رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
طفح ما يسمى في عرف الأفراد "الحقد" وما يسمى في عرف الدول "الكيد السياسي"، هذا الذي أخاله ازداد بعد خبر اكتشاف حقل غاز جديد في قطر الشهر الماضي، رغم تواضع حجمه مقارنة بحقل الشمال.. يقولون ما يقولون عن قطر... خرج القول من أبواق في شقيقة أو أخرى صديقة أو غيرها في إعلام كان يدعي النزاهة لنشر خير أتاح الله له لسان حسود ليعرف ما في قطر من طيب عرف العود الذي تزيد أمجاده يوما بعد يوم بفضل مسيرته ورؤية قيادته.
ولا غرابة أنه حتى إعلام دول كبرى كانت امبراطوريات زمانها لم تستوعب حركة المجتمعات ودورة التاريخ ومسيرة الحضارات والنماء، حتى بتنا نقرأ في الصحف البريطانية والفرنسية عناوين حاقدة لم تتورع عنها صحيفة "Financial Times" الـبريطانية في تقرير نشر يوم الثلاثاء 19 مارس 2013 بعنوان "الشرق الأوسط.. هنا وهناك وفي كل مكان" جاء فيه:
"القطريون في كل مكان.. قطر وحكومتها تنشر وتستخدم عضلاتها المالية وتشتري في كل المجالات"..
ترد يوميا تقارير صحفية من صحف عدّة عربية وأجنبية ذات نبرة حاقدة عن استثمارات قطرية في اليونان وايطاليا وعن استثمارات في بريطانيا وفرنسا وضواحيها الجنوبية، ولست أعلم هل أظهر البعضُ في الكون ديناً جديدا يحرّم الاستثمار.. أو قانوناً دوليا يجرّمه.. أو مجلساً دوليا يفرض الوصاية على مقدرات الدول وممتلكاتها وثرواتها الوطنية والقومية.
والعجب الأكبر إذا انتقلنا من حلقة السياسة الى دائرة الإعلام، فيخيب ظننا في مدارسه لتتحول كثير من الصحف الدولية والشقيقة إلى تابلويد "أخبـار حَـوَارِيْ" وكأنّها "سوالف حريم" وليست إعلاما دوليا، كثير منها تغذيه إشاعات حاقدة اجتمعت لتكوّن تربة خصبة للتهكم حول ما تديره قطر من عمليات استثمارية من خلال "قطر القابضة" ذراع هيئة قطر للاستثمار التي تلوكها الألسنة مقرونة بالسياسة، بهدف تشويه الدبلوماسية السياسية الخارجية لقطر على نمط اذا لم يكن بك عيب قالوا "عيبك يا ورد أنك أحمر الخدين".
لذلك لا غرابة إذا اتهمت "الفتاة الشريفة" في شرفها وهو أقصر وأسهل وسائل الطعن لمن لا يملك الحجّة.
وما ضَيرُ قطر اذا امتد حضورها الدولي السياسي دبلوماسيا لحنكة تمتاز بها، والاقتصادي استثماريا من حرّ مالها وخيرها، بنظام دولي متعارف عليه ضمن استثمارات وعقود يدركها فقهاءُ الاقتصاد لا يكسب فيها المستثمر فحسب بل يكسب فيها الشريك ايضا بلا ضرر أو ضرار، بل ودون استغلال أو انتهاك لأراضٍ أو شعوب كما فعل الاستعمار وأحفاده عند استعمار الدول وانتهاك خيرات بلدانهم، بل وزراعة أوطان قومية لشراذمهم في تجرؤ على الحق والتاريخ والانسانية وحقوق الانسان.
كثر العجّ الإعلامي متفاعلا مع الأجواء هذا الوقت كالعادة ويبدو أن الغبار حجب الرؤية لمدىً أبعد من دول الجوار حتى أصدرت صحف يفترض فيها الموضوعية كـ "التايمز" عناوين
براقة مثل "القطريون في كل مكان.. في عالم يندر فيه رأس المال واقتصاديات منهكة ومكافحة" العنوان مثير والسياسة البراجماتية التي وصفت بها الصحيفة قطر وحتى رغبة جني المال وليس فقط الشهرة، غريبة.
