الجرأة والحكمة. ويمضي الإنسان في هذه المداولة الطويلة، تكرّ به الأيام وتفرّ، وهو يقطع فيافيها وقفارها، عابراً مسالكها البعيدة، متجاوزاً مفازاتها المترامية، حتى يبلغ واحاتٍ يهدأ عندها، ومستراحاتٍ يستردّ فيها أنفاسه. فلا يلبث أن يُدرك أن كل ما قطعه من مسافات كان جزءاً من الطريق إلى تلك السكينة، وأن كل اختبار مرّ به كان درجةً في سلّم النضج والاتساع. لحظة إدراك: هكذا تتبدّى الحياة في وجهها الأصدق: ميدانٌ رحب لمن أحسن قصدها، ورفيقُ مسيرٍ لمن أقبل عليها بنيّة الإعمار والسعي، فليست هذه سوى بتلك !
900
| 17 مارس 2026