رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
بيني وبين فلسطين قصة حب، وحكاية عشق، تنبع من شعور قومي دفيق، وشغف دافق عتيق، وشوق متدفق عميق، لقدسها ومقدساتها، ذات الإرث الحضاري، والتراث العربي، والتاريخ الإسلامي العريق.
ويحركها ارتباطي الوثيق بأهلها في قطاع غزة والقدس ومدن الضفة والحواضر في يافا وحيفا وعكا، حيث يوجد الأخ، ويعيش الصديق، ويحيا الرفيق.
.. وهناك في أماكن الشتات وسائر المخيمات وكل المدن الفلسطينية المحتلة والبلدات التي تعاني من احتلال صهيوني صفيق.
ويرسخها إيماني العميق بحقوق شعبها العريق الذي تربطني مع مختلف توجهاته الرسمية ومكوناته الشعبية علاقات متشعبة، تتنوع في طبيعتها، وتتجذر في خصوصيتها، وتتعمق في تفاصيلها، مع هذا الشعب العربي الشقيق.
ومنذ أن كنت طفلاً في المدرسة، ترسخ في وجداني يقين عريق، بعدالة قضيتها، وكنت أغني أناشيدها مع أستاذي الفلسطيني «خالد نصر»، مدرس التربية الفنية، في مدرسة «الخليج العربي» الابتدائية، التي كانت تستقطب أبناء الأهالي في «أم غويلينة» ومحيطها، هناك عند مشارف «فريجنا» العتيق.
ومن يومها ذاك، وحتى يومنا هذا، ما زلت أحفظ كلمات الأناشيد المدرسية، التي تتغنى بحب فلسطين الحبيبة، وأرضها الحبيسة وشعبها العربي المحبوس في سجون الاحتلال، هناك خلف قضبان الاعتقال وقيود الأغلال.
ومع تواصل مأساة أولئك الأسرى من النساء والرجال، ومعاناة آلاف المعتقلين، وبينهم الكثير من الأطفال، وتسلسل قصص المقاومين الأبطال، وتوالي حكايات النازحين، الذين يسيرون على أقدامهم فوق الرمال، وضحايا العدوان الصهيوني الذين يبحثون عن مأوى خلف التلال.
أقولها ـ بثقة ـ وبلا جدال ومواربة، إن الفلسطينيين، على مدى تاريخهم الطويل مع النضال، لم تمر عليهم منذ عهد الإنجليزي بلفور، صاحب الوعد المشؤوم، كارثة سياسية، أخطر من المخطط الأمريكي ـ الصهيوني، الذي يتم ترويجه حالياً في واشنطن وتل أبيب، ويستهدف تهجيرهم قسرياً خارج وطنهم، تحت غطاء ما يسمى «ريفيرا» الشرق الأوسط.
وخلال سنوات عمري المتسلسلة من زمن الطفولة مرورا بمرحلة الشباب ووصولي إلى دخول عالم «الشياب»، لم أشهد في حياتي مشروعاً فوضوياً مثل هذا، الذي يستهدف تصفية القضية الفلسطينية واقتلاعها من جذورها، واجتثاثها من أرضها وتهجير أهلها من بيوتهم قسراً، وإبعادهم من ديارهم قهراً، ونقلهم من وطنهم ظلماً، في إطار أبشع عملية تطهير عرقي، وأخبث عملية تمييز عنصري في تاريخنا المعاصر، تحت مسمى «ريفيرا» الشرق الأوسط.
فهذا المخطط الشيطاني يتضمن خليطاً ساماً من الأفكار الانتهازية والمخططات الابتزازية والأجندات الاستعمارية والأطروحات الاستعلائية والمؤامرات الاستبدادية ذات النتائج الكارثية.
وهو يستهدف في تفاصيله المعلنة، الاستحواذ على الواجهة البحرية في قطاع غزة، المطلة على المياه الفيروزية.
أما حيثياته الملعونة فهي تتمثل في السيطرة الكاملة والدائمة والمطلقة على القطاع الفلسطيني المقطع، واحتلاله أرضاً، وتملكه جواً، واستغلاله تراباً، والسيطرة عليه هواء.
وتهجير جميع مكوناته قسراً، وإبعادهم خارج وطنهم المحتل ظلماً، بشكل ينتهك حقوقهم ويعتدي على حدودهم ويتعدى على ممتلكاتهم ويستولي على أرضهم.
ومن المؤكد، بشكل أكيد، وبكل تأكيد، أن ما يسمى مشروع «ريفيرا» الشرق الأوسط، المرفوض عربياً، المستنكر دولياً، المستهجن جماهيرياً، المدان حقوقياً، الممقوت فلسطينياً، تسبب في إحداث «الشرخ الأوسع» في المساعي المبذولة لتحقيق السلام المشروخة أصلاً بفعل العدوان الصهيوني على الفلسطينيين.
وأدى هذا المخطط الاستعماري غير المشروع إلى زيادة تعقيدات الوضع السياسي المعقد أصلاً في الشرق الأوسط، بسبب ظروف المنطقة بالغة التعقيد، على كل جبهة وصعيد.
ونأتي إلى ذروة التصعيد المتمثل في سعي الرئيس الأمريكي لتغيير الواقع الجيوسياسي في عالمنا العربي، لصالح المشروع الصهيوني.
وقبل أن يزعم أمام من يؤيدونه من الأمريكيين أنه يسعى لاسترجاع هيبة بلاده، وقبل أن يروج المزاعم أنه سيجعل الولايات المتحدة عظيمة في عهده على حساب انتهاك حقوق المستضعفين، ينبغي عليه، أولاً ودائماً، أن يوظف «عبقريته» المزعومة في إيجاد الحلول الفورية والجذرية لأزمات بلاده الداخلية، وفي مقدمتها أزمة «البيض» الذي يشهد ارتفاعاً حاداً في أسعاره، مع ندرة وجودية فيه، لعدم توفره في متاجر «السوبر ماركت».
