رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تتجاذب الأهواء والأنواء سؤال جوهري في مصر الآن، ماذا بعد الاستفتاء على مسودة الدستور بنعم ولا بعيدا عن التوافق الوطني الذي افتقدته الجمعية التأسيسية لإعداد الدستور الجديد؟ ويتردد موازيا لذلك وعيد مبارك بأنه أو الفوضى على ألسن عديدة وكأنه هروب من مسؤولية استكمال الثورة.
ثم كيف انتقلت الأصوات والجماعات الإسلامية التي كانت تكفر الخروج على الحاكم الذي يسمح بالصلاة في المساجد ولم يغلقها، إلى الادعاء بحق الولاية على الأمر بعد الثورة، والاحتشاد لحصار مفاصل الدولة؟ بل وتتجاوز ذلك إلى أعمال التخريب والقتل، وآخر حوادثها ما جرى من إطلاق طلقات الخرطوش على أكبر تجمع للمقاهي في قلب القاهرة في الساعات الأولى من يوم الاثنين 17 ديسمبر، بعد أن أعلنوا عن بنك الأهداف الذي يرصدونه شاملا 10 محطات فضائية وعشرين جريدة وعشرات الأشخاص بين إعلاميين وسياسيين.
ولماذا كانت جماعة الإخوان تقبل بالحوار مع جهاز أمن الدولة في عصر مبارك، وتهاجم مسيرات سلمية وصلت إلى قصر الرئاسة بالسلاح الأبيض والخرطوش والحي، ليصل القتلى إلى 10 حسب الإحصاء الرسمي ويتجاوز 23 حسب شهود العيان، بل تعذب من يقع بأيديهم، وتهين وتتحرش وكأن الأمر انتقام وليس إنهاء لحالة الاحتشاد؟
ثم هل فيروس العناد يقيم بقصر الرئاسة لتنتقل عدوى العناد من مبارك إلى مرسي، فيعاند متناسيا أنه ما كان ليصل إلى كرسي الرئاسة دون ثور يناير؟
وسط هذه الحالة من الفوضى جرى الاستفتاء على مسودة الدستور بعد تجميد دور القضاء والحيلولة بينه وبين الحكم في صحة تشكيل الجمعية التأسيسية وقانون انتخاب مجلس الشورى، ثم ما ترتب على الإعلان الدستوري الأخير من صدام بين القضاة والرئيس المنتخب مما جعلهم يرفضون الإشراف على عملية الاستفتاء. وبمجرد انتهاء المرحلة الأولى يدخل نادي مجلس الدولة على خط المواجهة ليعقد أمس الاثنين اجتماعا لدراسة مخالفات المرحلة الأولى (56% نعم، 44% لا) مما يمهد لحكم مسبق على الإجراءات قبل تلقي أي طعن بشأنها.
العناد والإعلانات الدستورية التي لا حق للرئيس في إصدارها والأسئلة الحائرة والدم المسال لمواطنين مصريين بيد آخرين مثلهم أيا كان موقفهم أو انتماؤهم السياسي، كل ذلك أدى إلى انقسام المجتمع المصري.
لا أحد يمارس السياسة أو الصراع أو حتى الحرب الأهلية، كل الأمور تمارس على غير علومها وأصولها، وبغير القدرات الواجبة لممارستها، فالسياسة كلام مبتور وبلا فاعلية بل ويفتقد المصداقية والقبول لدى الشارع، والصراع بلا قوة وبلا رؤية، ومقدمات الحرب الأهلية لا تتجاوز الانفعال والبلطجة.
والحشود المليونية التي يجمعها رد الفعل منذ فبراير 2011 حتى اليوم، لم تعد حشودا قادرة على إحداث التغيير، ولكنها في أقصى ما تصل إليه هي حشود تعبيرية، تفرغ ما يجيش بالصدور، ولكنها لا تجري تعديلا على ميزان القوى، بل جرى إهدار معناها بتبادل الحشود على الجانبين، ولعل الحشود أمام المحكمة الدستورية قد منعتها من الانعقاد وحالت بينها وبين دورها، ولكن الحشود من حول قصر الرئاسة لم تتجاوز مجرد التعبير لأنها لم تأخذ قرارا بالاستمرار أو قرارا بالدخول إلى القصر ذاته.
ومن الغريب أن يخرج نائب مرشد الإخوان ليقول: "لن نسمح بسرقة الثورة مرة أخرى"، خاصة وأن الاتهام يلاحق جماعة الإخوان بأنهم سرقوا الثورة في المرة الأولى، إلى هذا الحد بلغ تزييف المواقف والادعاء بغير ما جرى ولم يمض زمن يمكن فيه النسيان بعد.