الغريب في الأمر اننا ومنذ سنوات القحط والفقر على ساحل الخليج العربي نعلم أن رأس المال والاقتصاديات الدولية ليست اشتراكية أو موزعة بعدالة وإلا لما سجلت حالة فقر واحدة أو مجاعة أو هلاك في العالم القديم والحديث، في ظل ما تفترضه من عدالة توزيع الثروات، ولما عشنا الفقر والعوز وأصيب أجدادنا بـ "السمط" وهو مرض جلدي يصيب الغاصَة فيظهر على جلودهم الطفح والقروح كـ "الجدري" ولما أصيب آخرون بـ "الإسقربوط" من سوء التغذية، ولما رميت جُثث موتاهم من الغواصين في عرض البحر كمقبرة للموت العزيز حتى لا تتعفّن الجثث من طول المكوث وعودة "القفّال"، هذا قبل أن يتفجّر النفط من ذات البحر، فعرف البحر رائحة أجساد عزيزة قبل أن يعرف رائحة النفط، كلّ ذلك وغيرنا — المشاؤون بالنميم اليوم — يتنعمُ في ذلك الزمن بترفِ "شايْ ما بعدَ الظهيرة" كوجبة إضافية مرفّهة.
لم تُوهَب دولنا امتيازا واحدا ولا منحة من الدول الغنية، بل تفجّر النفط هبة من الخالق فهرُعت إلينا الدول تنشد الامتيازات بحصص واستثمارات مدفوعة والتاريخ يعيد دورته.
النفوذ الاقتصادي ليس حكرا على الدول الكبرى ولا على الممالك القديمة التي لم تبتغ الاستثمار فقط بما جادت عليها هبة الطبيعة كما حالنا اليوم من حرّ مالنا، بل دارت حول الكرة الارضية وأصبحت ممالك لا تغيب عنها الشمس بمفهوم مغاير "هو عين الاستعمار".
ولعل ما يثير الدهشة ايضا أن يوجه بعض الإعلام الدولي الحديث لقطر — ليس في شكل نقدي فالنقد مقبول — بل في شكل وصاية عليها وكأن الإنفاق والاستثمار من حرّ المال جريمة.
وفي الجانب الآخر يأتي النقد بوصف ما تقوم به قطر من دبلوماسية دولية ومساعدات اقتصادية للدول "فرد عضلات لبسط النفوذ السياسي كقوة اقليمية واقتصادية...".
وهل النفوذ عيب في عرف دول امتدت به؟
وكأن قطر تعيش حياةً مخمليةً فوق اهتمامات الشعوب قاطبة وعلى جثثهم، هذا ودولة قطر قد سجلت على مسار التاريخ سبقا دبلوماسيا وتنمويا في كل الأزمات والكوارث العالمية سواء الطبيعية منها أوالسياسية، حيث شكلت المساعدات القطرية في مختلف دول العالم أعلى نسبة إنفاق دون أن تُلْزَم بذلك من قبل جهة أو صندوق أو بنك دولي بل بقناعة ذاتية تامة وبذل وسخاء نابع من إرادة نافذة المبدأ والعمل.
إن تنويع الاستثمارات القطرية والانتقال من دول الريع إلى دول الإنتاج ومن ثم تنويع مجالات الاستثمار من بلد مصدر للنفط الى بلد مستثمر في مجالات متعددة، يُعدّ ميزةً تضاف لسياسة دولة قطر خصوصا وانها تُدار تحت صندوق سيادي يعود ريعه للدولة ويؤمن حسب رؤية قطر 2030 الحياة لأجيال متعاقبة.
فالرؤية لمن لا يعلم تنص في أحد مضامينها على أن:"التنمية المستدامة تهدف إلى تلبية متطلبات الجيل الحالي دون المخاطرة بقدرة الجيل المستقبلي على تلبية متطلباته. وهذا ما يطلق عليه "العدل بين الأجيال".. "فـقد يتم تهديد حقوق الأجيال المستقبلية وذلك في حالة عدم تعويض الاستنزاف في الموارد غير المتجددة من خلال إنشاء مصادر جديدة للثروة المتجددة".
أخيرا...