وهذا الأمر تسبب في حدوث الكثير من المواجهات، والعديد من الصدامات و«الهوشات»، بين المواطنين الباحثين عن البيض المفقود، وباتوا يتواجهون باللكمات، ويتصارعون بالكلمات، من أجل الحصول على قليل من «البيضات»!.
ولكل هذه المشاحنات لا يمكن لسيد «البيض الأبيض»، عفوا أقصد «البيت الأبيض»، أن يتحدث عن الأزمات في الخارج الأمريكي، قبل إيجاد الحلول لمعضلات الداخل الأمريكي، التي تنعكس سلبياً على حياة المواطن الأمريكي!
ومن الضروري أن يوفر الرئيس الأمريكي كراتين البيض في المتاجر للشعب الأمريكي، قبل التفكير في «ريفيرا» الشرق الأوسط، الذي يستهدف تهجير الشعب الفلسطيني.
ولأن هذا المشروع قد بني على الخداع والكثير من الأطماع، ويساهم في تغذية الصراع، ويؤدي إلى زيادة الصداع، ومضاعفة الأوجاع، التي يعاني منها الشعب الفلسطيني، فهو يشكل انتهاكاً صارخاً، لمواد العهد الدولي، الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
وهذا «العهد القانوني»، يعتبر من أهم المعاهدات الدولية متعددة الأطراف، التي اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة، في السادس عشر من ديسمبر عام 1966، ودخلت حيز التنفيذ، في 23 مارس عام 1976، وصدقت عليها 168 دولة.
ويتضمن هذا العهد القانوني أو التعهد الدولي، (54) مادة، تنص مادته الأولى على أن لجميع الشعوب حق تقرير مصيرها بنفسها، وبمقتضى هذا الحق، فهي حرة في تحديد مسارها وموقفها ومستقبلها ونظامها السياسي، ولا يجوز حرمان أي شعب من أسباب عيشه الخاص.
والغريب، بل والعجيب المريب، أن واشنطن التي تزعم احترامها للخيار الديمقراطي، وتدعم نتائج الصندوق عندما يكون على هواها، نجدها تنتهك حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم، عبر تنظيم استفتاء شعبي يحدد موقفهم من قيام دولتهم المستقلة.
والمفارقة العظمى والطامة الكبرى بحجم المكتب البيضاوي الذي تصنع في القرارات الأمريكية أن الولايات المتحدة وقعت على مواد العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الصادر عن الأمم المتحدة، وصدقت على هذه المواد الملزمة بالقبول، وتعهدت بالالتزام بتنفيذها.
وهذا يدفعني إلى تنبيه الإدارة الأمريكية الحالية إلى هذه الحقيقة، التي ربما لا تعلم عنها شيئاً، ولها سوابق في ذلك، تعكس الجهل بالملفات الدولية، وتجاهل قواعد وحدود الجغرافيا السياسية.
ولعل قيامها بالخلط ـ جهلاً ـ بين «غزة فلسطين»، و«غزة» الأخرى الواقعة في موزمبيق، يعكس هذه الحقيقة، بعد محاولتها تشويه الواقع الفلسطيني، بشأن قضية «الواقيات»، التي أرسلتها واشنطن إلى محافظة «غزة الموزمبيقية»، وادعت إرسالها إلى «غزة الفلسطينية».
ولا يحتاج الأمر إلى توضيح أن الشعب الفلسطيني المستهدف في حاضره والمتنازع على مستقبله يريد زيادة النسل، وليس تحديده.
وما من شك في أن أي إدارة سياسية لا تعترف بهذه الحقيقة ولا تعرف الفرق بين «غزة» الموجودة في فلسطين، و«غزة» الواقعة في موزمبيق، فإنها حتماً لا تملك الحق في تحديد مسارات خريطة الطريق المؤدي إلى مشروع «ريفيرا» الشرق الأوسط.
ومشكلة الرئيس الأمريكي أنه لا يعرف قيمة الأرض الذي ولد فيها الإنسان الفلسطيني، ونشأ على ترابها، وعاش في مساكنها، وكبر في شوارعها، وترعرع في أزقتها، وتفرع نسله العربي في بلداتها وقراها.
ولا يعرف أهمية الأرض في حياة الفلسطيني الذي يستمد من ترابها، ويتعايش مع تضاريسها، ويتنسم من مناخها، ويتعامل مع تلالها، و«بياراتها»، ويتصف بصفاتها، ويكتسب من مواصفاتها الشيء الكثير والمعنى الكبير، الذي يشكل سمات شخصيته الصلبة الصامدة، الصبورة، المقاومة لكل المتغيرات المحيطة به.
إنه سر الأرض الفلسطينية، العربية، المرتبطة بالإنسان الفلسطيني، بكل سهولها، وهضابها، وسمائها، ورمالها التي ضحى المقاوم الفلسطيني بحياته دفاعاً عنها، تعبيراً عن ارتباطه بها.
وتأكيداً على العطاء المعنوي والمادي والدموي والوطني السخي، من أجل أن يبقى متجذراً في فلسطين، مثل أشجار الزيتون، وعندما يستشهد، يدفن في أرضه التي يحبها وتحبه.
ولكل هذا، لا يمكن لأي قوة غاشمة، أن تبعده عنها، ولا يمكن لأي سلطة «غشيمة»، أن تقتلع جذوره منها، لسبب رمزي بسيط، ربما لا يفهمه الرئيس الأمريكي، ويتلخص في أن الفلسطيني هو صاحب الأرض، وهو سيدها، وهو ابنها الذي يصعب اقتلاعه منها وإبعاده عنها.
