رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا شك بأن القمة الخليجية الـ (35) المنصرمة في الدوحة استثنائية وليست عادية كما حلا للبعض تصويرها ليس لأنها جاءت في ظل ظروف "بالغة التعقيد والدقة" إقليميا ودوليا فحسب بل لأنها وُفّقت مسبقا وباقتدار في عقدها في الدوحة – المتنازع حول سياستها- في ذات الوقت وبهذه الروح التي نجحت في تجاوز الخلاف الخليجي-الخليجي في ظل انفراج لما سمي بحرب باردة بين دول الخليج، إذ عكست كلمة سمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، رئيس الدورة الحالية للقمة على خلاصة التجربة السابقة باستهلاله لها بكلمة "تعلمنا التجارب الأخيرة" علما استقاه الأمير الشاب من الخبرة والتجربة في وعي حاكمي وحكيم والذي لم يثنه قصر مدة حكمه عن الإفادة منها فركز فيها على ضرورات سمو التوافق على الاختلاف وضرورات عدم نفاذه لينخر في الجسم الخليجي على مستوى الشعوب ومختلف القطاعات الاجتماعية والاقتصادية والإعلامية وما يقاس عليهم .
وبين حكمة القيادة الشابة في سمو "تميم " وحنكة الحاكم المخضرم من جيل الآباء تقارب كبير إذ أكد سمو الشيخ صباح الجابر الصباح في كلمته أيضا بعد كلمة سمو الشيخ تميم على مقولة عربية مهمة في الدفع إلى الإفادة من هذه التجربة في العلاقات الخليجية - الخليجية مفادها:
"لو وقفنا حكما على الماضي لضيعنا المستقبل."
إذًا بين الماضي والمستقبل جاءت القمة خليطا فريدا بين الجيلين لتؤكد ضرورة "عدم تحويل الخلاف في الاجتهادات وتقدير الموقف السياسي" حتى وقت الأزمات إلى خلافات تفت في عضد آليات التعاون والتعاضد ومؤسساتهما فضلا عن تأثيرها على علاقات الشعوب الأخوية.
خصوصا في ظل الأطماع الخارجية والتهديد المشترك لوحدة الخليج.
القمة نحت منحىً جديدا في استهلالها بمخاطبة فئة الشباب للقادة، الفئة التي تمثل 60 %خليجيا و 70% عربيا- ، الشباب الذين يعدون دينامو المجتمعات والسكان ووقود الإعلام الجديد أي أنهم أهم أدوات ودينامو التغيرات في مجتمعاتهم.
ولم يكن الخطاب مفرّغا من أدواته بل خاطبت القمة فكر الشباب ممثلا في التنويه بأهمية الإعلام في كلمة سموه وأهمية أدوات الجيل الجديد، أعني الإعلام الاجتماعي، في كلمة الشباب في القمة والذي جاء- بلا شك على رأس التحديات الراهنة المستجدة والتي لعبت دورا كبيرا في تأزيم الخلاف الخليجي- الخليجي السابق مطلع هذا العام، وشب النار على الزيت كما يقال في العامية، والذي عصف بالحوار السياسي بين الشعوب على وسائل التواصل الاجتماعي وخصوصا تويتر الذي شكل أقوى وأخطر أدوات التوتر الخليجي وما أسميه "نافخ الكير" في بث خطاب الكراهية ولغة الأحقاد على المستويين الشعبي والرسمي والتي كادت أن تفت في عضد السياسات، فالإعلام والسياسة وجهان لعملة واحدة، وقد تطرقت إلى ذلك في ورقة عمل حول (أثر تويتر على الحوار السياسي الخليجي- الخليجي) كنت قد قدمتها الأسبوع الماضي في مؤتمر مراكز البحوث العربية في الدوحة:( دول مجلس التعاون الخليجي: السياسة والاقتصاد في ظل المتغيرات الإقليمية والدولية".
من يقرأ ما بين سطور الكلمات يحلل أنه حين يجب علينا الإفادة من حنكة وخبرة المحنكين في الميدان السياسي يجب علينا في الجانب الآخر تقدير دور الشباب وآليات العصر وأدواته وتجاوز بيروقراطية الماضي والفكر السياسي الهرم لا في العمر - فالعمر حنكة واقتدار- بل في تجاوز الفكر السياسي المتحجر فوق مقتضيات العصر وتحدياته.
