رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كانت زيارة الرئيس (ترامب) للخليج حدثا تاريخيا بكل المقاييس حيث استكملت قرارات (ترامب) إعادة تشكيل خارطة العلاقات الدولية وإعادة رسم التحالفات التقليدية بل قلبت كل ذلك رأسا على عقب وأصبح الخليج قاطرة للأمة العربية الإسلامية توقظه من الأيديولوجيات والأوهام وتدفعه الى استثمار الواقع الدولي الجديد في وضع حد لحرب الإبادة الإسرائيلية.
الرئيس الأمريكي امتدح جهود حضرة صاحب السمو أمير قطر حفظه الله مؤكدا انه شريك موثوق في تحقيق السلام لا في الملف الفلسطيني فحسب بل في ملف الحرب بين روسيا وأوكرانيا كما كان الدور القطري ناجعا في الوساطة بين طالبان والولايات المتحدة منذ سنتين.
وأضاف الرئيس (ترامب) رجاءه بأن تساعد قطر الولايات المتحدة في تنظيم كأس العالم القادم بالنظر الى تجربة كأس العالم عام 2022 التي وصفها بالرائعة والمدهشة. كل هذه الحقائق التي استخلصها الخليج وبخاصة دولة قطر بفضل حكمة قيادتها الرشيدة أدت الى رفع العقوبات عن سوريا الجديدة وطرح ملف فلسطين على الولايات المتحدة التي بدأت تشعر بالتناقضات بين مصالحها وهوس رئيس حكومة إسرائيل الشخصية. ولكننا في هذا المقال نتساءل بصدق عن أوضاع الصين وروسيا وهما قوتان عظميان لا بد أن نخصص لهما هذا التحليل المتواضع. شاهدنا جميعا على كل الشاشات احتفالين اثنين لإحياء الذكرى الثمانين لانتصار الحلفاء (الدول الغربية زائد روسيا) على قوات المحور (ألمانيا الهتلرية النازية واليابان الامبراطوري المترهل وإيطاليا الفاشية الموسولينية).
انتظم الاحتفال الغربي في فرنسا وفي بلدة ساحلية أطلسية اشتهرت بما يسمى «إنزال القوات البحرية الأمريكية والكندية في أوروبا لاستكمال تحريرها من الاحتلال الألماني يوم 8 مايو 1944 وانتظم الاحتفال الروسي في ساحة الكرملين الحمراء بإشراف الرئيس (فلاديمير بوتين) واستعراض مخيف للجيش الأحمر وخاصة صواريخه الحاملة للرؤوس النووية والعابرة للقارات والمحيطات!
وخطب في احتفال الغرب الرئيس الفرنسي (ماكرون) بلهجة حماسية فأعاد للأذهان صورا عاطفية من ذكريات المقاتلين الذين فدوا بأرواحهم حرية أوروبا كما خطب (بوتين) في احتفال موسكو مستعملا لغة التهديد ومذكرا بأن روسيا تتعرض لإرهاب أوكراني مدعوم من أوروبا ووعد شعبه بالانتصار القريب.
لكن أكثر ما لفت أنظار الرأي العام العالمي هو حضور الرئيس الصيني (شي جين بينغ) الى جانب الرئيس الروسي مع رؤساء عديد الدول المخلصة لروسيا الاتحادية الى اليوم والمتحالفة معها بعقود عسكرية سرية!
ونبدأ جولتنا من صحيفة (فاينانشيال تايمز البريطانية) ومقال بعنوان «بوتين وشي أكبر المستفيدين من فوضى العلاقات الدولية» كتبه (ألكسندر غابوييف) المتخصص في شؤون القوى العظمى يتناول فيه الكاتب التقارب بين روسيا والصين في ظل الفترة الثانية للرئيس الأمريكي (دونالد ترامب) التي شهدت قرارات مثيرة للجدل على المسرح الدولي حيث يستهل الكاتب مقاله بالإشارة إلى زيارة الرئيس الصيني (شي جين بينغ) إلى موسكو التي استمرت لأربعة أيام للمشاركة في الاحتفالات بذكرى النصر على الألمان في الحرب العالمية الثانية ويستذكر الكاتب تصريحاً للرئيس الصيني قاله أثناء توديعه بوتين في الكرملين خلال زيارة سابقة في مارس 2023: «هناك تغييرات تحدث لم نشهد مثلها منذ 100 عام. ونحن من نقود هذه التغييرات معاً. فيرى الكاتب أنه مع انطلاق قمة (بوتين وشي) في موسكو يُمكنهما الاطمئنان إلى أن هذه التغييرات قد تحققت بالفعل حتى لو كان ذلك مدفوعاً جزئياً برئاسة ترامب وكتب: «يمر العالم بمنعطف حاسم وبكين وموسكو على وشك أن تكونا المستفيدتين الرئيسيتين. الآن لا يحتاج (بوتين وشي) إلا إلى وضع استراتيجيات حول كيفية الاستفادة من هذه اللحظة التاريخية وضمان أن يكون زوال القطبية الواحدة لا رجعة فيه.