وينبغي أن يفهم رئيس الإدارة الأمريكية أن حق الفلسطيني في أرضه هو حقه في الحياة، وفي الحرية، والانتماء والهوية، والتاريخ والجغرافيا، والوطن والحضارة التي صنعها فوق تلك الأرض.
مع تأكيد حقه في امتلاك «البيارة»، التي زرعها، وحقه في الحفاظ على «الفخارة»، التي طبخت فيها والدته، وجبته المفضلة.
لكن حفيد المستوطن الألماني، «فريدريتش ترامب»، المهاجر من قرية «هالشتات» أو «كالشتات» الألمانية، إلى الولايات المتحدة، هرباً من التجنيد الإلزامي في الجيش الألماني.
هذا الحفيد، الطافح بالنرجسية المتورمة، والانتهازية المتضخمة، لا يعرف قيمة الأرض، بالنسبة للإنسان الفلسطيني، وماذا تعني لأهالي غزة؟
والسبب أن جده الهارب من الخدمة العسكرية، في وطنه الأصلي فرط في أرضه، الواقعة في البلدة الريفية الصغيرة، جنوب غرب ألمانيا، حيث موطن أجداده، ومعقل أسلافه من السلالة «الترامبية».
أما والده، المقبور «فريد ترامب»، فقد كان من أكثر المؤيدين للمواقف الصهيونية، ومن أبرز المناصرين للمؤسسات الإسرائيلية، ومن أشد الداعمين للقضايا اليهودية، وهذا دفعه للمساهمة في بناء مركز يهودي في حي «بروكلين» في نيويورك.
وكل هذا يفسر انحياز الرئيس الأمريكي لمواقف اليمين الصهيوني المتطرف، ودعمه لتوجهات التيار الإسرائيلي المتعجرف، الذي يخطط لتهجير الفلسطينيين من أرضهم، وإبعادهم من ديارهم، لتوسيع الحركة الاستيطانية، وبناء المستوطنات اليهودية في الأراضي المحتلة، باعتبار على حد قوله أن مساحة الكيان «تبدو صغيرة على الخريطة، ولطالما فكرت كيف يمكن توسيعها».
والذي استطرد، دون حياء، وبنظرة كلها عجرفة واستعلاء: «إسرائيل دولة صغيرة جدا. مكتبي يشبه الشرق الأوسط، وهل ترى هذا القلم في يدى إنه جميل جدا بالمناسبة، إسرائيل تشبه رأس هذا القلم فقط، وهذا ليس جيدا، أليس كذلك؟».
ولهذا نجده يصر إصرارا مريبا، على طرح مخططه الاستعماري، بعنوانه الاستثماري، المسمى «ريفيرا» الشرق الأوسط، لأنه يسعى لتحقيق المصالح الصهيونية، على حساب الخيار القانوني الصالح، المتمثل في مبدأ «حل الدولتين».
علماً بأن العرب، الذي سيجتمعون في القاهرة، في القمة العربية الطارئة، المقررة في السابع والعشرين من الشهر الجاري، لديهم القدرة المالية، وعندهم الإمكانيات الهندسية والعمرانية، والعقارية، والفنية والتقنية، التي يستطيعون من خلالها إعمار قطاع غزة، وإزالة آثار الدمار، وجعل القطاع المدمر قابلاً للحياة، دون تهجير قسري أو تطهير عرقي، لسكانه الفلسطينيين، بما يضمن حفاظهم على أرضهم، ويكفل حقوقهم ومقدراتهم، ويحفظ لهم «بياراتهم» وبرتقالهم وزيتونهم وزعترهم.
ولكل هذه المعطيات، أستطيع القول إن الفلسطيني المحروم من الحرية في وطنه المحتل، منذ أكثر من 70 عاماً، لا يريد «ريفيرا» على طريقة «كوت دازور» الفرنسية، ولا «ريفيرا» على طريقة «بورتوفينو» الإيطالية.
لكنه يريد وطناً حراً، ودولة مستقلة ذات سيادة معترفا بها دولياً عاصمتها القدس الشرقية.
أكرر: يريد دولة سالمة مسالمة ليس فيها عنصرية الصهاينة، ولا عدوانية بن غفير، ولا استفزازات سموتريتش، ولا أحقاد نتنياهو، ولا كراهية الحاخامات المتطرفين، ولا اعتداءات المستوطنين المسعورين.
وأقولها نابعة من قلبي، وأنطقها بلساني لتدوي، وأكتبها بقلمي الصغير، وأضعها على طاولة «المكتب البيضاوي» الكبير، ليقرأها سيد «البيت الأبيض» مؤكداً له أن ضمان حقوق الفلسطيني في أرضه، سيساهم في ترسيخ الأمن والسلام العادل والشامل وسيضمن تحقيق التعايش السلمي المستدام، بين شعوب المنطقة.
وسيبقى الفلسطيني، الذي يعرف كم عدد حبات الرمال في أرضه، متماسكاً في دياره، متمسكاً بترابه الوطني، مهما كانت الظروف، ومهما زادت الضغوط، ومهما علت التحديات، ومهما كثرت المخططات، ومهما حيكت المؤامرات، التي تستهدف حياته، وتنال من حريته.
وبكل مبادئ وقواعد الحرية الواعية، لا أجد ما أختم به مقالي، سوى أن أرفع صوتي عالياً، ناطقاً بالحق والحقيقة، وأجر الصوت من حنجرتي، مردداً أنشودة فلسطين، وشعبها الحزين:
يا صوتي ضلك طاير، زوبع بها الضماير
خبرهن عاللي صاير، بلكي بيوعى الضمير
خبرهن عاللي صاير، بلكي بيوعى الضمير.