كتب واحد من شباب الثورة تغريدة على تويتر يقول فيها: "إن كل تذكرة انتخاب توضع في صندوق الاقتراع ملطخة بدم الشهداء"، يموت الشهداء ويرث الثورة غيرهم لغايات غير التي خرج من أجلها الشهداء.
ضجيج الأرقام والنسب بين نعم ولا، وملاحظات يوم الاستفتاء في مرحلته الأولى، لا يجب أن تشغلنا عن جوهر خطر الانقسام الذي أصاب المجتمع المصري. وارتفاع صوت التنظيمات والجماعات الإسلامية أيضا لا يجب أن يحول دون الاعتراف بضعف القوى السياسية التي تواجهها، فالشارع المصري قد سبق الجميع، والإسلاميون صامتون عن حالة الانقسام والشارع يتحرك ضدهم وقراءة نمو حالة الرفض لأفعالهم تؤكد ذلك، وانعدام قدرة التيارات السياسية على إبداع وخلق حالة لتوازن القوى جعل الشارع يتجاوزها، بل ويسعى بذاته لإحداث التوازن سواء بالعصيان المدني أو بالسعي التنظيمي أو بتنامي الحوار عن استدعاء للجيش لإحداث التوازن.
الفارق كبير بين القدرة، وصدق الموقف، واستبدال العجز عن اختيار الموقف الصحيح بمحاولة الحديث عن الشرعية، وبأن هناك حاكما شرعيا ومعارضة، وكأن الثورة قد ألقت مراسيها على شاطئ الانقسام، قبل أن تبحر أساسا في اتجاه أهدافها، فانتخاب الرئيس جاء عبر صندوق رفض عودة النظام السابق، وهو ذاته الفارق الضخم بين ادعاء الشرعية وانعدام الأهلية والقدرة على إدارة الدولة، فجملة قرارات الرئيس المنتخب وتراجعه عنها تنم عن كونه لا يملك أو أحد من مستشاريه مقومات تقدير صحيح للمواقف قانونيا أو طبقا للأعراف أو سياسيا، بل إن الرئيس المنتخب نسي كافة تعهداته الخاصة بالتوافق العام حول الدستور، ولا يعدم الأمر أن يسوق البعض أن تراجعاته تؤكد ديمقراطيته وأنه ليس بديكتاتور، وصارت الديمقراطية مجرد تراجعات عن قرارات وليست مشاركة في حوار قبل القرارات حسب ما تفرضه طبيعة المرحلة بعد توليه وعلى أساس الاتفاقات معه قبل انتخابات الإعادة في مواجهة منافسة القادم من عمق النظام السابق.
تتزامن في اللحظة الراهنة ثلاثة موضوعات في مواجهة تتناقض مع شعار الثورة "عيش، حرية، عدالة اجتماعية".
الأول أن تناول أمر الدستور من جانب القوى المدنية هو محض كلام، ومن جانب الرئيس وجماعته هو فعل وتحد وقرارات، والقوى المدنية تطعن في صحة تشكيل الجمعية التأسيسية بالأساس، والتيارات الإسلامية والرئيس يتحدثون عن "المنتج" النهائي، مما جعل الهوة تتسع، فكل يتحدث في اتجاه مختلف، والرئيس المسؤول عن تحقيق التوافق الوطني حسب وعده يرى أن الاختلاف في مواد الدستور يتولاه مجلس الشعب القادم، وكأنه يقول لهم: "هاتوا آخركم"، وهذا ما عندي!
وسواء انتهت نتائج الاستفتاء بنعم أو لا فإن الحقيقة أن الرئيس المنتخب معتمدا على جماعته ووفاء لتعهدات لمن يحيطون به، مارس لي ذراع المجتمع ليصنع دستورا على الهوى الخاص بهم، وهذا النحو يسقط أهلية الرئيس المنتخب للحكم، خاصة وأن مبرر وجوده ليس الانتماء للثورة ولكنه يستمد مبرر وجوده من أصوات حصل عليها في صندوق انتخابات، تؤكد حسابات الأصوات أن حصة جماعته ومن نجحوا في استقطابهم لا تتجاوز 35% من جملة الأصوات التي حصل عليها.
كل ذلك سيؤدي إلى استمرار المواجهة وبلا أفق يمكن القول إنه أفق التعايش، ففي مجتمع التكفير والبلطجة لا إمكانية للتعايش، بل يجب أن تنفجر الأزمة حتى يدرك الجميع ضرورة التعايش والمشاركة، والأزمة لم تصل لأقصى تطور لها بعد كي تنفجر.