ويشير الكاتب إلى زيارة الرئيس الصيني السابقة إلى روسيا قبل عامين والتي شهدت «إعلانه عدم التخلي عن بوتين»، وبدلاً من ذلك «اختار دعم روسيا سراً في حربها ضد أوكرانيا» على الرغم من أن هذا الاختيار بدا رهاناً محفوفاً بالمخاطر آنذاك وفق الكاتب ونتيجة لتلك الزيارة أطلقت الصين سلعاً إلى روسيا مثل الرقائق المتطورة والأدوات الآلية المتقدمة، التي ساعدت في إصلاح المجمع الصناعي العسكري الروسي المتضرر بل وتعزيز آلته العسكرية.
كما أتاحت الصين مساحة إضافية للسلع الروسية في أسواقها العملاقة ما سمح لموسكو بتحقيق عائدات تصدير هي في أمسّ الحاجة إليها ووضع الاقتصاد الروسي على أهبة الاستعداد للحرب وفق رأيه.
و أضاف الكاتب: «في غضون ذلك استطاعت الصين الوصول بشكل أيسر إلى الوقود الهيدروكربوني والمعادن والأسمدة والسلع الزراعية الرخيصة والأسلحة الروسية المتطورة التي تم اختبارها في المعارك والمواهب التقنية الروسية التي طُردت من المختبرات الغربية» فمن غير المرجح أن يظلا متفرجين لأن روسيا والصين تعلمتا كيفية تحصين نفسيهما ضد أحادية القطبية التكنولوجية والمالية على العالم وفق الكاتب الذي يرى أن قدرة روسيا على شن حرب مكلفة بدعم من الصين على الرغم من موجة العقوبات الغربية هي «أفضل دليل على أساليب الصين في حماية نفسها من أمريكا سواء بالاعتماد على اليوان (العملة الصينية) في المدفوعات والمدخرات أو باحتضان التكنولوجيا الصينية.
ويرجح الكاتب أن تسوق موسكو وبكين لهذه الأدوات والأساليب بقوة في دول الجنوب العالمي بما في ذلك من خلال مجموعة البريكس، «ومع حرب التعريفات الجمركية العالمية التي يشنها ترامب أصبح مروجاً لها دون قصد ثم يتطرق الكاتب إلى ما اعتبره رأي (بوتين وشي) في الديمقراطية الغربية باعتبارها بعيدة كل البعد عن الكمال و تعليقي هو «علينا جميعا أن لا ننسى تاريخ الإمبراطورية الصينية الممتد منذ خمسة آلاف عام الى اليوم فيما يسمى (طريق الحرير)
وهو النظام العالمي الذي اكتشفته الصين ونفذته والمعتمد على مد جسور التعاون والتجارة وتبادل الثروات بين الأمم بلا حواجز وبلا حدود من أجل عالم متكاملة اقتصاداته ومترابطة شبكاته تنعم فيه البشرية بالأمن والسلام والاستقرار مع العلم أن دولا في آسيا وأمريكا الجنوبية وافريقيا بدأت تنخرط في طريق الحرير والتحرر من الهيمنة الغربية!
ونختم هذا المقال بما كتبه صاحبه في ختام المقال حيث قال: “في مستقبل بديل أكثر قتامة قد يرى الزعيمان (شي وبوتين) السنوات القادمة فرصةً لترسيخ إرثهما من خلال اتخاذ قراراتٍ قد تُخلّدهما في التاريخ بما في ذلك إعادة رسم خريطة العالم بشكل أكبر. اليوم نشهد قرار (ترامب) باعتبار (بوتين) حليفا ونشهد عدم اعترافه بالاتحاد الأوروبي شريكا ونشهد بداية عهد أدرك فيه (ترامب ضرورة تقديم تنازلات وترضيات في الملف الفلسطيني و(ترامب) فتح حوارا بينه وبين إيران في مسقط وقرر أن يشارك في مفاوضات (بوتين-زيلنسكي) في جينيف!! وأهم مفاجأة قراره في الرياض برفع العقوبات عن الدولة السورية ومن جهتها حررت فصائل القسام رهينة أمريكية إسرائيلية فشعرنا بعودة بعض الأمل بانتصار الحق على الباطل.