«أحياء عند ربهم».. يرزقون من ثمار الجنة ونعيمها
- شـهـــداء قطــر.. شرفــاً.. ومجــداً.. وفخــراً -صاحب السمو.. قائد بحكمته.. زعيم بحنكته.. أمير بإنسانيته - سقوط المروحية.. جعلنا... اقرأ المزيد
6888
| 30 مارس 2026
إيران.. وإستراتيجية العدوان على الجيران
-رغم مبادرات قطر الودية.. تنكرت طهران لمواقف الدوحة الإيجابية -قطر بادرت عام 2007 بدعوة نجاد كأول رئيس إيراني... اقرأ المزيد
2688
| 07 مارس 2026
تحية مطرزة بالفخر.. لمنظومتنا الدفاعية
-الفخر بقيادتنا الحكيمة.. والشكر لحكومتنا الرشيدة - دفاعاتنا الجوية نجحت في إسقاط صواريخ العدوان ومسيرات إيران - الاستهداف... اقرأ المزيد
1542
| 02 مارس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل الطريق إلى المدرسة مجرد مسافة نقطعها كل صباح، أم أنه وقت يمكن أن نستثمره مع أبنائنا؟ سؤال يستحق أن نتوقف عنده ونحن نشاهد المبادرة الجميلة «وصل عيالك» التي أطلقتها مشكورة وزارة التنمية الاجتماعية والأسرة، لتشجيع أولياء الأمور على توصيل أبنائهم إلى المدارس. وأرى أن هذه المبادرة تؤكد وعي الجهات الاجتماعية بأهمية التفاصيل الصغيرة في حياة الأسرة، فقيمتها الحقيقية تتجاوز بكثير مسألة إيصال الطالب من باب المنزل إلى باب المدرسة، إلى معنى أعمق بكثير؛ وهو استثمار هذا الوقت في الاقتراب من أبنائنا، والاستماع إليهم، والحديث معهم، واستعادة شيء أصبح نادرًا في حياتنا المعاصرة: الحضور الحقيقي مع أبنائنا. نعيش اليوم حياة سريعة ومزدحمة، الأب والأم لديهما أعمال والتزامات ومواعيد، والهاتف لا يتوقف، ورسائل العمل تلاحقنا حتى خارج أوقات الدوام، وأصبحت الأسرة أحيانًا تجتمع في مكان واحد، لكنها لا تجتمع فعلًا؛ كل شخص حاضر بجسده وغائب بذهنه. لذلك قد تكون عشر دقائق أو ربع ساعة في السيارة مع ابنك، وأنت حاضر معه فعلًا، أهم من ساعات طويلة تقضيها بجانبه وأنت منشغل بهاتفك أو عملك أو عالم آخر بعيد عنه. وهنا تكمن روعة الطريق إلى المدرسة. في الصباح الباكر يكون ذهن الطفل هادئًا بعد قضاء راحة ونوم، وأنت بجواره في مساحة صغيرة لا تلفاز فيها ولا مجلس مزدحم ولا مقاطعات كثيرة. تحدثه، وتسأله: ماذا لديك اليوم؟ ما المادة التي تحبها؟ ما الذي يزعجك في المدرسة؟ ماذا تتمنى أن تصبح؟ من أقرب أصدقائك؟ ولماذا تحب هذا المعلم ولا ترتاح لذاك؟ لا تجعل المشوار تحقيقًا يوميًا معه، بل اترك الحديث يأتي بعفويته. فقد تبدأ القصة بجملة بسيطة جدًا يقولها طفلك في السيارة، ثم تكتشف خلفها عالمًا كاملًا لم تكن تعرف عنه شيئًا. وربما تسمع من ابنك في السيارة شيئًا لن يقوله لك وهو جالس أمامك في البيت. فالطفل أحيانًا لا يحتاج إلى جلسة رسمية عنوانها «تعال أريد أن أتحدث معك»، بل يحتاج إلى لحظة آمنة وعفوية يشعر فيها أنك قريب منه وتسمعه دون محاكمة أو استعجال. وبين إشارة مرور وأخرى قد يخبرك عن صديق يضايقه، أو معلم يحبه، أو موقف أخافه، أو فكرة تشغله، أو حلم يريد الوصول إليه.أما رحلة العودة من المدرسة فلها حكاية أخرى. يركب ابنك السيارة وقد عاش عدة ساعات بعيدًا عنك، محملًا بالمواقف والأسئلة والضحكات وربما الغضب والحزن أيضًا. يريد أن يخبر أحدًا بما حدث: «اليوم المعلم قال لنا…»، «فلان فعل كذا…»، «تعرف ماذا حدث في الفصل؟»، «اليوم حصلت على درجة…». قد تبدو لنا هذه التفاصيل صغيرة، لكنها بالنسبة إليه حياته التي يعيشها الآن.وكلما اعتاد أن يجد أذنك في الأشياء الصغيرة، زادت احتمالية أن يبحث عنك عندما تأتي الأشياء الكبيرة. وهذه في رأيي إحدى أجمل رسائل مبادرة «وصل عيالك»؛ أن تذكرنا بأن التربية ليست دائمًا محاضرات طويلة ولا جلسات مخططًا لها، وأن بناء العلاقة مع الأبناء قد يحدث في تفاصيل صغيرة جدًا كنا نظن أنها مجرد وقت ضائع في الطريق. لكن من المهم جدًا ألا نحول جمال هذه الفكرة إلى لوم للآباء والأمهات الذين لا يستطيعون توصيل أبنائهم. فالبيوت تختلف، وظروف العمل تختلف، وأوقات الدوام تختلف، وهناك من يعتمد على الحافلة المدرسية أو السائق، وهناك أم أو أب يبدأ عمله قبل بداية المدرسة أو يعمل في مكان بعيد، وعدم توصيل الأبناء لا يعني أبدًا التقصير في حقهم فهم يكدحون من اجل هذه العائلة ومستقبل الابناء.المبادرات الجميلة يفترض أن تفتح لنا أبوابًا لا أن تصدر علينا أحكامًا. الرسالة الأوسع والأهم هنا: ابحث عن وقت تكون فيه حاضرًا فعلًا في حياة ابنك.إن استطعت أن يكون ذلك في الطريق إلى المدرسة، فلا تهدر هذه الدقائق. أغلق إشعارات الهاتف واترك الهاتف جانبًا لانه من أسباب دمار العائلة وإشغالها، واسمعه اكثر من ان تكلمه لأن أبناءنا، خصوصًا في سنوات النشأة، لا يحتاجون منا إلى عدد كبير من الساعات بقدر حاجتهم إلى لحظات يشعرون فيها أن آباءهم وأمهاتهم موجودون من أجلهم فعلًا. وقد تكون عشر دقائق في طريق المدرسة قصيرة جدًا في حساب الزمن، لكنها في ذاكرة ابنك، وفي علاقتك به، طريق طويل يستحق أن نسلكه.