الأمر الثاني وهو جوهر ثورة يناير "عيش وعدالة اجتماعية"، وليس معنى العيش هنا هو رغيف الخبز، ولكن معناه إعادة التوازن بين الأسعار والأجور، ويتضمن الأمر كذلك هؤلاء الذين يعيشون تحت خط الفقر، وفي مقابل هذا التحدي تتجه سلطة حكم الإخوان إلى زيادة الأسعار مما أدى إلى مضاعفة عبء الحياة على الشعب، وأصبح الشعب ضحية الغلاء، حتى يمكن الحصول على قرض صندوق النقد لسد عجز الميزانية. والسؤال إذا نجح نظام حكم الإخوان في أن يعبر عجز الميزانية، فكيف به سيتصرف في شأن القادم من مسؤوليات اقتصادية، أم أنها آخر ميزانية في تاريخ مصر أو تاريخهم.
الأمر الثالث هو الأمن القومي المصري والعلاقة مع أمريكا وإسرائيل، وتصل أقوال أمريكية وإسرائيلية بأن مرسي قبل ما لم يقبله مبارك في الرقابة على سيناء، وأن الدستور الجديد منح الجيش المصري حالة الحكم الذاتي، وأخيرا يتردد في الداخل أن دعما مسلحا من ميليشيات حماس دخلت إلى مصر لدعم جماعة الإخوان!
الإسلاميون يتهمون القوى المدنية بالتحالف مع فلول نظام مبارك، والقوى المدنية تتهامس بأن ميليشيات مسلحة تدعم التيار الإسلامي، وأن أجهزة الأمن تتعامل مع الأمر على أنه مشاجرة لا تعنيها من قريب أو بعيد، والجيش المصري كأن الجبهة الداخلية ظهره والسند الأساسي له لا تعنيه.
توقف الحديث عن إسرائيل كمصدر رئيسي للخطر، وصار الخطر متبادلا بعد حالة الانقسام بين طرفين في الأمة، لا حدود لهما ولا ألوان مميزة لأي منهما، أي أن الاقتتال القادم بين المواطن وذاته.
الحوار غائب ولغة الخطاب السياسي ساقطة، والوطن ومشاكله آخر ما يشغل الرؤوس.
العقول التي تصنع المشكلة ليست مرشحة لحلها، وأصبح المطلوب البحث خارج المطروح على المجتمع، حتى وإن توصل المقتتلون الآن إلى هدنة فيما بينهم، فهم غير مرشحين للقدرة على صنع مستقبل مصر الذي تنشده والمتوافق مع العصر الذي نعيش ومسؤولياته.
الرئاسة .. طموح ورغبة أم مسؤولية؟
دارت عجلة استفتاء المصريين على الدستور الجديد، ويركن البعض إلى حسابات نسب الحضور والموافقة للقول بأن الشعب المصري... اقرأ المزيد
883
| 14 يناير 2014
تخوُّف مشروع لصديق... من يدير؟
كتب الصديق إلهامي الميرغني، وهو باحث في شؤون النقابات وتاريخها، منبها لتسلل عناصر الفساد قبل يناير إلى المشهد... اقرأ المزيد
637
| 07 يناير 2014
الشعب يواجه الإقطاع السياسي
ردد الجميع تعبير أن الدستور عقد اجتماعي يتوافق عليه أبناء الوطن وقواه الاجتماعية، وعندما واتتهم الفرصة اتخذوا منه... اقرأ المزيد
540
| 10 ديسمبر 2013
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم تعد أزمة مضيق هرمز حدثاً سياسياً أو عسكرياً بعيداً عن حياة الناس، فقد امتد أثرها إلى حركة السفن وتكاليف الشحن والتأمين وسرعة وصول البضائع إلى دول المنطقة. ومع استمرار الاضطراب، ارتفعت أسعار بعض السلع، وقد يمتد الارتفاع إلى سلع أخرى إذا طالت الأزمة. وجانب من هذا الغلاء له أسباب حقيقية، فعبور السفن في منطقة عالية المخاطر يرفع أقساط التأمين، وقد يدفع شركات الشحن إلى فرض رسوم إضافية. كما أن تأخر وصول البضائع يزيد تكاليف التخزين والتمويل، وقد يضطر المستورد إلى استخدام طريق أطول أو وسيلة نقل أكثر كلفة حتى يحافظ على توافر السلعة. لكن ارتفاع هذه التكاليف لا يعني أن تصبح أزمة هرمز مبرراً مفتوحاً لزيادة أسعار جميع السلع وبأي نسبة. فليست كل السلع تمر بالطريق نفسه، ولا تمثل كلفة الشحن النسبة ذاتها من سعر كل سلعة. كما أن بعض البضائع المعروضة حالياً وصلت إلى قطر قبل ارتفاع تكاليف النقل والتأمين. ومن هنا يظهر ما يمكن تسميته «غلاء هرمز»، أي الزيادة التي فرضتها الأزمة فعلاً. غير أن هناك فرقاً بين هذه الزيادة الحقيقية وبين استغلال الظروف لرفع الأسعار بما يتجاوز ارتفاع التكلفة. فقد يسارع بعض