إن ما تتعرض له دولة قطر من حرب إعلامية في محيطها الشقيق وبعض الإعلام الأكبر، ما هو الا حملة منظمة تشم منها رائحة التشهير المغلوط، وما يتواتر منه من مجهولي الهوية على وسائل التواصل الاجتماعي ما هو إلا "حقد" و"كيد سياسي" من امتداد سيرة قطر العطرة التي أضحت بشهادة التاريخ الحديث الدولة التي لا تغيب عنها الشمس، ورغبة من قبل البعض في بث القلاقل الإقليمية والفتنة الداخلية، التي لا تغيب أهدافها عن قطر ولا عن حصافة الشعب القطري، الذي ينعم بوطن متماسك في ظل حكومة رشيدة واعدة ووعي شعبي عالٍ وسلم وأمنٍ وتكاتف عصيّ على الاختراق.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
إعلامية ومستشارة وأكاديمية - الإعلام الرقمي والسياسة
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في عام 1997، كان السيد فيصل محمد السويدي يخوض المفاوضات مع الشركات اليابانية بصفته نائب رئيس مجلس إدارة شركة قطر للغاز. ولم يعتمد على الخبرة العملية وحدها، بل اهتم بدراسة الطريقة التي يفكر بها اليابانيون ويديرون بها مفاوضاتهم. وكان كتاب The Japanese Negotiator، للمؤلف روبرت مارش، من الكتب التي استعان بها لفهم ذلك الأسلوب. وقد أهداني نسخة منه آنذاك، كما أهدى نسخًا منه إلى آخرين. وكان، من واقع تجربته المباشرة معهم، يشرح لي أسلوب اليابانيين في التفاوض، وكيف يستعدون ويتشاورون ويتأنون قبل اتخاذ القرار. ولم يكن ذلك مجرد حديث عابر، بل كان يعكس حرصه على ألا تبقى خبرته حبيسة غرف المفاوضات، وأن ينقل ما تعلمه إلى الجيل الذي يليه. بقي هذا الكتاب معي، وبقيت معه تلك الشروح، لكن قيمته لم تكن في وصف المفاوض الياباني وحده، بل في السؤال الذي أثاره لديّ: هل يمكن الحديث، في المقابل، عن أسلوب مميز للمفاوض القطري؟ وإذا كان الياباني يدخل غرفة التفاوض مستندًا إلى الإعداد الدقيق والعمل الجماعي والصبر، فما الذي يميز المفاوض القطري؟ وما الذي يمكن أن يتعلمه كل طرف من الآخر؟ لا تعني هذه المقارنة أن كل مفاوض قطري أو ياباني يتصرف بالطريقة نفسها؛ فالأفراد والمؤسسات والظروف تختلف. ويشير الباحث بيتر بيرتون إلى أن كثيرًا من الممارسات المنسوبة إلى اليابانيين توجد بدرجات مختلفة في ثقافات أخرى، ولذلك لا ينبغي اعتبارها صفات ثابتة. يبين روبرت مارش في كتابه The Japanese Negotiator، ويشرح كازو نيشياما في كتابه Doing Business with Japan، أن الاجتماع الرسمي ليس دائمًا المكان الذي يُصنع فيه القرار. فكثير من العمل يتم قبله، من خلال جمع المعلومات ودراسة المخاطر والتشاور بين الإدارات، وصولًا إلى قدر واسع من التوافق داخل المؤسسة. ولذلك قد يبدو المفاوض الياباني بطيئًا أو متحفظًا، بينما هو يتأكد من أن مؤسسته تستطيع الوقوف خلف القرار. ولا يتعامل أعضاء الفريق الياباني عادةً مع المفاوضات باعتبارها مناسبة لإظهار المهارات الفردية. وقد لا يكون أكثرهم حديثًا هو صاحب القرار، كما أن الصمت لا يعني بالضرورة الرفض، والتأخر في الإجابة لا يدل دائمًا على عدم الاهتمام. فقد يكون المطلوب مزيدًا من التشاور الداخلي قبل تقديم موقف تستطيع المؤسسة الالتزام به. وتقدم