32145
| 01 سبتمبر 2026
-أخطر دروس المأساة السودانية أن الدولة لا تحتمل جيشين -كانت بيني وبين البشير مساحة من الصراحة تجاوزت أحياناً حدود اللغة الدبلوماسية - قطر لها مع السودان قصة طويلة من العلاقات والعمل الإنساني والثقافي - السودان أكبر من محنته وأبقى من مليشيا وأغنى من أن تختصره حرب - مليشيا الدعم السريع وجدت خارج السودان من راهن عليها ومدّها بأسباب القوة - السودان جمع عناصر التاريخ والجغرافيا والثروة ولم يستطع تحويلها لاستقرار يليق به - بعض الأشقاء تقاطعت مصالحهم مع إسرائيل ووقفوا ضد مصالح أمتهم - أنظر بتفاؤل إلى مجلس التنسيق السعودي – السوداني وأراه خطوة تستحق الدعم للسودان في نفسي مكانة لا تصنعها السياسة وحدها، ولا تفسرها الجغرافيا، وإنما صنعتها علاقة طويلة بدأت منذ سنوات شبابي الأولى، وعززتها معرفة برجاله وثقافته، وزيارات متكررة إلى أرضه، حتى أصبح السودان بالنسبة إليّ أكثر من بلد عربي شقيق؛ أصبح جزءاً من ذاكرة شخصية ومهنية امتدت أكثر من نصف قرن. عندما تأسست وزارة الخارجية القطرية عام 1972، وأُلقي على عاتق شباب قطريين، كنت واحداً منهم، أن يحملوا مسؤولية تأسيس بعثات دولة حديثة العهد بالدبلوماسية، كان السودان حاضراً معنا منذ البدايات. فقد كان محجوب مكاوي، وكيل وزارة الخارجية السودانية السابق، أول خبير في وزارة خارجيتنا، وكان من الطبيعي أن يكون عدد من الخبراء الذين استعانت بهم سفاراتنا الناشئة من السودانيين. ثم عرفت السودان من زاوية أخرى وأنا سفير شاب في باريس، قليل الخبرة كثير الرغبة في التعلم. رشح لي صديقي سفير السودان في باريس بشير البكري الشاعر السوداني صلاح إبراهيم ليعمل معي. وكان نعم السند، وتعلمت منه الكثير. وهكذا دخل السودان تجربتي الدبلوماسية من باب الثقافة أيضاً، وهو باب لم يغلق بعد ذلك. ومن اللمسات السودانية التي لا تُنسى وجود الطيب صالح وفترته في الدوحة؛ فقد كان من أوائل من عملوا في مسيرة الإعلام والثقافة في بلدنا، وارتبط اسمه بتجربة مجلة «الدوحة» وبمرحلة مهمة من الحضور الثقافي السوداني في قطر. ونحن في قطر نعتز بأن بلادنا احتضنت رجالاً بمكانة الطيب صالح، ونقدر ما أسهموا به، مع غيرهم من الكفاءات العربية، في مسيرة نهضتها وبناء مؤسساتها. وزرت السودان مرات عدة عندما كنت وزيراً للثقافة، لكن بعض الزيارات لا تغادر الذاكرة. حضرت مرة مهرجاناً كبيراً لثقافات قبائل السودان، وهناك رأيت بعيني ما لا تستطيع الكتب أن تنقله: تنوعاً مذهلاً في العادات والتقاليد، واللغات واللهجات، والموسيقى والأزياء، وفي طرق التعبير عن الحياة والإنسان. وأدركت أن السودان يملك ثراءً ثقافياً هائلاً، وأن ما وقف بين هذا الثراء وبين المكانة العالمية التي يستحقها لم يكن نقصاً فيه، بل قسوة الظروف التي عاشها السودان. وفي مناسبة أخرى حضرت تكريماً للطيب صالح، وكانت فرصة للتعرف إلى عدد من أبرز مثقفي السودان. وعلى امتداد تلك السنوات نشأت لي صداقات مع شخصيات سودانية كثيرة، بعضها استمر حتى رحيل أصحابها، ومنهم الرئيس عبد الرحمن سوار الذهب، ذلك الرجل الذي بقي اسمه في الذاكرة العربية مثالاً نادراً لمن امتلك السلطة ثم تخلى عنها طواعية. كنا نتبادل الزيارات في بيوتنا في الدوحة والخرطوم. وكذلك كانت لي صلة قوية بالدكتور حسن الترابي، الذي طالما التقينا وتناقشنا اتفقنا واختلفنا ولكن بقي الود حتى توفاه الله. وعرفت الرئيس عمر البشير، وكانت بيننا مساحة من الصراحة تجاوزت أحياناً حدود اللغة الدبلوماسية، وكان يتقبلها مني. وعندما ترشحت لمنصب المدير العام لليونسكو، حرص على أن يكون السودان عضواً في المجلس التنفيذي ليساند ترشيحي، ووقف السودان معي وصوّت لي في الجولات الأربع التي تصدرتها على بقية المرشحين. ثم جاءت اللحظة التي لا أنساها، حين أبلغني السفير السوداني قبيل الجولة الأخيرة بتغير الموقف. كانت صدمة شخصية وسياسية، وانتهت المعركة بفارق صوت واحد. ومع ذلك لم تغير تلك اللحظة