التجار إلى رفع الأسعار بنسب تتجاوز الزيادة الفعلية أو المتوقعة في تكلفة استبدال المخزون، أو يرفعون أسعار سلع لم تتأثر مباشرة، مستفيدين من توقع المستهلك أن كل شيء سيصبح أغلى. ولا يعني ذلك اتهام التجار والمستوردين عموماً؛ فكثير منهم يواجهون ظروفاً صعبة ويحاولون المحافظة على تدفق البضائع رغم ارتفاع المخاطر. لكن حماية التاجر الجاد لا تتعارض مع مساءلة من يستغل الأزمة لتوسيع هامش ربحه. والفاصل بين الحالتين هو قدرة التاجر على إثبات مقدار الزيادة التي تحملها فعلاً. وقد تحركت الجهات المختصة في قطر مبكراً لمواجهة آثار الأزمة. فدعت غرفة قطر، بالتعاون مع الهيئة العامة للجمارك، شركات الشحن والنقل إلى استخدام المسار البري عبر المملكة العربية السعودية ونظام النقل الدولي البري «TIR»، مع تخصيص مسار سريع وتسريع التخليص من خلال نظام النديب الإلكتروني. وفي الوقت نفسه، كثفت وزارة التجارة والصناعة رقابتها على الأسواق، فنفذت بين 28 فبراير و22 مارس 2026 نحو 50 ألف جولة تفتيشية طارئة، وضبطت منشآت مخالفة وأغلقت منشأتين، في رسالة واضحة بأن ارتفاع التكلفة لا يمنح أحداً الحق في استغلال الأزمة. كما تمتلك قطر قاعدة بيانات للأسعار، بعد إلزام المنشآت التجارية والصناعية بتسجيل أسعار السلع والخدمات وتحديثها إلكترونياً. وهناك أيضاً سلع وخدمات لا يجوز رفع أسعارها من دون موافقة الجهة المختصة. وبذلك تتوافر أدوات لمقارنة الأسعار قبل الأزمة وبعدها، وربط أي زيادة بفواتير الاستيراد والشحن والتأمين. إلا أن استمرار الأزمة يتطلب البناء على هذه الإجراءات، والانتقال من الاستجابة العاجلة إلى خطة أطول مدى. وينبغي أن تسير هذه الخطة في اتجاهين متوازيين: منع استغلال الأزمة داخل السوق، وخفض تكلفة وصول البضائع إلى قطر عبر الطرق البديلة. ففتح الطريق البري خطوة مهمة، لكن نجاحه لا يقاس بوصول البضاعة فقط، بل بالتكلفة التي تصل بها. فإذا كانت كلفة الطريق البديل مرتفعة جداً، فسيدفع المستهلك ثمنها في النهاية. لذلك من المهم مقارنة تكاليف الاستيراد عبر المسارات المختلفة، واختيار الطريق الأنسب لكل نوع من السلع. ومن المهم أيضاً منح الأولوية في النقل والتخليص للغذاء والدواء والسلع الأساسية، وتقليل فترات انتظار الشاحنات عند المنافذ؛ لأن كل يوم إضافي يرفع تكاليف النقل والتبريد والتخزين. ويمكن دراسة تخفيف بعض الرسوم مؤقتاً، متى ثبت أن ذلك سينعكس على السعر النهائي، لا أن يتحول إلى زيادة في هامش الربح. أما داخل السوق، فينبغي أن تركز الرقابة على العلاقة بين ارتفاع التكلفة وارتفاع سعر البيع. فإذا أثبت المستورد أن تكلفة وصول سلعة معينة ارتفعت بنسبة محددة، فمن الطبيعي أن ينعكس جزء من ذلك على سعرها. أما إذا ارتفع السعر بنسبة أكبر كثيراً، فمن حق الجهة الرقابية أن تطلب تفسير الفارق. وفي المقابل، يجب الحذر من تثبيت جميع الأسعار بصورة جامدة؛ لأن إجبار المستورد على البيع بأقل من تكلفته قد يدفعه إلى تقليل الاستيراد، فتتحول مشكلة الغلاء إلى نقص في السلع. فالرقابة الناجحة تقبل الزيادة المبررة، وتكبح الزيادة التي تستغل الأزمة، وتحافظ في الوقت نفسه على استمرار الإمدادات. لقد أثبتت قطر في أزمات سابقة قدرتها على تنويع مصادر الاستيراد وبناء مخزون إستراتيجي والمحافظة على استقرار الأسواق. والمطلوب اليوم هو تطوير الإجراءات الحالية إلى خطة مستمرة لطرق استيراد بديلة ذات تكلفة مقبولة، مع رقابة تمنع استخدام اسم هرمز لفرض زيادات لا تبررها الأرقام. إن مواجهة «غلاء هرمز» تقوم على مسارين لا ينفصلان: تسهيل وصول البضائع إلى قطر بأقل تكلفة ممكنة، ومنع تضخيم هذه التكلفة عندما تنتقل إلى المستهلك. وبهذا التوازن يمكن حماية المستهلك، ومساندة التاجر الجاد، والمحافظة على استقرار السوق في وقت واحد.
