رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أعادت الدعوة التي وجهها أحد الرؤساء العرب للقيام بثورة دينية وكتابة فقه جديد، أعادت إلى الأذهان التجربة الأتاتوركية في الحكم، حيث يفترض الكثير من المحللين أن ثمة اقتباسا يتم على نحو واضح لخصائص هذه التجربة، على الرغم من أنها تراجعت بشكل واضح في الدولة التي شهدت ظهورها وتبلورها.
وسواء أكان هذا الاقتباس اقتباسا واعيا مرده استشعار هذه القيادات أن السياق الذي أفرز التجربة الأتاتوركية فى تركيا يبدو متحققا لديها بشكل ما، على اعتبار أنه كما كانت تركيا فى أعقاب الحرب العالمية الأولى تواجه خطر التقسيم والتفكك، فإن دولها هي الأخرى يهددها شبح التقسيم ومؤامرات الإفشال والفوضى. أو كان اقتباسا غير واعٍ مرده الرغبة في التأكيد على شرعية وقوة الدولة في مواجهة المجتمع، ونسخ الأثر الذي أحدثته ثورات الربيع العربي، تماما مثلما حاولت التجربة الكمالية تأكيد شرعيتها في مواجهة السلطان الديني للخليفة بانتهاج شكل علماني للدولة التركية الحديثة، فإن استعراض بقية عناصر النموذج الأتاتوركي في الحكم، سيظهر أن الاقتباس العربي لها يكاد يكون حرفيا.
فقد أرسى النموذج الأتاتوركي ملامح نمط من أشد أنماط العلمانية فجاجة، حيث افترض أن المواطن المتدين لا تصح مواطنته على نحو كامل، وأنه تشوب ولاءه للدولة شوائب غير مقبولة. ومن ثم لم تكن العلمانية في التطبيق الأتاتوركي تشير إلى مجرد فصل الدين عن الدولة، ولا حياد الدولة تجاه الدين؛ ولكن إخضاع الدين ومؤسساته ومصادره على نحو كامل من قبل الدولة، كما أصبحت العلمانية في النموذج الأتاتوركي مبررا لاستبعاد الدين من المجال العام، بعد أن تم استغلاله وتوظيفه لفترة وجيزة في بدايات التجربة الكمالية في الحكم (وصف أتاتورك نفسه بوصف الغازي في أثناء حرب التحرير، ولاحقا كان يصف المعارضين لتجربته السياسية باسم "المرتدين"). بهذا المعنى لم يتم التبرؤ من الإسلام على نحو كامل في النموذج الأتاتوركي ولكن جرى تأميمه، بحيث صار حكرا على الدولة، تفسره بالطريقة التي تتراءى لها وتخدم أغراضها وتتماشى مع أهدافها، مع التأكيد على عدم السماح لرجال الدين إلا بتأثير هامشي ومحدود.
وفي النموذج الأتاتوركي خلقت الدولة صورة لعدو داخلي، ممثلاً في الإسلاميين (والأكراد)، وصورتهم على أنهم يعملون ضد وحدة الدولة ويحاولون تقسيمها، فحاربتهم بكافة أشكال العنف، وسخرت أجهزة إعلامها لتصويرهم على أنهم أعداء أزليون للدولة، واستخدمت كافة أجهزتها وكافة الوسائل الممكنة والمتاحة لها لإلزام سائر المواطنين بالطاعة وعدم معارضة النظام.
وفي إطار النموذج الأتاتوركي تنازل مؤسسو الجمهورية عن الديموقراطية والحريات، بزعم حماية مشروعهم الوطنى من الأخطار، كما نجح هذا النموذج في تطوير مفهوم "دولة الأمن القومي" التي تؤكد أن أمنها القومي ومن ثم "وجودها" فى حالة تهديد مستمر، وتخلق حالة من الأزمات والإحساس بالخطر تقنع المواطن أنه لا غنى له عنها.