نظرتي إلى السودان ولا محبتي لشعبه؛ فالدول والشعوب أبقى من المواقف العابرة. ولعل هذه العلاقة الطويلة هي التي تجعلني اليوم أنظر بألم مضاعف إلى ما أصاب السودان. فهذا ليس بلداً فقيراً في التاريخ حتى يبحث لنفسه عن جذور. على أرضه قامت حضارات وممالك عريقة، من كوش ونبتة ومروي إلى الممالك النوبية، وتعاقبت عليه حضارات وأديان وثقافات صنعت واحداً من أغنى التكوينات الإنسانية في منطقتنا. وليس السودان هامشاً جغرافياً أيضاً. إنه ملتقى العالم العربي بأفريقيا، وامتداد لوادي النيل، وصاحب ساحل مهم على البحر الأحمر، وجار لدول تتصل مصالحها مباشرة بأمنه واستقراره. وهنا تكمن إحدى مفارقات السودان الكبرى: بلد جمع التاريخ والجغرافيا والثروة، ثم لم يستطع أن يحول هذه العناصر مجتمعة إلى استقرار يليق بها. فالسودان يملك مساحات زراعية هائلة، وموارد مائية، وثروة حيوانية، وتنوعاً مناخياً يسمح بإنتاج زراعي واسع. ولو اجتمع الاستقرار مع الإدارة والتقنية والاستثمار، لما كان الحديث عن السودان بوصفه إحدى سلال الغذاء للعالم العربي مبالغة، وإنما احتمالاً اقتصادياً حقيقياً. لكن الأرض الخصبة لا تحمي نفسها، والمياه لا تبني الدولة، والموقع الاستراتيجي قد يتحول من نعمة إلى عبء إذا ضعفت الدولة وتكاثرت الأطماع حولها. وهنا أصل إلى واحد من أخطر دروس المأساة السودانية: الدولة لا تحتمل جيشين. قد تنشئ السلطة في ظرف معين قوة مسلحة خارج المؤسسة العسكرية، وتظن أنها أداة تستعين بها على مشكلة عابرة، لكنها تزرع بذلك داخل جسد الدولة قوة لها قيادتها ومصالحها وسلاحها. وما يبدأ أداة في يد الدولة ينتهي قوة تنازع الدولة نفسها. وهذا ما يجعل تجربة الدعم السريع درساً يتجاوز السودان. فقد نشأت هذه القوة في ظل النظام، ثم تضخمت قدراتها ومصالحها حتى انتهت إلى مواجهة الجيش السوداني، وتحولت البلاد إلى ساحة حرب دفع الشعب السوداني ثمنها من دمه وأمنه ومستقبله. لكن اختزال ما يجري في السودان في صراع بين قوتين سودانيتين وحدهما لا يفسر المشهد كله. فحين تضعف الدولة لا تبقى أبوابها مفتوحة لأبنائها وحدهم؛ تدخل المصالح الإقليمية والدولية، ويصبح السلاح والمال والمقاتلون وشبكات الإمداد جزءاً من الحرب. ولم تكن المليشيا لتبلغ ما بلغته بقوتها الذاتية وحدها؛ فقد وجدت خارج السودان من راهن عليها، ومدّها بأسباب القوة، وربط مصالحه بما تسيطر عليه من موارد وثروات، وفي مقدمتها الذهب، حتى بدا أن بعض الأشقاء اختاروا المليشيا على الدولة، وتقاطعت مصالحهم ورهاناتهم مع إسرائيل، وتعاونوا معها ضمن حسابات أوسع في السودان والبحر الأحمر. وهكذا أصبح السوداني يدفع ثمن تحالف مصالح لا يقيم وزناً لوحدة بلاده ولا لثرواتها ولا لدم أبنائها. وإسرائيل لا تنظر إلى السودان أو القرن الأفريقي باعتبارهما ملفات منفصلة، وإنما تنظر إلى فضاء استراتيجي أوسع يمتد إلى البحر الأحمر وباب المندب وأمن الملاحة وموازين القوى في المنطقة. ولذلك فالسؤال الأهم ليس دائماً: مع من تقف إسرائيل؟ بل: أين تكمن مصلحتها؟ ومن وقف مع إسرائيل فقد وقف ضد مصالح أمته ولا يُعفى الحكم في السودان من اللوم؛ فقد فتح الباب للذئب واستدعاه إلى عرينه، ظناً منه أنه بذلك يتفادى شره أو يستعين به لتحقيق مصلحة عابرة. لكن من يستدعِ الذئب إلى حقله قد يستعين به على خصمه، لكنه لا يملك أن يضمن أين يقف الذئب، ولا أن يحدد له فريسته. ولذلك تتحمل السلطة مغازلة اسرائيل. والسودان، بحكم موقعه على البحر الأحمر، ليس بعيداً عن أمن العرب. فمن ضفته الأخرى تقع المملكة العربية السعودية، بثقلها العربي والإسلامي والاقتصادي والسياسي. ولذلك أنظر بتفاؤل إلى مجلس التنسيق السعودي–السوداني، وأرى أنه خطوة تستحق الإشادة والدعم، وأرجو أن يتطور إلى شراكة استراتيجية تسهم في استقرار السودان وإعماره واستثمار موارده؛ لأن استقرار السودان مصلحة سعودية كما هو مصلحة سودانية، وأمن ضفتي البحر الأحمر لا يمكن فصل بعضه عن بعض. وكذلك