5283
| 13 سبتمبر 2026
ليس المطلوب أن نضع الحكم الوطني في منطقةٍ محرَّمة لا يجوز الاقتراب منها بالنقد، كما أن المطلوب، في المقابل، ألا يتحول الخطأ في قرارٍ تحكيمي إلى مبررٍ للنيل من الحكم أو التشكيك في قدراته ومكانته. وبين الموقفين مساحةٌ واسعة من الإنصاف، هي التي نحتاج إليها حين نتحدث عن حكامنا الوطنيين. الحكم جزءٌ من منظومة كرة القدم، يخطئ ويصيب، ويخضع قراره للتقييم كما يخضع اللاعب والمدرب والإداري. لكن الفارق أن تقييم القرار ينبغي ألا يتحول إلى محاكمة للشخص، خصوصًا حين يكون الحديث عن حكامٍ وصلوا إلى مستويات متقدمة، وأثبتوا حضورهم في البطولات الخليجية والقارية والدولية. وجود تقنية الـVAR منح المنظومة التحكيمية أدواتٍ أكثر دقة للمراجعة والتدقيق، لكنه لم يُلغِ الاجتهاد البشري، ولم يجعل القرار التحكيمي آليًا. فما زالت هناك قراءة للواقعة، وتقدير للحالة، وفهمٌ للقانون، ثم قرارٌ يتحمل الحكم مسؤوليته. ولذلك فإن حماية الحكم نفسيًا لا تعني إعفاءه من المسؤولية، وإنما تعني أن نختلف معه دون أن نهدم ثقته بنفسه. وهنا تأتي مسؤولية الإعلام والأندية والإداريين. من حق النادي أن يحتج، ومن حق الإعلام أن ينتقد، لكن من واجب الجميع أن يضعوا النقد في إطاره الصحيح، وأن تكون القنوات الرسمية هي الطريق الطبيعي للاعتراض، لا التصريحات التي تُقال تحت تأثير الانفعال. وفي تقديري، فإن النقد المقبول هو الذي يناقش القرار التحكيمي ويبيّن الخطأ وأسبابه، أما حين يتجاوز النقد القرار إلى التشكيك في الحكم وقدراته ومكانته، فإنه يفقد قيمته ويتحول من نقدٍ للقرار إلى إساءةٍ للشخص. وأرى أن مشروع الحكم الوطني لا يمكن أن يتطور من دون بيئة تمنحه الثقة، وفي الوقت نفسه لا تعفيه من النقد والمساءلة. فهو يحتاج إلى دعمٍ مستمر، وإلى نقدٍ يطوّر ولا يهدم، وإلى لجنة حكامٍ تؤكد ثقتها في حكامها وتدافع عن حقهم في الاحترام. نحن لا نطالب بأن يكون الحكم فوق النقد، بل نطالب بأن يكون النقد بحجم الخطأ، وأن تبقى كرامة الحكم محفوظة. فحكامنا الوطنيون ليسوا خصومًا لأنديتنا، بل شركاء في نجاح كرتنا، والاختلاف معهم لا ينبغي أن يجرّدهم من حقهم في الاعتزاز بما حققوه، ولا نحن من حقنا أن نتخلى عن الاعتزاز بهم.