وفي النموذج الأتاتوركي يعتقد القادة العسكريون أنهم من أنقذوا الدولة وحافظوا عليها من مؤامرات الداخل والخارج، وأنهم بهذه الكيفية يمثلون إرادة الشعب ويملكون الحق في قيادته بدون مشاركة أو مراقبة من قبل ممثلي الشعب المنتخبين. كما يؤكد العسكريون أنهم يمثلون أعلى الفضائل الإنسانية، فهم يتميزون بالانضباط، والوطنية، والطاعة، والقدرة على الإنجاز، إلى جانب الكفاءة والسلامة. وأنهم بحكم حيازتهم لكل هذه الصفات يحق لهم أن يصيروا أوصياء على الشعب، وأن يتدخلوا عندما يرون أن ما عهد إليهم في خطر (حقيقي أو محتمل)، أو عند وجود تهديدات بمراجعة ثوابت إرث الأتاتوركية.
وإذا كانت المؤسسة العسكرية في إطار هذا النموذج تؤكد باستمرار أن دورها ينحصر في حماية الاستقرار، عن طريق مواجهة الأعداء الخارجيين والداخليين للدولة، فإنها تحت هذا البند الضيق تدخلت في كافة أشكال الحياة السياسية على نحو متكرر. فعادة ما كانت توضع مجموعة من النصوص القانونية والدستورية رهن تصرف الجيش بحيث يمكنه إقالة الحكومة، أو تمرير توصياته إلى السياسيين، على نحو لا يملكون إلا الانصياع له.
وفي إطار النموذج الأتاتوركي وقف القضاء دائما إلى جوار المؤسسة العسكرية، لحماية الدولة من مواطنيها، وذلك عن طريق تفسير الدستور والقوانين بطريقة ساعدت المؤسسة العسكرية على القضاء على منافسيها من السياسيين المعارضين.
ومن مفرزات هذا النموذج، أن صارت الدولة والحكومة شيئا واحدا، حتى إن الانتخابات التشريعية كان يتم مراقبتها من قبل أجهزة الدولة وذلك لمتابعة ما إذا كانت الأحزاب المنتخبة ستحيد عن مصلحة الدولة وعقيدتها السياسية، أم لا. وحين يبدو أي انحراف عن عقيدة الدولة كان يتم الإطاحة بالمسار السياسي، وإحلاله بمسار جديد من صنع الدولة وأجهزتها المركزية.
وكما يظهر العرض السابق فإن خصائص النموذج الأتاتوركي تبدو متحققة بدرجة كبيرة فى العديد من الأنظمة العربية الحالية، وهو ما يدفع إلى التنبؤ بأن هذه الأنظمة مرشحة لمواجهة نفس أنواع المشاكل التي اعترضت التجربة الكمالية، وربما مرشحة أيضا لمواجهة نفس حالة التراجع الذي شهدته الأخيرة أمام التيار الذي ناصبته العداء باستمرار وهو تيار الإسلام السياسي.
المرجع الأساسي: راينر هيرمان، تركيا بين الدولة الدينية والدولة المدنية: الصراع الثقافي في تركيا.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
لم يعد السؤال في الخليج اليوم متعلقًا بما تحقق من منجزات، بل بكيفية تقديم هذه المنجزات للعقل العام بصيغة واحدة، قادرة على تثبيت المعنى قبل الصورة، والهوية قبل التفاصيل. فالتكامل الذي يتقدم اقتصاديًا وتنمويًا، يحتاج في المقابل إلى إعلام يوازيه في القوة والاتساق، ويمنع تشتت الرواية بين المنصات وتعدد الزوايا. في هذا الإطار، استضافت العاصمة السعودية الرياض “ملتقى المكتسبات الخليجية”، بوصفه مساحة لإعادة التفكير في دور الإعلام داخل مشروع التكامل الخليجي، لا كمجرد ناقل للحدث، بل كعنصر يصنع الوعي المشترك ويعيد ترتيب العلاقة بين المواطن الخليجي ومنجزاته. فالملتقى الذي نظمته الأمانة العامة لمجلس التعاون