مصر. فالعلاقة بين مصر والسودان ليست علاقة جوار عادية؛ إنها علاقة نيل وتاريخ وأمن ومصير. وقد عرف البلدان في مراحل من تاريخهما الحديث ارتباطاً سياسياً وثيقاً، وحمل الملك فاروق في مرحلة من المراحل لقب «ملك مصر والسودان». ومهما اختلفت الظروف السياسية منذ ذلك الزمن، فإن الجغرافيا لم تتغير: أمن السودان من أمن مصر، واستقرار وادي النيل لا يمكن تجزئته. ومن هنا كنت أتمنى أن يكون الدور المصري في دعم الدولة السودانية وجيشها أكثر قوة بما يتناسب مع حجم المصالح المصرية المرتبطة باستقرار السودان. أما قطر، فلها مع السودان قصة طويلة من العلاقات والدعم والعمل الإنساني والثقافي. ومن المشاريع التي أعتز بها المشروع القطري–السوداني للآثار، وهو مشروع ارتبط بمبادرة صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، الذي عُرف بمحبة السودان والحرص على دعم شعبه. ولم يكن المشروع بعثة أثرية محدودة، بل عمل واسع لحماية ذاكرة السودان الحضارية. موّل أربعين بعثة أثرية، منها اثنتا عشرة بعثة سودانية وطنية، وامتدت أعماله نحو ثمانمائة كيلومتر بين الخرطوم والحدود المصرية، وشملت المسح والتنقيب والحماية والترميم والصيانة، وتأهيل المواقع وتدريب الكوادر وإشراك المجتمعات المحلية. وأسهمت أعمال المسح في اكتشاف آلاف المواقع الأثرية الجديدة، ووصل العمل إلى عدد من أهم مواقع أهرامات السودان. ثم جاءت الحرب. انهارت المؤسسات، وتعطلت الإدارة، وتوقف كثير من العمل الأثري، وتعرضت مواقع ومتاحف ومجموعات أثرية للنهب والتدمير والتدهور. وهكذا أصبح المشروع الذي جاء ليساعد السودان على إنقاذ ماضيه هو نفسه أحد ضحايا الحرب التي دمرت حاضره. وما أشد المفارقة: أن تمد يدك لإنقاذ ذاكرة بلد، ثم ترى الحرب تهدد الذاكرة واليد التي تحميها معاً. لكنني لا أريد أن أكتب عن السودان مرثية. فالسودان أكبر من محنته، وأبقى من مليشيا، وأغنى من أن تختصره حرب، وأعمق من أن تختزله سنوات الفوضى. إن ما يحتاجه السودان ليس اختراع مقومات جديدة للنهوض؛ فهي موجودة فيه منذ زمن. يحتاج أولاً إلى دولة: دولة تحتكر السلاح، وجيش وطني واحد، ومؤسسات تعلو على الأشخاص والقبائل والمليشيات، وقرار وطني لا يرتهن للخارج أياً كان. ويحتاج إلى أشقائه العرب، ولكن ليس إلى تدخل يزيد انقسامه، بل إلى احتضان يساعده على استعادة وحدته وسيادته. يحتاج إلى مصر التي يربطها به النيل والتاريخ، وإلى السعودية التي يجمعها به البحر الأحمر والمصير، وإلى قطر التي ربطتها به علاقات ومشاريع ومواقف، وإلى كل عربي يدرك أن السودان المستقر إضافة إلى الأمن العربي، وأن السودان المنهك فراغ تتسابق القوى الأخرى لملئه. لقد عرفت السودانيين عن قرب، وعرفت فيهم العلم والأدب والكرم والذكاء والاعتزاز بالنفس. ورأيت بعيني ثراء ثقافتهم وتنوع مجتمعهم. ولهذا يصعب عليّ أن أصدق أن ما نراه اليوم هو قدر السودان. ليس قدره أن يبقى ساحة حرب، ولا أن تتحول أرضه الخصبة إلى أرض نزوح، ولا أن يصبح البحر الذي كان يمكن أن يكون جسراً للتجارة والتعاون باباً تتسلل منه الأطماع، ولا أن تصبح حضارات عمرها آلاف السنين رهينة بندقية لا تعرف قيمة حجر أثري ولا مخطوطة ولا متحف. السودان يستطيع أن يعود، لكن عودته تبدأ حين يستعيد السودانيون السودان نفسه: دولةً فوق المليشيا، ووطنًا فوق القبيلة، ومصلحةً وطنية فوق مصالح الخارج. وعندها فقط يمكن للأرض أن تعطي خيرها، وللنيل أن يمنح الحياة لا النزاع، وللبحر الأحمر أن يصبح جسراً لا ساحة تنافس، ولثقافة السودان أن تخرج إلى العالم كما تستحق. لقد عرفت السودان قبل هذه المحنة، ولذلك أعرف أن السودان الذي نراه اليوم ليس كل السودان. وتلك ربما هي الحقيقة التي ينبغي ألا ننساها ونحن نشاهد هذه المأساة: السودان لم يفقد أسباب النهوض؛ لقد فقد، لبعض الوقت، القدرة على جمعها في دولة. وحين تعود الدولة، سيكتشف العالم أن بلداً ظنه البعض ضحية دائمة كان يملك طوال الوقت أسباب عودته.