القمة نجحت بكل المقاييس ولن نردد موال حكمة القيادات وبعض النفاق السياسي في الخطاب الإعلامي والشعبي رغم إيماننا بتفوق وبراعة القيادة الشابة في أول تجربة لها وسط ظروف حالكة وثقل كبير على كاهلها بلا أدنى شك، وفي الوقت الذي لا نقلل فيه من الجهود الحثيثة التي بذلها قادة قمة دول المجلس في تقدير خطورة الوضع الراهن، إذ إن الحنكة السياسية كانت مهمة فوق كونها واضحة في تداعي الأزمات التي كادت أن تعصف بالوحدة الخليجية على المستوى الرسمي لا الشعبي. ولكن ما بدا واضحا للعيان للمواطن الخليجي قبل العالم ما تصطلح عليه القاعدة السياسية العامة وهي أن التحديات والمشكلات الكبرى تحدد المواقف وتوحدها فضلا عن "السياق السياسي والاقتصادي العالمي العام بتحولاته السياسية والاقتصادية العميقة" والمهمة حتما.
فموقف الخريف العربي والثورات المضادة، وانتشار الميليشيات العسكرية في دول على الأطراف المتاخمة للخليج، الهبوط الحاد في أسعار النفط، والتدخل والنفوذ الإيراني الملحوظ المستقل والمتغلغل في العمق الخليجي وحدوده .. كلها قنابل موقوتة، بل لا نخطئ إذا قلنا إن بروز الحركات الأيديولوجية الاستخباراتية الإرهابية المتطرفة الّلاإسلامية - هي الأخطر والأهم في توحيد المواقف- إذ جعلت بوابة الخليج وجميع حدوده أمام خطر محدق متساوٍ يتجاوز مخاوف الأزمات الداخلية التي تختلف في كل قطر خليجي عن الآخر. لذلك كان لزاما على الخليج أن يتفق لا أن يختلف وتتحد السياسات لا أن تشذ لأن الفرض مقدم على النافلة وتحقيق أمن واستقرار المنطقة مقدم على تداعيات السيادة الفردية والدخول في سياسية متشرذمة لم نجنِ منها العنب في ماضٍ قريب لم يبرأ من وخز شوكه أحد .
القمة أكدت من خلال متابعة ملفاتها وبياناها وإعلانها الختامي أن طي ملفات الاختلاف سياسيا تصدر مناقشة ملفات التوافق الحالي، مشاريعه وبرامجه، كما أكدت أن استقرار الخليج وأمنه هو شأن عربي في المقام الأول، وكل لا يتجزأ من المنظومة الاتحادية التي رحب فيها سمو الشيخ تميم في كلمته بمبادرة خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود في الاتحاد والتي سماها "بالهدف السامي" ومطالبا بأن تكون هي النواة للاتحاد العربي وفي التسمية تلك أهمية ملحوظة إذ إن هناك فرقا بين المطلب والهدف لأن من يريد أن يحول أي أمر إلى تنفيذ يصوغه هدفا لا مطلبا وهذا ما جاء في خطاب سموه، لذلك فإنني لا أتفق مع بعض من حلل خطاب سموه - من ربطه الاتحادين الخليجي والعربي ببعضهما - في هذا الطرح باعتباره " تمييعا للاتحاد الخليجي" . خصوصا أن بداية خطاب سموه قد فسرت هذا حين شرح مراحل تحقيق الهدف عمليا ومنهجيا وبوضوح في تأكيده على ذلك بأن: (الممارسة هي التي تضع المشترك فوق المختلف عليه، وترفع التعاون فوق الخلاف، هي التي تحوّل مجلس التعاون الخليجي إلى كيان حقيقي، وتبني مضمونا لمقولة إن المجلس هو المنظمة العربية الفاعلة على الساحة الإقليمية والدولية. ويحق لنا عندئذ أن نأمل أن تشكّل نموذجًا للأطر العربية الأخرى)
بترؤس قطر لمجلس التعاون عام 2015، ونأمل أن يكون نقلة نوعية سياسيا وإعلاميا .وأخيرا نستبشر ونأمل كما قال سموه بأن: (تؤسس لانطلاقة جديدة في علاقات دول مجلس التعاون وشعوبه على أمل ألاّ تكون علاقات الشعوب موضع تساؤل في أي وقت.)