بالتعاون مع جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج، ينطلق من سؤال مركزي: كيف يمكن للإعلام أن يعكس واقع المكتسبات الخليجية بوضوح واتساق، ويحوّلها إلى خطاب موحد يعزز الهوية المشتركة، ويوحّد الرسائل الإعلامية، ويدعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يواكب تطلعات المرحلة ويستشرف مستقبلها. منذ بدايات التجربة الإعلامية الخليجية المشتركة، كان الرهان على بناء مساحة إعلامية تتجاوز الحدود إلى معنى الوحدة، وهو ما عمل عليه جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج عبر مسار طويل من التقريب بين الخطابات الإعلامية وصياغة مشترك مهني وثقافي يعكس وحدة الاتجاه الخليجي. ويظل مهرجان الخليج للإذاعة والتلفزيون أحد أبرز تجليات هذا المسار؛ فمنذ انطلاقه لأول مرة في الكويت عام 1980، لم يكن مجرد فعالية للاحتفاء بالإنتاج الإعلامي، بل منصة لتبادل الخبرات ورفع جودة المحتوى وتعزيز التقارب بين المؤسسات الإعلامية الخليجية. كما أسهم في تكريم نخبة من نجوم الفن والدراما في الخليج، باعتبارهم جزءًا من صناعة الوعي البصري والثقافي، وعنصرًا فاعلًا في تشكيل الذاكرة الجماعية للمجتمع. كما امتد الدور إلى البعد التوثيقي والمعرفي، عبر إصدار “نشرة المعلومات” في يوليو 1980، التي رصدت النشاط الإعلامي التلفزيوني خليجيًا وعربيًا وعالميًا من خلال التقارير الفنية والإخبارية والبرامجية والهندسية والإدارية. واستمر صدورها حتى تحولت لاحقًا إلى مجلة فصلية تعنى بتوثيق تطور العمل الإعلامي ومواكبة تحولات المشهد الإذاعي والتلفزيوني. ومع اتساع الإعلام الرقمي اليوم، لم يعد التحدي في إنتاج الرسالة، بل في قدرتها على البقاء متماسكة داخل فضاء سريع، تتعدد فيه المنصات وتتصادم فيه الروايات. وهنا تصبح قضية توحيد الرسائل الإعلامية الخليجية جزءًا من حماية الوعي العام، لا مجرد خيار مهني، في بيئة تعيد تشكيل الرأي العام لحظة بلحظة. على هذا الأساس، يبرز الملتقى كفرصة لإعادة ضبط البوصلة الإعلامية الخليجية نحو مزيد من الاتساق، وتعزيز الهوية المشتركة، ودعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يجعل الإعلام شريكًا في صناعة المعنى، لا مجرد ناقل له. وبرأيي أنه لا تُقاس قوة الإعلام بما يعرضه من أحداث، بل بما يثبته من معنى في الوعي، وبقدرته على تحويل المنجز إلى هوية، والهوية إلى إدراك مشترك.
5997
| 13 مايو 2026
ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة أعادت ترتيب القيم، حتى صار التافهُ مشهوراً، والمشهورُ التافه مؤثراً، والمؤثرُ التافه مرجعاً يُسمَع له ويُقتدى به. قبل 10 سنواتٍ فقط كان الإنسان يستحي أن يُرى في مواضع كثيرة مما نرى اليوم، وكانت بعض الأفعال تُخفى خجلاً وخوفاً، أما اليوم فقد أصبح كثيرٌ منها يُعرض على الملأ طلباً للتصفيق، وكأن الحياء صار ضعفاً، والوقار صار تخلّفاً، والصخب صار موهبةً ورسالة. لقد حوّلت ثقافة الترند الشهرةَ من ثمرةِ جهدٍ إلى ضربةِ حظ، ومن مكافأةٍ للكفاءة إلى جائزةٍ للإثارة. في الماضي كان العالِم يبني اسمه بسنواتٍ من التعب، والأديب ينضج