4368
| 30 أغسطس 2026
قد تضم المؤسسة مديرين أكفاء، وتملك خططًا جيدة وموارد كافية، ثم تتعثر رغم ذلك. وفي مثل هذه الحالات، يتجه اللوم عادةً إلى الإدارة التنفيذية، مع أن الخلل قد لا يكون في كفاءتها، بل في بيئة لا تتيح لها أن تدير فعليًا. يبدأ الأمر بموقف يبدو عابرًا: يتلقى الموظف تعليمات من مديره المباشر، ثم يأتيه توجيه مختلف من عضو في مجلس الإدارة. يعرف الموظف أن مديره يملك الصفة الرسمية، لكن عضو المجلس يملك النفوذ الأعلى، فينفذ التوجيه الأقوى. ومع تكرار ذلك، يتشكل داخل المؤسسة هيكلان: هيكل معلن تحدده اللوائح، وآخر خفي تُتخذ عبره القرارات الحقيقية. وهنا تنشأ «الإدارة الموازية». الأصل أن يحدد مجلس الإدارة وجهة المؤسسة، ويعتمد إستراتيجيتها وميزانيتها، ويراقب المخاطر، ويختار الرئيس التنفيذي ويقيّم أداءه. أما الإدارة التنفيذية، فتتولى إدارة العمل اليومي وتحويل الإستراتيجية إلى نتائج. المجلس يحدد الوجهة ويراقب المسار، والإدارة تقود الرحلة. ومن الضروري التمييز بين الإشراف والإدارة؛ فمجلس الإدارة لا يمثل مستوى تنفيذيًا أعلى من الرئيس التنفيذي، وإنما يؤدي دورًا مختلفًا يقوم على التوجيه والرقابة والمساءلة. كما يقدم المجلس للإدارة الرأي والمشورة، لكن هذا الدور يختل عندما تتحول المشورة إلى تعليمات تنفيذية يصدرها أعضاؤه مباشرة إلى المديرين والموظفين، متجاوزين الرئيس التنفيذي والتسلسل الإداري. ويظهر التداخل بوضوح عندما ينشغل بعض أعضاء المجلس بالتوظيف والمشتريات واختيار الموردين ونقل الموظفين، وهي قرارات تقع في الأصل ضمن مسؤوليات الإدارة التنفيذية. وقد يبدأ ذلك بحسن نية، لتسريع قرار أو معالجة مشكلة، وربما يحقق نتيجة سريعة تعزز الاعتقاد بأنه كان ضروريًا. إلا أن ما يبدو نجاحًا في موقف منفرد قد يكون بداية خلل مؤسسي. فكل قرار يتجاوز القنوات الرسمية يرسل رسالة إلى الموظفين بأن النظام قابل للتعطيل، وأن القرب من صاحب النفوذ قد يكون أكثر فائدة من الالتزام بالتسلسل الإداري. وعندها يصبح بناء العلاقات أهم من جودة الأداء، ويتردد المديرون في اتخاذ قرارات قد يعدلها المجلس أو يلغيها لاحقًا. وقد يقبل بعض الرؤساء التنفيذيين هذا التداخل خوفًا على مناصبهم أو تجنبًا للصدام مع أعضاء المجلس. فيتحملون المسؤولية علنًا، بينما يتنازلون عن صلاحياتهم ضمنيًا. وبذلك يستمر الخلل؛ لأن جميع الأطراف تتكيف معه بدلًا من مواجهته. وهنا تظهر «فجوة المسؤولية»: المسؤول الرسمي لا يملك القرار كاملًا، وصاحب القرار الفعلي لا يظهر عند المحاسبة. فإذا تراجعت النتائج، يُسأل الرئيس التنفيذي عن قرارات ربما عُدلت أو عُطلت أو اتُّخذت نيابة عنه. لا يمكن مطالبة إدارة بتحقيق أهداف محددة، ثم سحب أدوات القرار من يدها. فالمساءلة من دون صلاحية ظلم إداري، والصلاحية من دون مساءلة نفوذ غير منضبط. وكلما اتسعت المسافة بين من يصنع القرار ومن يتحمل نتيجته، أصبحت الأخطاء أكثر تكرارًا والمحاسبة أقل عدالة. ولا يعني استقلال الإدارة منحها حرية بلا حدود. فمن حق المجلس أن يناقش ويعترض ويطلب المعلومات، وأن يحاسب الرئيس التنفيذي أو يستبدله عند الإخفاق. لكنه يفعل ذلك بصفته مجلسًا، ومن خلال قنوات مؤسسية، لا عبر تعليمات فردية إلى الموظفين. فالفرق كبير بين مجلس يراقب الإدارة، ومجلس يتحول إلى إدارة أخرى. ويبدأ الإصلاح بتحديد القرارات المحجوزة للمجلس، وتلك المفوضة إلى الإدارة التنفيذية، ومنع أعضاء المجلس من إصدار أوامر مباشرة إلى الموظفين. غير أن اللوائح وحدها لا تكفي؛ فالفصل الحقيقي يتطلب التزام أعضاء المجلس بحدود دورهم، وتمسك الرئيس التنفيذي بالصلاحيات والمسؤوليات المرتبطة بمنصبه. إن بعض المؤسسات لا تفشل بسبب نقص الكفاءات، بل لأنها تستدعي الكفاءة ثم تمنعها من ممارسة دورها. فحين يتحول المجلس من الرقابة إلى الإدارة، يضعف المدير؛ وحين يضعف المدير، تضيع المسؤولية. والمجلس الأقوى ليس الأكثر تدخلًا، بل الأقدر على بناء إدارة تعمل بكفاءة وتُحاسب بعدالة.
3438
| 29 أغسطس 2026