4116
| 10 سبتمبر 2026
■أجمل ما يمكن أن يحققه سفير هو أن تنتهي مهمته ولا تنتهي علاقاته الإنسانية ■ العلاقات القطرية - التركية أصبحت أكثر مؤسسية ولها آليات واضحة للحوار والتنسيق ■6 سنوات في مهمتي الدبلوماسية شهدت زيارات رسمية ومواقف لا تنساها القلوب ■الإنجاز الذي أعتز به هو ترسيخ الثقة المتبادلة بين تركيا وقطر ■حين تدخل مجلساً قطرياً سرعان ما تتراجع الرسميات ويبدأ التعامل الإنساني المباشر ■أغادر قطر وقد أصبحت جزءًا أعتز به من حياتي الشخصية لا من مسيرتي الدبلوماسية وحدها ■ أستأذن اليوم هذا المجلس الكبير قطر قيادةً وشعباً .. بإذنكم تزدان المجالس القطرية بعادة عريقة، يعرفها كل من جَالَس أهل هذه الأرض الطيبة؛ فالضيف يدخل المجلس مرحبًا به، ولا تكون كلمة الاستئذان عند دخوله، وإنما عند انصرافه. يستقبله راعي المجلس بالبِشر قبل الكلام، ويُصبّ له الفنجان الأول بيده أو بيد أحد أهل الدار، وتفوح رائحة القهوة الممزوجة بالهيل قبل أن يبدأ الحديث. وطوال الجلسة، لا يفكر الضيف في الرحيل؛ يستمع حينًا، ويتحدث حينًا آخر، ويشارك القوم أحاديثهم وضحكاتهم، وحتى لحظات صمتهم، إلى أن يشعر أنه من أهل المجلس لا من عابريه. فإذا استشعر أن الوقت قد حان، هزَّ الفنجان بين أصابعه إيذانًا باكتفائه، ثم التفت إلى راعي المجلس وقال: «بإذنكم». هذا ما تعلمته من أهل قطر: أن الاستئذان ليس بداية انقطاع، بل ختام جلسة طيبة، وإشارة إلى أن الضيف لم يبرح المجلس إلا بعد أن اكتمل أُنسه فيه. واليوم، بعد ست سنوات جلست فيها في مجلس قطر الكبير، بقيادته وشعبه، لا أجد طريقة أليق من طريقتكم لأختتم بها هذه المرحلة. أستأذن اليوم هذا المجلس الكبير، قطر قيادةً وشعبًا، بعد أن أنست فيه ست سنوات كاملة، لم أشعر خلالها بأنني ضيف عابر، بل صار لي فيه مكان مألوف، ووجوه أعرفها وتعرفني، وذكريات تتجاوز حدود العمل والبروتوكول. وبصدق يليق بلحظة كهذه، يصعب عليَّ أن أختصر ست سنوات في كلمات قليلة. حين وطئت قدماي أرض الدوحة للمرة الأولى، كنت أعرف أنني قادم سفيرًا لتركيا لدى دولة شقيقة وصديقة، لكنني لم أكن أعرف أنني سأغادرها وقد أصبحت قطر جزءًا من ذاكرتي ومن حياتي الشخصية، لا من مسيرتي الدبلوماسية وحدها. لم تكن الدوحة طوال هذه السنوات مكانًا أؤدي فيه مهمتي فحسب، بل أصبحت بيتًا ثانيًا؛ دخلت مجالس أهلها، وشاركتهم أفراحهم وأحزانهم ومناسباتهم، ولمست عن قرب كرمهم ووفاءهم وصدق مشاعرهم. وأعتقد أن أجمل ما يمكن أن يحققه سفير هو أن تنتهي مهمته الرسمية في البلد المضيف، ولا تنتهي علاقاته الإنسانية. وقبل أن أمضي في سرد محطات هذه السنوات، أستأذنكم في أن أتوجه أولًا بالشكر: شكرًا لأهل قطر على محبتهم وكرمهم وثقتهم. سأغادر بعد انتهاء مهمتي سفيرًا لتركيا، لكنني سأبقى صديقًا لقطر وشعبها. * من العلاقة القوية إلى الشراكة الحقيقية حين أستعيد هذه السنوات، أرى أن أهم ما ميّزها هو انتقال العلاقة بين قطر وتركيا من مستوى العلاقات القوية إلى شراكة حقيقية متعددة الأبعاد. لم تعد العلاقة محصورة في السياسة أو الاقتصاد، بل امتدت إلى الدفاع والأمن والاستثمار والتجارة والتعليم والثقافة والسياحة والإعلام، فضلًا عن العلاقات الإنسانية بين الشعبين. والأهم أن هذه العلاقة أصبحت أكثر مؤسسية، ولها آليات واضحة للحوار والتنسيق، وفي مقدمتها اللجنة الإستراتيجية العليا، التي عقدت حتى اليوم إحدى عشرة دورة، ووُقّع في إطارها أكثر من 125 اتفاقية، من بينها 68 اتفاقية جرى توقيعها خلال فترة عملي. لكن الإنجاز الذي أعتز به أكثر من أي رقم هو ترسيخ الثقة المتبادلة. فالاتفاقيات تُوقّع، والمشاريع تُنفّذ، لكن