والدور منوط بالقيـــادات وبالشعــوب أيضا خصوصا في عصر الألـــــغـــام "الإعلام الجديد."
التعليم في قطر والذكاء الاصطناعي في زمن ChatGPT
لا.. ChatGPT لا !! لا مرفوض … ممنوع! هذه ليست ردود أفعال مجتمع بين متعلم وغير متعلم أو... اقرأ المزيد
3168
| 11 سبتمبر 2024
درس الحروب.. احفظوا وثائقكم رقميا
تعطينا الحروب دروسا كل يوم، مع غمرة الألم نرى كيف يخرج الإنسان صامدا وغنيا في نفسه وإرادته ولكنه... اقرأ المزيد
1020
| 04 سبتمبر 2024
المقعد الأخير
ماذا يعني أن تكون في المقعد الأخير في المقهى أو المطعم؟ وماذا يعني أن تكون في المقعد الأول... اقرأ المزيد
1230
| 28 أغسطس 2024
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
إعلامية ومستشارة وأكاديمية - الإعلام الرقمي والسياسة
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حين نتحدث عن قوة الوطن نفكر في اقتصاده ومؤسساته ومكانته بين الدول. لكن ما مسؤوليتنا تجاه كل هذا؟ وما الذي نقدمه نحن الذين نعيش في هذا الوطن ونستفيد من أمنه وفرصه وما تحقق فيه؟ هذا ما فكرت فيه وأنا أقرأ خطاب سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمام مجلس الشورى. توقفت عند العلاقة بين صمود الدولة وكفاءة مؤسساتها ومسؤولية أفرادها. فكل واحد منا يتخذ قرارات تؤثر في غيره. ومن مجموع هذه الأدوار يتشكل جانب من قوة الوطن. نستيقظ كل صباح ونذهب إلى أعمالنا. يذهب أبناؤنا إلى مدارسهم ونجد احتياجاتنا متاحة ونكمل يومنا. ومع الوقت نعتاد هذا الانتظام حتى ننسى ما يتطلبه من جهد وتخطيط. لكن وقت التحديات تظهر قيمة الاستعداد وتنكشف أهمية ما بنيناه قبلها. وهنا أسأل نفسي عن علاقتنا بالاستقرار الذي نعيشه. هل ندرك مسؤوليتنا في المحافظة عليه؟ أعتقد أن الإجابة تظهر في تعاملنا مع واجباتنا ومع الموارد التي بين أيدينا ومع مصالح الناس التي ترتبط بقراراتنا. وحين دعا الخطاب إلى مراجعة البرامج وفق أثرها في المجتمع والاقتصاد استوقفني سؤال. ماذا تحقق للناس بسبب ما نفعله؟ قد ننشغل بإثبات أننا أنجزنا المطلوب. لكن هل عالجنا حاجة؟ وهل أحسنا استخدام ما لدينا؟ وهل نقبل تغيير ما لم يحقق الغرض منه؟ هذه المراجعة تحتاج إلى صدق مع أنفسنا. فقد نستمر في أمر لأننا اعتدناه. لكن المسؤولية تقتضي أن نسأل عن جدواه وأن نقدم المصلحة العامة على راحة الاستمرار. وتظهر أمانة المسؤولية أيضا في تقييم الأداء. حين نعطي الجهد حقه ونربط الفرص بالكفاءة نعزز ثقة الإنسان بمؤسسته. فالإنصاف يؤثر في شعوره بقيمة عمله وفي استعداده لتقديم المزيد. أما التعليم فأراه سؤالا عن الإنسان الذي نريد أن يشارك في بناء قطر. هل نمنح أبناءنا مساحة للسؤال والتجربة وتحمل نتائج اختياراتهم؟ وهل نساعدهم على فهم احتياجات وطنهم واستخدام معرفتهم لخدمته مع الحفاظ على لغتهم وهويتهم. ويمتد هذا الاهتمام بالإنسان إلى دور مجلس الشورى في مناقشة قضايا المجتمع. فالتشريعات تمس حياتنا اليوم وتؤثر في فرص أبنائنا غدا. كما أن تمسك قطر بالحوار والحلول السلمية يتصل بأمن الناس وقدرتهم على بناء مستقبلهم. بعد خطاب سمو الأمير بقي معي سؤال واحد. نحن نعرف ما نتمناه لقطر. لكن ما الذي نقدمه من أجلها؟ الإجابة تبدأ من موقع كل منا ومن مسؤوليته التي يؤديها وهو يعرف أن أثرها يصل إلى غيره.
