رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

عبد العزيز محمود المصطفى

كاتب وأكاديمي

[email protected]
 

مساحة إعلانية

مقالات

297

عبد العزيز محمود المصطفى

بين الظلم ونهاية الحضارة!!

15 أغسطس 2025 , 02:44ص

أمهد لمقالي بقصة من عبقِ حضارتنا؛ فقد جاء في كُتب التّاريخ أنّ «أبو الحسن الكسائي»، وكان معلمًا ومربيًا لولدِ الخليفة العباسيّ «هارون الرشيد» وليّ العهد «المأمون» وفي آخر درس ضربه بالعصا دون سبب، فسأله المأمون: «لِمَ تضربني؟!» فقال له المعلمُ: «اسكت» ثمّ أعاد عليه السؤال ثانية: «لما ضربتني وأنا وليُّ العهد؟!!» ردّ عليه» الكسائي»: وإن كنتَ وليًا للعهد، لا حرج، اصمت».

تعجب وليُ العهدِ وأضمر في قلبه، دون أن يتمكن من فعلِ شيءٍ!! فمن يضربه هو المُربي والمُعلم «الكسائي».

وبعد عشرين سنة تولى «المأمونُ» الخِلافة، بعد أبيه الرشيد، كان من أول ما قام به أن استدعى أستاذَه - الكسائي- الذي ضربه قبل عَقدين من الزمن، وسأله: «أتذكر آخرَ درسٍ لي معك؟» ردّ المعلمُ: «نعم، أذكره جيدًا» أكمل المأمونُ كلامَه: «والآن أنا خليفةُ المسلمين، أسألك:» لماذا ضربتني وقتها؟!» هزّ الأستاذُ رأسَه، ونظر إلى الخليفة: «ألم تنسْ؟!» فأجابه: «والله لم أنسْ» قال الكسائي: «يا خليفةَ المسلمين: كان ذلك الضربُ جزءًا من الدرس!، لو أنّني حدثتك عن مرارات الظلم لن تشعرَ بما يشعر به المظلوم، أما وأنّني ضربتك، ستعلم وتشعر أنّ المظلومَ لا ينسى» ثم أكمل قائلًا للخليفة:» لا تظلم أحداً، فالظلمُ نارٌ لا تنطفئ في قلبِ صاحبها، ولو مرّت عليه الأعوام، إيّاك والظلم، فإنّ الظلم مؤذنٌ بخراب العُمرَان». بعد هذه المقدمة ندرك أنّ الدول والحضارات لا تسقط فجأة بين عشيّةٍ وضُحاها، بل هو مسارٌ طويلٌ؛ يبدأ من لحظة يرتفع فيها صوتُ الظلم على صوت العدالة، ويُسكت فيها صوتُ الحقّ تحت وطأة القهر والفساد.

ولو عدنا بذاكرة سريعة ووقفنا عند جميع الحضاراتِ لوجدنا أنّ أكثر ما دمرَّ الدولَ من الداخل هو الظلم، لأنّه ليس مجرد تصرفٍ عابرٍ في ميزان الحكم، بل هو سرطانٌ يتغلغل في جسد الدولة حتى ينخره من داخله. فما من حضارةٍ نهضت واستمرت إلاّ وكان العدلُ سنامُها، وما من أمة سقطت إلا وكان الظلمُ معولُ هدمها الأول، فالظلمُ على أيّ فردٍ من أفراد المجتمع إنّما يشكلُ خطرًا على المجتمع والدولة بأكملها. 

وهنا أستحضرُ حوارًا بين «خالد بن يحيى البرمكي» وأبيه، حينما سجنهم «الرشيد» وشتت شملهم، فيقول: «يا أبتِ بعد العز والأمر والنهي، صرنا في القيد والحبس!!! « فقال الأب لابنه:» يا بُنِي لعلها دعوة مظلومٍ سرت بليلٍ، ونحنُ عنها غافلون، ولم يغفل اللهُ عنها.

ولأنَّ النبيّ المصطفى صلى الله عليه وسلم، كان يعلمُ أنّ الظلمَ ظلماتٍ يومَ القيامة؛ نجدُه يوصي رسولَه وسفيرَه إلى اليمن، سيدنا «معاذ بن جبل» فيقول له:» يا معاذ واتَّقِ دعوةَ المظلومِ؛ فإنّه ليس بينها وبين الله حجابٌ». إنّ رفض الظلمِ لا يُعدُّ خيارًا ثانويًا، بل واجبٌ أخلاقيٌّ وفريضة إنسانية، ومنعَ الظلمِ يعني استمرار الدول، وتعايش المجتمعات فيما بينها، فالظلم لا يبني أمة، ولا يُقيم حقًا، ولا يُخلّدُ حضارة.

ختامًا: إنّ الظلم وإن طال أمدُه، فهو زائلٌ لا محالة، وإن بدا في لحظةٍ من الزمن قويًا صلبًا، فإنّه يحمل بذورَ فنائه في أحشائه، فالعدلُ أساسُ المُلكِ، وتنهار الأممُ حين يُهدم بنيانُ العدالة وتُهان كرامةُ الإنسانِ.

 

اقرأ المزيد

alsharq العلاقات التركية - الجزائرية من الماضي إلى الحاضر

تستند العلاقات بين تركيا والجزائر إلى روابط تاريخية وثقافية قوية تعود إلى العهد العثماني. مع انضمام برباروس خير... اقرأ المزيد

36

| 17 مايو 2026

alsharq لماذا نخاف الغد.. والله كتب أقدارنا برحمته؟

يمضي الإنسان في حياته وكأنه يحمل خوف العالم فوق كتفيه، يخاف من الغد وكأنه قادم ليؤذيه، ويقلق من... اقرأ المزيد

30

| 17 مايو 2026

alsharq قطر تعزز الشراكات الدولية

تأتي مشاركة معالي الشيخ محمد بن عبدالرحمن بن جاسم آل ثاني رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية، في القمة... اقرأ المزيد

105

| 17 مايو 2026

مساحة إعلانية