الثقة بين الدول والشعوب هي التي تمنح كل ذلك ديمومته، وتتيح البناء عليه في المستقبل. ولم يكن هذا التقدم ليتحقق لولا ما لمسته من دعم واهتمام متواصلين من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، حفظه الله، ومن معالي الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية، وما وفَّراه من بيئة ساعدت التعاون بين بلدينا على التقدم والتوسع. وكانت وزارة الخارجية القطرية شريكًا أساسيًا لنا، وقام تواصلنا معها على الاحترام والثقة. وأخص بالذكر والتقدير سعادة السفير إبراهيم فخرو، الذي كان قريبًا منا ومتعاونًا وحريصًا على تيسير العمل، وله مني خالص الشكر على مواقفه الأخوية التي أعتز بها. كما أشكر كل مسؤول وموظف قطري تعاملت معه خلال هذه السنوات؛ فكثير من التفاصيل التي قد تبدو صغيرة في العمل اليومي، من كلمة طيبة إلى مساعدة في إنجاز أمر ما، تترك في نهاية المهمة أثرًا لا يُنسى. * زياراتٌ رسمية ومواقف لا تنساها القلوب شهدت فترة عملي زيارات رسمية رفيعة المستوى، من بينها الزيارات المتعددة التي قام بها فخامة الرئيس رجب طيب أردوغان إلى دولة قطر، وزيارات حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني إلى الجمهورية التركية. وكانت اللقاءات بين القائدين تعكس في كل مرة مستوى واضحًا من الثقة والصراحة والتفاهم، خصوصًا في الفترات التي شهدت فيها المنطقة تطورات صعبة وكانت الحاجة إلى التشاور والتنسيق أكبر. ومع ذلك، فإن ما يبقى في الذاكرة إلى جانب الاجتماعات والاتفاقيات هو كثير من اللحظات الإنسانية والعفوية التي أحاطت بهذه اللقاءات، وأظهرت حجم التقارب الذي تشكل على مدى سنوات بين قيادتي البلدين ومؤسساتهما. وقد بدأت مهمتي في الدوحة في ظرف عالمي بالغ الصعوبة مع جائحة كورونا، ولمست خلالها مستوى التعاون بين قطر وتركيا في وقت واجه فيه العالم كله ظروفًا استثنائية. ثم جاءت استضافة قطر لكأس العالم 2022، وكانت من المحطات المهمة التي عشتها هنا. شاركت شركات تركية عديدة في تنفيذ مشاريع مرتبطة بالبطولة، وأسهمت تركيا بخبراتها في دعم جوانب أمنية وتنظيمية، وكنا سعداء بالنجاح الذي حققته قطر في استضافة هذا الحدث العالمي. وحين وقع الزلزال المدمر في تركيا عام 2023، رأيت من قطر، قيادةً وشعبًا، تضامنًا ومساعدات تركت أثرًا عميقًا لدينا. وصلت فرق الإنقاذ والمساعدات والمستشفيات الميدانية، ووجدنا مشاعر تضامن صادقة من المجتمع القطري في واحدة من أصعب اللحظات التي مر بها شعبنا. وظل التنسيق بين البلدين، سياسيًا وإنسانيًا، حاضرًا خلال أزمة غزة، انطلاقًا من الحرص على تخفيف معاناة الفلسطينيين، والدفع نحو وقف إطلاق النار والوصول إلى حل عادل ومستدام. ومن المواقف المؤلمة التي أثرت فيَّ كذلك حادثة سقوط المروحية العسكرية القطرية، حيث كانت مشاعر الحزن والتضامن في تركيا صادقة وقريبة. وحين فقدت قطر صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، شاركنا في تركيا أشقاءنا القطريين حزنهم. فهناك لحظات تذكِّرنا بأن العلاقات بين الدول، مهما اتسعت ملفاتها السياسية والإستراتيجية، تبقى لها أيضًا أبعاد إنسانية يصعب اختزالها في البيانات الرسمية. * آفاقٌ رحبة: من متانة الدفاع إلى تجسير الثقافة والإنسان خلال هذه السنوات، تطور التعاون الدفاعي بين قطر وتركيا من التدريب وتبادل الخبرات إلى تعاون مؤسسي ومشاريع مشتركة، وصولًا إلى الصناعات الدفاعية ونقل التكنولوجيا، على أساس بناء قدرات مشتركة وليس الاكتفاء بعلاقة بيع وشراء. وشهد التعاون الاقتصادي بدوره نموًا ملحوظًا؛ إذ تعمل اليوم أكثر من ألف شركة تركية في قطر، ونحو 250 