2532
| 16 أكتوبر 2026
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة في حجم الإنفاق على المحترفين بقدر ما أصبحت في نوعية الاختيارات. أسماء تصل بسير ذاتية لامعة وتجارب سابقة تمنح الجماهير الأمل، ثم يبدأ الموسم لنكتشف أن الفارق بين ما كنا ننتظره وما نشاهده داخل الملعب أكبر بكثير مما ينبغي. السؤال هنا ليس: كم دفع النادي؟ بل: ماذا أخذ مقابل ما دفعه؟ لسنا ضد التعاقد مع أسماء كبيرة، ولا نقلل من قيمة الخبرة، لكننا ضد تحويل السيرة الذاتية إلى شهادة ضمان، وأن يصبح الاسم أهم من الحاجة الفنية. فالمحترف جاء ليصنع الفارق، لا ليكون مجرد اسم في قائمة الفريق أو مادة للترويج عند الإعلان عن الصفقة. المشكلة أن بعض التعاقدات لا تبدو مقنعة منذ البداية، سواء من حيث ملاءمة اللاعب لاحتياجات الفريق أو قدرته على تقديم الإضافة الفنية المنتظرة. والأكثر إثارة للاستغراب أن الأخطاء تتكرر، وكأن بعض الأندية لم تستفد من تجاربها السابقة، ولم تراجع آليات الاختيار والتقييم بالشكل المطلوب. وتكشف المفارقة بين محترفي السد والغرافة، بما تحمله بعض التعاقدات من أسماء كبيرة وتكاليف مرتفعة، ومحترفي الشحانية ولوسيل الذين يقدمون مردودًا فنيًا مقنعًا بإمكانات أكثر واقعية، عن خلل يستحق التوقف أمامه في آليات الاختيار والاستقطاب. فكيف تنفق بعض الأندية مبالغ كبيرة على أسماء لامعة، ثم لا تجد منها العائد الفني المنتظر، في حين تنجح أندية بإمكانات أقل في الحصول على مردود أفضل؟ هنا لا تكون المشكلة في المال، بل في القرار الذي يسبق التعاقد، وفيمن يتحمل مسؤولية الاختيار. وهنا لا يمكن تحميل اللاعب وحده المسؤولية؛ فهناك إدارة تتولى التفاوض، وجهاز فني يحدد الاحتياجات، ومنظومة يفترض أن تقيّم وتختار وفق معايير فنية واضحة. ونجاح الصفقة أو فشلها يجب ألا يُقاس باسم اللاعب أو تاريخه فقط، بل بمدى الحاجة إليه، وانسجامه مع الفريق، وحجم الإضافة التي يقدمها داخل الملعب. وعندما يفشل التعاقد في تحقيق أهدافه، فمن حق الجماهير أن تعرف أين كان الخلل، ومن المسؤول عن القرار. لسنا بحاجة إلى محترفين أكثر شهرة بقدر حاجتنا إلى محترفين أكثر تأثيرًا. وهذه ليست رفاهية، بل مسؤولية تجاه الأندية والجماهير والبطولة نفسها. فإلى متى تبقى بعض التعاقدات أكبر من مردودها، وتبقى المحاسبة أصغر من حجم الخطأ؟
2298
| 15 أكتوبر 2026
قد يربح استثمارك، ثم تكتشف أن من يديره اختاره لأن عمولته أعلى، رغم وجود خيار أنسب لاحتياجاتك. هل يكفي الربح لتطمئن إلى أنه أدى الأمانة؟ هذا السؤال يفتح بابًا مهمًا لفهم المسؤولية التي يتحملها كل من يُؤتمن على إدارة مصالح الآخرين. في قلب هذه المسؤولية يأتي مفهوم Fiduciary Duty، الذي يمكن تبسيطه بأنه واجب الأمانة والولاء والعناية تجاه من ائتمنك. فمن يُمنح صلاحية إدارة أموال أو مصالح، عليه أن يستخدمها لخدمتها، وأن يدرس قراراته بعناية، وأن يُفصح عن أي مصلحة شخصية قد تؤثر في اختياره. ولفهم المبدأ، يكفي طرح سؤالين: هل درس المسؤول القرار كما ينبغي؟ وهل اتخذه لخدمة المصلحة التي كُلّف بحمايتها؟ يتعلق السؤال الأول بالعناية، والثاني بالولاء. فقد يكون المدير أمينًا، لكنه يوافق على استثمار كبير دون فهم مخاطره. وقد يكون خبيرًا، لكنه يستخدم معرفته لتوجيه عقد نحو شركة ينتفع منها. ولذلك تحتاج الإدارة المسؤولة إلى الأمانة والكفاءة معًا. وتظهر أهمية هذا الواجب لأن صاحب المال لا يستطيع متابعة كل قرار. فالمساهم لا يحضر اجتماعات الإدارة اليومية، والعميل لا يعرف جميع تفاصيل المنتجات الاستثمارية، بينما يمتلك المسؤول معلومات وصلاحيات تمنحه تأثيرًا واسعًا. وكلما اتسعت هذه المسافة، ازدادت الحاجة إلى قواعد تحدد كيف تُستخدم السلطة وكيف يُساءل صاحبها. والأمانة هنا تتجاوز الامتناع عن السرقة. فقد يضر المسؤول بمن ائتمنه دون أن يأخذ مالًا من حسابه مباشرة؛ كأن يخفي مصلحته في صفقة، أو يستغل فرصة تخص المؤسسة لحسابه، أو يهمل دراسة التزامات تتحمل المؤسسة نتائجها لسنوات. لذلك ينبغي أن يمتد الاهتمام إلى أسباب القرار وطريقة اتخاذه، إلى جانب نتيجته. في الولايات المتحدة، يقدم عمل مستشاري الاستثمار مثالًا واضحًا. فالمستشارون الخاضعون لقانون مستشاري الاستثمار الاتحادي ملتزمون بواجبَي العناية والولاء تجاه عملائهم، بما يقتضي تقديم المشورة في مصلحة العميل وفهم أهدافه وظروفه. وهذا تطبيق محدد للمبدأ، إذ تختلف الالتزامات بحسب طبيعة الدور والعلاقة القانونية. لنفترض أن متقاعدًا يريد دخلًا منتظمًا، ويحتاج إلى جزء من مدخراته خلال عام. ينبغي للمستشار أن يفهم هذه الحاجة قبل أن يوصي باستثمار طويل الأجل يصعب الخروج منه. وعليه أن يدرس المخاطر والتكاليف وقدرة العميل على تحمل الخسارة. فالمنتج الذي يناسب شخصًا يستطيع الانتظار عشر سنوات قد لا يناسب من يحتاج أمواله قريبًا، مهما بدا عائده جذابًا. أما إذا كان المستشار يحصل على منفعة مرتبطة بتوصيته، فإن ذلك يثير تعارضًا محتملًا بين مصلحته ومصلحة العميل. وتوضح الإرشادات الأمريكية ضرورة إزالة التعارض، أو الإفصاح عنه بصورة كاملة وواضحة تتيح للعميل الموافقة عن علم، مع استمرار الالتزام بمصلحته. وإذا تعذر الإفصاح بما يسمح بموافقة واعية، وجب إزالة التعارض أو تخفيفه على نحو يتيح ذلك. وجود عمولة لا يجعل كل توصية خاطئة، لكن إخفاءها أو إخفاء أثرها يحرم العميل من معلومة قد تغير قراره. ولذلك، قبل أن تمنح أحدًا سلطة إدارة أموالك، اسأله كيف يتقاضى أجره، وما المصالح التي قد تؤثر في قراراته. واسأله أيضًا: لماذا اخترت هذا الاستثمار؟ ما تكلفته؟ وما البدائل التي درستها؟ تساعد هذه الأسئلة على جعل العلاقة أوضح منذ البداية. وفي قطر، توجد أحكام قانونية تحقق جوانب أساسية من هذا الغرض. ففي الأحكام المنظمة لمجلس إدارة شركة المساهمة بقانون الشركات التجارية رقم 11 لسنة 2015 وتعديلاته، تُلزم المادة 109 رئيس وأعضاء مجلس الإدارة وأعضاء الإدارة التنفيذية العليا بالإفصاح عن مصالحهم المباشرة وغير المباشرة في صفقات الشركة وتعاملاتها. كما تمنع صاحب المصلحة من حضور الجلسات التي تناقش الموضوع المتعلق به أو التصويت عليه. وتنظم