رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. حمد المري

مساحة إعلانية

مقالات

261

د. حمد المري

من المعرفة إلى الأثر.. ماذا تصنع القيادة؟

18 أغسطس 2026 , 11:12م

انتهينا في المقالة السابقة إلى سؤال: إذا كان التدريب يستطيع أن يبني المعرفة والمهارة، فمن الذي يحوّل هذه المعرفة إلى أداء وأثر مستدام؟

قد تمتلك المؤسسة موظفين مؤهلين، وتستثمر في تدريبهم وتطوير مهاراتهم، وتوفر لهم الأدوات والإمكانات، ومع ذلك لا تحصل منهم على أفضل ما لديهم. وفي بيئة أخرى، قد يعمل أشخاص بالمستوى نفسه من الكفاءة، فتظهر قدراتهم، وتتسع مبادراتهم، ويتحول أداؤهم إلى نتائج ملموسة.

فما الذي صنع هذا الفرق؟

هنا يظهر دور القيادة. فالقائد لا يضيف إلى موظفيه المعرفة فقط، وإنما يصنع البيئة التي تسمح لما لديهم من معرفة ومهارة بأن تتحول إلى أداء وأثر. فالإنسان قد يعرف ماذا يفعل، ويمتلك القدرة على فعله، لكنه يحتاج إلى قيادة توضح له الاتجاه، وتمنحه الثقة، وتفتح أمامه مساحة للمبادرة وتحمل المسؤولية.

ومن واقع الممارسة العملية، كثيرًا ما نجد أن المشكلة ليست دائمًا في نقص كفاءة الأفراد، بل في بيئة قيادية لم تمنح تلك الكفاءة فرصة كافية للظهور. فهناك قائد يحتفظ بالقرار، ويخشى التفويض، ويتدخل في التفاصيل، فيصنع حوله أفرادًا ينتظرون توجيهاته. وفي المقابل، هناك قائد يوضح الهدف، ويمنح الثقة والصلاحية، ويتابع دون أن يخنق المبادرة، فيصنع أفرادًا يتحملون المسؤولية ويتطورون مع التجربة.

وهنا تظهر إحدى أهم مسؤوليات القيادة: بناء الصف الثاني. فالقائد الحقيقي لا يبحث فقط عمن ينفذ قراراته، بل يعمل على إعداد من يستطيع تحمل المسؤولية واتخاذ القرار وقيادة الآخرين عند الحاجة. فنجاح القائد لا يكتمل بما يحققه في وجوده، وإنما بما تستطيع المؤسسة الاستمرار في تحقيقه بعد غيابه.

ومن هنا، فإن القيادة لا تُقاس فقط بما ينجزه القائد بنفسه، بل بما يجعل الآخرين قادرين على إنجازه.

وهذا يتطلب أن ينتقل القائد من إدارة كل التفاصيل إلى بناء القدرات، ومن إصدار الأوامر إلى توضيح الاتجاه، ومن صناعة أفراد يعتمدون عليه إلى صناعة قادة قادرين على تحمل المسؤولية من بعده.

فالقائد الذي يجعل المؤسسة مرتبطة بحضوره قد يحقق نجاحًا، لكنه نجاح يظل معرضًا للتراجع عند غيابه. أما القائد الذي يبني الإنسان، ويهيئ الصف الثاني، وينقل الخبرة والصلاحية، فإنه لا يصنع إنجازًا فقط، بل يبني قدرة مؤسسية تستمر وتتطور.

وهنا يصبح السؤال الحقيقي في تقييم القيادة ليس فقط: ماذا أنجز القائد؟ بل أيضًا: ماذا أصبح الآخرون قادرين على إنجازه بفضل قيادته؟

فالقيادة الحقيقية لا تصنع كل ما لدى الأفراد من قدرات، لكنها تستطيع أن تكتشفها، وتمنحها المساحة، وتوجهها نحو صناعة الأثر.

وهذا يقودنا إلى سؤال مهم: هل تصنع القيادة قدرات الأفراد أم تكشف أفضل ما لديهم؟

وهذا ما سنحاول الإجابة عنه في المقالة القادمة

مساحة إعلانية