شركة قطرية في تركيا، إلى جانب اتفاقية التجارة في السلع والخدمات والاستثمار «TEPA» التي تفتح مجالًا أوسع للتعاون. وطموحنا هو رفع حجم التبادل التجاري إلى خمسة مليارات دولار، بالتوازي مع مواصلة تنمية الاستثمارات المتبادلة وفتح مجالات جديدة أمام القطاع الخاص. وما أعتز به بقدر خاص هو ما تحقق في الثقافة والتعليم والسياحة، لأن الشعوب هي التي تمنح الاتفاقيات روحها واستمراريتها. تعاونَّا مع جامعات ومؤسسات تعليمية قطرية، واستفاد أكثر من مائة طالب من برامج المنح خلال هذه السنوات. وأعتز شخصيًا بمشروع المدرسة التركية الجديدة في قطر، الذي بدأنا العمل عليه استجابة لحاجة أبناء الجالية التركية، وأراه استثمارًا في الأجيال القادمة، وليس مجرد مشروع تعليمي. وما كان لهذا المشروع المهم أن يتقدم لولا الدعم الذي قدمته دولة قطر، وهو دعم نقدره لما يحمله من اهتمام بالتعليم وباحتياجات الجالية التركية المقيمة في البلاد. كما أصبحت السياحة جسرًا متينًا بين الشعبين؛ فهناك حضور قطري متزايد ومستمر في مختلف المدن والمناطق التركية، وفي المقابل ازداد اهتمام الأتراك بزيارة قطر والتعرف إليها عن قرب. وفي الملفات الإقليمية، أؤمن بأن قطر وتركيا تدركان أهمية إبقاء باب الحوار مفتوحًا عندما تضيق مساحات الحلول الأخرى. وقد تعاون البلدان في دعم جهود الوساطة والسلام في غزة وسوريا وأفغانستان وغيرها، انطلاقًا من مسؤولية تجاه شعبيهما واستقرار المنطقة. * رسالة إلى أهل الدار أما اليوم، وأنا أستعد للمغادرة، فأريد أن تكون كلمتي الأخيرة إلى أهل قطر. عشت بينكم ست سنوات، ودخلت بيوتًا ومجالس كثيرة، وأول ما يحضرني حين أفكر في هذه السنوات هو الكرم؛ لا كرم الضيافة وحده، بل كرم المشاعر أيضًا. حين تدخل مجلسًا قطريًا، سرعان ما تتراجع الرسميات، ويبدأ التعامل الإنساني المباشر. وكم من مجلس دخلته لا أعرف معظم من فيه، ثم خرجت منه وقد عرفت وجوهًا وأسماء وقصصًا، ونشأت علاقات استمرت بعد تلك الجلسة الأولى. ولمست في كثير ممن عرفتهم من أهل قطر حرصًا على حفظ الود وتقدير المواقف والعلاقات، وهي قيمة وجدتها قريبة جدًا من قيم المجتمع التركي. علمتني مجالسكم أن المجلس ليس مكانًا للجلوس فحسب، بل مساحة لفهم المجتمع وقيمه؛ فيه يتعلم الإنسان حسن الاستماع والاحترام والكرم، ويتعرف إلى الناس بعيدًا عن المكاتب والرسميات. فشكرًا لكم على محبتكم وكرم ضيافتكم، وعلى كل ما جعل من هذه السنوات تجربة ستبقى حاضرة في ذاكرتي. قد لا أتذكر بعد سنوات تفاصيل كل اجتماع أو ملف عملت عليه، لكنني لن أنسى الوجوه والبيوت والمجالس التي فتحت لي أبوابها. وحين يسألني أحد: ماذا ستأخذ معك من قطر؟ سأقول: سأحمل معي ذكريات الناس. فأجمل ما منحته لي هذه السنوات ليس منصبًا ولا مكانًا، بل صداقات وعلاقات إنسانية تركت أثرًا في حياتي. * إذنُ انصراف.. لا كلمة وداع وهكذا أستأذنكم في الانصراف، لا في الوداع. فالوداع يوحي بفراق تام، وأنا لا أشعر أن علاقتي بقطر ستنتهي بانتهاء مهمتي. سأغادر الدوحة حاملًا معي ذكريات وصداقات ومواقف ستبقى عزيزة عليَّ. فهذه الرحلة لم تكن مهمة دبلوماسية فحسب، بل مرحلة من عمري أصبحت فيها قطر جزءًا من ذاكرتي ووجداني. وأرجو أن أعود إليها دائمًا؛ لا بصفة رسمية بالضرورة، بل صديقًا يعود إلى مكان عرف فيه المحبة، وترك فيه أصدقاء سيبقون قريبين منه مهما باعدت المسافات. لذلك، وكما تعلمت من مجالسكم، لا أقول وداعًا. أرفع بصري إلى أهل الدار، وأقول ببساطة: بإذنكم. دمتم بخير، ودامت قطر وتركيا شقيقتين تجمعهما الصداقة والتعاون والوفاء. - سفير الجمهورية التركية في قطر
2775
| 14 سبتمبر 2026