المادة 108 عدم منافسة هؤلاء للشركة دون موافقة الجمعية العامة، بينما تقرر المادة 113 مسؤولية رئيس وأعضاء المجلس عن الأضرار الناشئة عن الغش وإساءة استعمال السلطة ومخالفة القانون أو النظام الأساسي والخطأ الجسيم في الأداء. وتختلف التفاصيل القانونية بحسب نوع الشركة وصفة المسؤول. وتمتد الحماية إلى القضاء. فالمادة 109 تتيح للمساهمين، وفق شروطها ومع مراعاة حقوق الغير حسن النية، المطالبة ببطلان صفقات والتعويض عن المخالفات، وتُلزم المخالف برد المنفعة التي حققها إلى الشركة. وتتيح المادة 115 للشركة رفع دعوى المسؤولية عن الأخطاء التي تضر بمجموع المساهمين، بقرار من الجمعية العامة العادية. كما تسمح المادة 116 للمساهم برفع الدعوى منفردًا إذا لم ترفعها الشركة وكان الخطأ يُلحق به ضرر خاص كمساهم، بشرط إخطارها. وإذا صدر حكم لصالحه، تلتزم الشركة بتعويضه عن نفقات ومصاريف التقاضي. ولتقريب الصورة، تخيّل أن شركة تريد شراء معدات، وأحد أعضاء مجلس إدارتها شريك في الشركة التي قدمت العرض. قد يكون العرض جيدًا، لكن مصلحته فيه يجب أن تكون معلومة. ووفق الأحكام المنطبقة، يفصح عنها ويتنحى عن حضور المناقشة والتصويت، وتُستكمل الموافقات المطلوبة. ثم يقيّم الآخرون العرض وفق السعر والجودة والخدمة، ويوثقون أسباب اختيارهم. فالإفصاح عن المصلحة الشخصية لا يمنح المسؤول حرية تمرير القرار، بل يتيح إخضاعه للمراجعة والموافقات المطلوبة. وهناك سؤال مفيد للمراجعة الذاتية قبل اتخاذ القرار: لو لم تكن لي منفعة شخصية، هل كنت سأتخذ القرار نفسه؟ هذا السؤال لا يغني عن الإجراءات القانونية، لكنه يساعد المسؤول على ملاحظة تأثير مصلحته في حكمه، خصوصًا حين يجد نفسه يدافع عن خيار لا يستطيع تبريره بمعايير واضحة. ولكي تصبح هذه الحماية جزءًا من العمل اليومي، تحتاج المؤسسة إلى سجل للمصالح يُحدّث عند تغيرها، وطريقة واضحة للإفصاح، ومحاضر تثبت التنحي، ومراجعة للصفقات التي تتداخل فيها المصالح. ويحتاج المسؤول إلى فهم حدود صلاحياته، كما يحتاج المساهم إلى معرفة حقوقه ووسائل المطالبة بها. فالنص القانوني يزداد أثره حين يتحول إلى إجراءات يعرفها الناس ويطبقونها. ومع ذلك، يجب التمييز بين الخسارة والإخلال بالأمانة. فقد يُدرس مشروع بعناية ثم تتغير ظروف السوق، وقد تحقق صفقة ربحًا رغم إخفاء مصلحة شخصية فيها. لذلك ينظر التقييم السليم إلى العناية التي بُذلت، والمعلومات المتاحة، والالتزامات ذات الصلة، إلى جانب النتيجة. فهذا التوازن يحمي أصحاب الأموال، ويتيح للإدارة اتخاذ قرارات مهنية مسؤولة. حين تُسلَّم أموال الناس ومصالحهم إلى مسؤول، فإنهم يمنحونه صلاحية التصرف وثقة تستحق الحماية. ولهذا يجب أن تكون الأمانة التزامًا واضحًا، تدعمه قواعد للإفصاح، ورقابة تكشف التجاوز، وحق في التقاضي يتيح المطالبة بالإنصاف. فالمؤسسة التي تحمي أصحاب الأموال تجعل المسؤول قادرًا على تفسير قراراته، وتُلزمه بتحمل تبعات إخلاله. ومن يملك سلطة القرار في أموال الآخرين، لا يملك حق تقديم مصلحته على مصالحهم.
1191
| 11 أكتوبر 2026