هناك من يعبد الله على غير الطريقة التي جاء بها المرسلون وآخرهم سيد الخلق محمد، صلى الله عليه... اقرأ المزيد
126
| 15 يناير 2026
وانتهت الفُرص
ما يحدث في عالمنا العربي والإسلامي اليوم ليس صدفة، ولا يمكن اعتباره مجرد سلسلة أزمات منفصلة. إنه درس... اقرأ المزيد
243
| 15 يناير 2026
التفكير العكسي
من أغرب الأسئلة التي قد تُطرح في اجتماع عصف ذهني لمناقشة خطة مشروع معينة؟ هو سؤال: كيف نضمن... اقرأ المزيد
84
| 15 يناير 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية



مساحة إعلانية
بعد أسابيع عصيبة عاشتها بلادنا على وقع الأزمة التي شهدتها محافظتا حضرموت والمهرة، وما رافقها من إجراءات أحادية قام بها المجلس الانتقالي ( المنحل ) أربكت المشهد السياسي والأمني، ومن الواضح أن اليمن يتجه اليوم بعزم وإرادة، نحو مرحلة أكثر هدوءا واستقرارا.هذه الفترة رغم قصر مدتها إلا أنها كانت حافلة بالأحداث التي شكلت اختبارا صعبا لتماسك الدولة وقدرتها على الصمود، وأيضا لحكمة القيادة السياسية في إدارة لحظة شديدة الحساسية، داخليا وإقليميا.إن خطورة ما جرى في محافظتي حضرموت والمهرة لم يكن مقتصرا على تعميق الانقسام الاجتماعي أو إثارة الحساسيات المحلية، بل تجاوزت ذلك إلى تهديد وحدة البلد ووحدة مجلس القيادة الرئاسي وتماسك الحكومة، وإضعاف جبهة الشرعية برمتها في لحظة لا تحتمل فيها البلاد أي تصدّعات إضافية. هذا الوضع الصعب مثل تحديا حقيقيا كاد أن ينعكس سلبا على المسار السياسي العام، وعلى قدرة الدولة على مواجهة التحديات الوجودية التي لا تزال قائمة وفي مقدمتها الوضع الاقتصادي والإنساني المتردي وانقلاب جماعة الحوثي. وخلال هذه الأزمة، برز بوضوح مدى أهمية الموقف الدولي، الذي ظل رغم كل التعقيدات قائما على مقاربات موضوعية ومسؤولة تجاه الملف اليمني. فقد حافظ المجتمع الدولي على موقف موحد داعم للحكومة الشرعية ومجلس القيادة الرئاسي، وهو مكسب سياسي ودبلوماسي بالغ الأهمية كان مهددا بالتآكل نتيجة تداعيات الأزمة الأخيرة. ومن المهم التأكيد على أن الحفاظ على هذا الدعم والزخم الدولي المساند للحكومة لم يكن نتاج صدفة عابرة، بل هو ثمرة جهد سياسي ودبلوماسي منظم وواع، أدرك حساسية المرحلة وخطورة أي انزلاق غير محسوب نحو الصراع داخل مظلة الحكومة، مرسخا قناعة دولية بضرورة دعم الشرعية باعتبارها الإطار الوحيد القادر على استعادة الدولة وصون الاستقرار. اليوم تمضي القيادة السياسية والحكومة في مسار تصحيحي شامل، يستهدف احتواء تداعيات الأزمة ومعالجة جذورها، وهو مسار يحظى بتأييد شعبي واسع، ودعم كامل وواضح من الأشقاء في المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي. وبالحديث عن دعم أشقائنا في مجلس التعاون بقيادة السعودية فإنه من المهم أن نشير إلى أن هذا الدعم لا ينبغي أن ينظر إليه باعتباره مساندة ظرفية مرتبطة بأحداث معينة، بقدر ما هو ضرورة استراتيجية تفرضها اعتبارات الأمن الإقليمي والاستقرار السياسي، وتشابك المصالح بين اليمن ومحيطه الخليجي. نعم، إن أهمية الدعم الخليجي لليمن تتجاوز بطبيعتها البعد الاقتصادي أو الإنساني، لتتصل مباشرة بجوهر المعادلة الأمنية والسياسية في المنطقة. فاستقرار اليمن والاستثمار في دعم مؤسساته الشرعية يظل الخيار الأكثر حكمة لضمان أمن جماعي مستدام، قائم على الشراكة والمسؤولية المشتركة. ولكي تتمكن الحكومة ومجلس القيادة من استعادة زمام المبادرة، وتعزيز حضور الدولة، فإن اليمن أحوج ما يكون اليوم إلى موقف خليجي داعم على مختلف المستويات، سياسيا، واقتصاديا، وأمنيا، لأن