ببطء، والفنان يتقن قبل أن يظهر، أمّا اليوم فيكفي أن يصرخ أحدهم أمام الكاميرا، أو يفتعل موقفاً سخيفاً، أو ينطق ببذاءةٍ بثقة، حتى تُفتح له أبواب الشهرة، وتتهافت عليه الشركات، وتُسلّط عليه الأضواء. وهكذا انفصلت الشهرة عن الاستحقاق، فصار البريق يسبق العمق، والصوت يعلو على المعنى. والترند في جوهره لا يعرف خيراً ولا شراً، بل يعرف شيئاً واحداً: الانتباه. فالخوارزميات لا تفرّق بين احترامٍ وازدراء، ولا بين حكمةٍ وسخرية، فكل تفاعلٍ وقود، وكل ضجةٍ رصيد. لذلك ازدهر “اقتصاد التفاهة”، حيث ينتصر المحتوى الأسرع لا الأعمق، والأكثر إثارة لا الأكثر قيمة. ومع التكرار يبدأ التطبيع؛ فما كان صادماً بالأمس يصبح مضحكاً اليوم، ومألوفاً غداً، ثم يتحوّل إلى سلوكٍ يُقلَّد بلا تردد. وهنا تكمن الخطورة، فالانحدار لا يأتي دفعةً واحدة، بل يتسلّل خطوةً خطوة، حتى يعتاد الناس ما كانوا يستعظمونه. ولأن الإنسان ابنُ بيئته، خائفٌ من العزلة، صار كثيرون ينساقون خلف الترند لا اقتناعاً بل خوفاً من أن يكونوا خارج القطيع. حتى أصبح بعض الناس يذهب إلى مطعمٍ يعلم في داخله أنه عادي أو رديء، لكنه مزدحم لأن "الترند قال ذلك"، ويشتري سلعةً أو سلةً يدرك أنها لا تستحق، لكنه يخشى أن يبدو مختلفاً عن الآخرين. بل قد يفعل الإنسان أموراً لا يقتنع بها أصلاً، ويضحك على ما لا يراه مضحكاً، ويُصفّق لما لا يحترمه، فقط لأن التيار يمضي في ذلك الاتجاه. وهنا يتحول الفرد من صاحب رأي إلى صدى، ومن إنسانٍ يختار إلى إنسانٍ يُقاد. والأسوأ أن الكبار قبل الصغار دخلوا هذا السباق؛ فترى الأب والأم بل وحتى الجدّ يلهثون خلف الرقصة الرائجة والعبارة السطحية، وكأن الوقار عبءٌ يجب التخلص منه. وحين يفقد الكبير هيبته، يفقد الصغير بوصلته، وتسقط منظومة التربية من داخلها. هذه الترندات تسرق الحياء الذي كان سوراً يحفظ للإنسان كرامته وللمجتمع تماسكه. ثم تأتي الكارثة الكبرى: تهميش أهل العلم والأدب والأخلاق، لا لأنهم غائبون، بل لأن الضجيج أعلى من الحكمة، ولأن السوق يطلب الإثارة لا البصيرة. نحن بحاجة إلى تربيةٍ تُعلّم الطفل منذ صغره أن القيمة ليست في عدد المتابعين بل في مقدار الأثر، وأن الشهرة ليست مجداً إذا خلت من الخُلُق والمعنى. وبحاجةٍ أيضاً إلى أسرةٍ لا تُسلّم أبناءها للشاشة ثم تشتكي من ضياعهم، بل تُشاركهم الحوار، وتغرس فيهم شخصيةً تعرف كيف تقول "لا" حين يركض الجميع نحو العبث. كما أن أهل العلم والأدب مدعوون إلى دخول المنصات لا الهروب منها؛ فالساحة التي يتركها العقل يملؤها الضجيج. وليس المطلوب أن يتحولوا إلى مهرّجين، بل أن يُحسنوا عرض الفكرة بلغة العصر دون أن يتنازلوا عن جوهرها. فالكلمة العميقة لا يعني أن تكون معقدة، والرسالة الراقية لا يشترط أن تكون مملّة. إن المعركة الحقيقية ليست ضد تطبيقٍ أو منصة، بل ضد فراغٍ داخلي يجعل الإنسان يبحث عن قيمته في تصفيق الغرباء. وحين يمتلئ الإنسان بالمعنى، يقلّ افتتانه بالضجيج. فالحضارات لا يحفظها المال وحده، بل يحفظها وعيٌ يعرف الفرق بين من يبني العقول ومن يسرقها، بين من يصنع الإنسان ومن يصنع الترند.