هذا الدعم يشكّل الطريق الأكثر واقعية لضمان استقرار الأوضاع، واستعادة الثقة، وانتشال اليمن من أزماته المتراكمة، بعيدا عن الحلول المؤقتة أو المعالجات التي لا تنفذ إلى جوهر المشكلات التي تعاني منها بلادنا. وعلى المستوى الداخلي، شكلت الأزمة الأخيرة فرصة لإعادة تذكير جميع المكونات والقوى السياسية بأولويات اليمن الحقيقية، وبالمخاطر الأساسية المحدقة به. فالصراع الجانبي، وتغليب الحسابات الضيقة، لا يخدم سوى مشاريع التقسيم والإنفلات ومشروع الحوثي، الذي لا يزال التهديد الأكبر لمستقبل اليمن، وهو ما يضع مسؤولية كبيرة على الجميع للتحرك وفق برنامج واضح، يعيد ترتيب الأولويات، ويضع إنهاء الانقلاب واستعادة الدولة في صدارة الأهداف، وصولا إلى مرحلة لا يكون فيها اليمن رهينة للسلاح أو المشاريع الخارجة عن الدولة، وإنما دولة مستقرة، شريكة لمحيطها، وقادرة على إدارة شؤونها بإرادة وطنية جامعة.
1371
| 14 يناير 2026
في نسخة استثنائية من كأس الأمم الإفريقية، أثبتت الكرة العربية حضورها بقوة بعدما بلغ كل من المغرب، ومصر، والجزائر الدور ربع النهائي، في مشهد يعكس تطور الأداء والانضباط التكتيكي للمنتخبات العربية وقدرتها على المنافسة على أعلى مستوى. هذا النجاح لم يأتِ بالصدفة، بل كان نتيجة تخطيط واضح، وعقلية محترفة، وروح تنافسية جعلت الفرق العربية قوة لا يمكن تجاهلها في البطولة. الروح التي تتحلى بها هذه المنتخبات تتجاوز مجرد الأداء البدني أو التكتيكي، فهي روح الانتماء والفخر بالعلم والهوية. يظهر ذلك في كل مباراة، حيث يتحد اللاعبون من أجل هدف واحد، ويقدمون أقصى ما لديهم، حتى في أصعب اللحظات. هذه الروح الجماعية تمنح المغرب، ومصر، والجزائر القدرة على الصمود أمام المنافسين الأقوياء، وتحويل التحديات إلى فرص لإظهار الإبداع والقوة على أرض الملعب. أما الشراسة، فهي السمة الأبرز لهذه الفرق. على أرض الملعب، يقاتل اللاعبون على كل كرة، بعزيمة وإصرار لا يلين، كأن كل لحظة من عُمْر المباراة هي الفرصة الأخيرة. هذه الشراسة ليست مجرد قوة، بل تعبير عن الانضباط والالتزام بالاستراتيجية، وحرصهم على الدفاع عن سمعة الكرة العربية. مع كل تدخل، وكل هجمة مرتدة، يظهر أن هذه الفرق لا تعرف الاستسلام، وقادرة على قلب الموازين مهما كانت صعوبة المنافس. أما الطموح فهو المحرك الحقيقي لهذه الفرق. الطموح لا يقتصر على الوصول إلى ربع النهائي، بل يمتد إلى حلم أكبر، وهو رفع الكأس وإثبات أن الكرة العربية قادرة على منافسة عمالقة القارة. ويظهر في التحضير الشامل، والاستراتيجية المحكمة، وجهود كل لاعب لإتقان مهاراته والمساهمة بانسجام مع الفريق. ويتجسد هذا الطموح أيضًا في حضور نجوم صنعوا الفارق داخل المستطيل الأخضر؛ حيث قاد إبراهيم دياز المنتخب المغربي بلمسته الحاسمة وتألقه اللافت كهداف للبطولة، بينما جسّد محمد صلاح مع منتخب مصر روح القيادة والخبرة والحسم في اللحظات المفصلية، وفي الجزائر يظهر عادل بولبينة كعنصر هجومي فعّال، يمنح الفريق سرعة وجرأة في التقدّم، ويترجم حضوره بأهداف استثنائية على أعلى مستوى، وهو ما يؤكّد أن النجومية الحقيقية لا تكتمل إلا داخل منظومة جماعية متماسكة. كلمة أخيرة: النجاح العربي في البطولة ليس مجرد نتيجة مباريات، بل انعكاس للروح، للشراسة، وللطموح المستمر نحو القمة. ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن المغرب، ومصر، والجزائر لم تعد مجرد فرق مشاركة، بل قوة لا يمكن تجاهلها، تحمل رسالة واضحة لكل منافس: نحن هنا لننافس، لنلهم، ولننتصر.
1335
| 08 يناير 2026
للأسف، جميعنا نمرّ بلحظات جميلة في حياتنا، لحظات كان من المفترض أن تترك أثرًا دافئًا في قلوبنا، لكننا كثيرًا ما نمرّ بها مرور العابرين. لا لأن اللحظة لم تكن جميلة، بل لأننا لم نمنحها انتباهنا الكامل، وانشغلنا بتوثيقها أكثر من عيشها. نعيش زمنًا غريبًا؛ نرفع الهاتف قبل أن نرفع رؤوسنا، ونوثّق اللحظة قبل أن نشعر بها، ونلتقط الصورة قبل أن يلتقطنا الإحساس. لم نعد نعيش اللحظة كما هي، بل كما ستبدو على الشاشات. كأن وجودنا الحقيقي مؤجّل، مرتبط بعدسة كاميرا، أو فيديو قصير، أو منشور ننتظر صداه. نخشى أن تمر اللحظة دون أن نُثبتها، وكأنها لا تكتمل إلا إذا شاهدها الآخرون وتفاعلوا معها. كم مرة حضرنا مناسبة جميلة؛ فرحًا، لقاءً عائليًا، أو جلسة بسيطة مع من نحب، لكن عيوننا كانت في الشاشة، وأصابعنا تبحث عن الزاوية الأفضل والإضاءة الأجمل، بينما القلب كان غائبًا عن المشهد؟ نضحك، لكن بوعيٍ ناقص، ونبتسم ونحن نفكر: هل التُقطت الصورة؟ هل وثّقنا اللحظة كما ينبغي؟ نذهب إلى المطعم، أو نسافر إلى مكان انتظرناه طويلًا، فننشغل بالتصوير أكثر من التذوّق، وبالتوثيق أكثر من الدهشة. نرتّب الأطباق لا لنستمتع بطعمها، بل لتبدو جميلة على صفحاتنا، ونصوّر الطريق والمنظر والغرفة، بينما الإحساس الحقيقي يمرّ بجانبنا بصمت. نملأ صفحاتنا بالصور، لكننا نفرّغ اللحظة من معناها، ونغادر المكان وقد وثّقناه جيدًا… دون أن نكون قد عِشناه حقًا. صرنا نعيش الحدث لنُريه للآخرين، لا لنعيشه لأنفسنا. نقيس جمال اللحظة بعدد الإعجابات، وقيمتها بعدد المشاهدات، ونشعر أحيانًا بخيبة إن لم تلقَ ما توقعناه من تفاعل. وكأن اللحظة خذلتنا، لا لأننا لم نشعر بها، بل لأن الآخرين لم يصفّقوا لها كما أردنا. ونسينا أن بعض اللحظات لا تُقاس بالأرقام، بل تُحَسّ في القلب. توثيق اللحظات ليس خطأ، فالذاكرة تخون أحيانًا، والسنوات تمضي، والصورة قد تحفظ ملامح ووجوهًا وأماكن نحب العودة إليها. لكن الخطأ حين تصبح الكاميرا حاجزًا بيننا وبين الشعور، وحين نغادر اللحظة قبل أن نصل إليها، وحين ينشغل عقلنا بالشكل بينما يفوتنا الجوهر. الأجمل أن نعيش أولًا. أن نضحك بعمق دون التفكير كيف ستبدو الضحكة في الصورة، أن نتأمل بصدق دون استعجال، وأن نشعر بكامل حضورنا. ثم – إن شئنا – نلتقط صورة للذكرى، لا أن نختصر الذكرى في صورة. بعض اللحظات خُلقت لتُعاش لا لتُوثّق، لتسكن القلب لا الذاكرة الرقمية. فلنمنح أنفسنا حق الاستمتاع، وحق الغياب المؤقت عن الشاشات، فالعمر ليس ألبوم صور، بل إحساس يتراكم… وإن فات، لا تُعيده ألف صورة.
804
| 13 يناير 2026