5778
| 12 مايو 2026
كتبت مرة قصة قصيرة عن مؤلف وجد نفسه على جبل الأوليمب، وحوله كل شخصيات قصصه ورواياته من النساء. حين أنظر حولي هذه الأيام أفكر، هل يمكن حقا الصعود إلى جبل الأوليمب، وأرى حولي كل من كتبت عنهم رجالا ونساء، ونعيش بعيدا عن هذا الصخب والعبث الذي لا ينتهي؟ وهل لن يندهش زيوس من وجودي، ويعطيني صندوق باندورا هدية، فأفتحه غير مدرك أنه ستنطلق منه كل الشرور، فهو الزعيم الأوحد! رغم ذلك تخايلني هذه الرغبة وأنا أرى المعارك العابرة، حولي تشغل مساحة أكبر من المعارك الحقيقية. نرى ما تفعله إسرائيل وأمريكا بمنطقتنا العربية، والمقاومة التي بها سيتغير حال البلاد، ولا أبتعد عن الكتابة عنها، لكنها تضيع بين المعارك الصغيرة. يريحني يقيني أن معاركنا مع العدو الصهيوني على صعوبتها، سيأتي اليوم الذي يتبخر فيه هذا العدو. ويشتتني ما أراه على السوشيال ميديا من معارك وألفاظ، لا تليق أبدا بكتابها، فقفز خيالي بصعود جبل الأوليمب. آخرها والذي شغل مساحة كبيرة جدا، الخلاف الذي وقع بين الشاعرة المصرية الرائعة نجاة علي، والكاتب والفنان خالد سليمان الناصري، صاحب دار المتوسط للنشر. تحدثت نجاة علي عن حقوقها المالية الضائعة مع الدار. أصدر خالد الناصري بيانا أوليا خانه التوفيق في ألفاظه، وهو يوضح خطأ الشاعرة، ثم عاد في بيان تالٍ يعتذر عن ألفاظ البيان الأول، ويوضح عدد النسخ التي طبعت، وما وصل الشاعرة من مال، لكن لم ينتهِ الأمر. تتالت الاتهامات والشتائم له، وبدت المسألة كأن مصر كلها ضده. ولأني أعتز جدا بالاثنين، الشاعرة نجاة علي وخالد الناصري، لم أساهم في النقاش. لم أقل حتى حقيقة علاقتي بدار المتوسط، التي هي مختلفة تماما. نشرت بدار المتوسط أربع روايات حتى الآن، لم تتأخر قط في دفع ما اتفقنا عليه، من مال أو نسخ لي من الكتاب. أقول هذا ليس دفاعا عن خالد الناصري، لكن نصيحتي لكل كاتب، أنه حين تختلف مع ناشر ما، قم بتغييره في صمت، والأهم أنه حين تنشر في دار نشر خارجية، اتفق على مبلغ نهائي تحصل عليه عند النشر، ولا تنتظر حسابا سنويا وتشغل نفسك بذلك. هكذا فعلت في السنوات الأخيرة مع دار المتوسط، ودار ماسكيلياني التونسية، وأخيرا دار جداول اللبنانية. في مصر مثلا لا تحاسبني سنويا على مبيعات أعمالي غير دارين للنشر، هما الشروق المصرية، والدار المصرية اللبنانية، فلديهما نظام دقيق لذلك، ثم إنهما ليستا بعيدتين عني. هذه المعركة بين الكتّاب وخالد الناصري، جاءت بعد معركة أخرى بين المصريين ولا تزال، حول مسألة "نظام الطيبات" في الغذاء والعلاج، الذي اخترعه الدكتور ضياء العوضي، والذي توفي رحمه الله. كم تتالت فيها من ألفاظ لا تليق بكتابها، رغم أن الرد العلمي أجمل. يغطي هذا كله على الحقائق الأولى بالحديث كما ذكرت، لكن الحمد لله أتذكر رواية "بعيدا عن الزحام المجنون" التي كتبها توماس هاردي، وصارت فيلما عظيما لجولي كريستي وتيرانس ستامب شاهدته سنوات الستينات. رغم موضوع الفيلم البعيد عن أحوالنا، يطاردني عنوان هذه الرواية دائما، حين تزدحم الدنيا من حولي بالبشر، والقضايا الفكرية العابرة. وأعرف يائسا أنه لن ينتهي بالابتعاد، حتى لو فعلت ما قاله سورين كيركجارد، الفيلسوف الوجودي، وبنيت سلما لا ينتهي إلى السماء. للأسف الصعود على جبل الأوليمب ليس متاحا لنا، رغم أن زيوس قد يكون أرحم، من هواة الشتائم والقذف على السوشيال ميديا.
1788
| 13 مايو 2026