مفاوضات الغاز بين قطر واليابان مثالًا عمليًا على ذلك. ففي أواخر الثمانينيات كانت قطر تمتلك احتياطيات هائلة من الغاز، لكنها لم تكن قد بنت بعد سجلًا في تصدير الغاز الطبيعي المسال. وكان نجاح المشروع يتطلب مشتريًا رئيسيًا يلتزم بكميات كبيرة ولفترة طويلة، بما يمنحه الأساس التجاري اللازم لجذب الشركاء والتمويل. ويروي مايكل توسياني وآن ماري جونسون، في كتابهما From Black Gold to Frozen Gas، تفاصيل الطريق الصعب الذي سبق انطلاق أول مشروع قطري للغاز الطبيعي المسال، والدور الذي أدته السوق اليابانية في توفير الركيزة التجارية اللازمة لانطلاقه. وفي عام 1991 وقّعت شركة تشوبو اليابانية خطاب نوايا لشراء أربعة ملايين طن سنويًا لمدة خمسة وعشرين عامًا، رغم ظروف حرب الخليج. ولكن عندما انسحبت شركة BP من المشروع، أثار ذلك مخاوف اليابانيين، وأعادوا تقييم المخاطر، فتأجل توقيع العقد النهائي. وبعد استمرار الاتصالات ومعالجة المخاوف، وُقّع العقد عام 1992، ووصلت أول شحنة من الغاز القطري إلى اليابان في يناير 1997. تكشف هذه القصة أن الجانب الياباني في تلك المفاوضات لم يمنح ثقته بسهولة، لكنه عندما اطمأن إلى قدرة المشروع، التزم بعلاقة امتدت لعقود. كما تكشف جانبًا من التجربة القطرية؛ فلم يكن الفريق القطري يفاوض على سعر الغاز وشروط توريده فقط، بل كان مطالبًا ببناء الثقة في قدرة قطر، التي لم يسبق لها حينذاك تصدير الغاز المسال، على إنجاز مشروع ضخم والوفاء بالتزامات تمتد لعقود. وهنا يظهر اختلاف مهم بين المدرستين: المفاوض الياباني يصنع جزءًا كبيرًا من القرار قبل دخول غرفة التفاوض، عبر الدراسة والتشاور الداخلي، بينما ظهرت قوة الفريق القطري في هذه التجربة داخل عملية التفاوض، من خلال سرعة التواصل وبناء العلاقة وفهم مخاوف الطرف الآخر والبحث عن حلول تحفظ مصالح الطرفين. ومن الناحية العملية، نتعلم من التجربة اليابانية أن الاستعداد لا يقتصر على معرفة السعر والشروط، بل يبدأ بفهم الطريقة التي يتخذ بها الطرف الآخر قراره: من أصحاب التأثير داخل مؤسسته؟ ومن يملك الموافقة النهائية؟ وما المعلومات التي يحتاج إليها ليقنع زملاءه؟ وما المخاطر التي يخشى أن يتحمل مسؤوليتها لاحقًا؟ قد ننجح في إقناع الجالس أمامنا، لكن الصفقة تتعثر لأنه لم يستطع إقناع مؤسسته. فالمفاوض الجيد يسير في مسارين متوازيين: يفاوض الشخص الجالس أمامه، ويساعده في الوقت نفسه على بناء الحجة التي يحتاج إليها لإقناع مؤسسته. وفي المقابل، تكشف التجربة القطرية عن قيمة سرعة التواصل، وبناء القنوات المباشرة، والقدرة على التكيف مع الظروف المتغيرة. فالنجاح ليس في اختيار أحد الأسلوبين ورفض الآخر، بل في الجمع بين دقة الإعداد وسرعة الاستجابة. وتعيدنا تجربة فيصل السويدي إلى درس إداري مهم: فالمعرفة التي تتكون خلال المفاوضات الكبرى يجب ألا تغادر المؤسسة مع أصحابها، بل يجب أن تتحول إلى دراسات حالة وأدلة عمل وبرامج تدريب يستفيد منها المفاوضون الجدد، بدل أن يبدأ كل جيل من الصفر. وقد تجددت الشراكة في فبراير 2026، عندما وقّعت قطر للطاقة وشركة JERA اليابانية للطاقة عقدًا لتوريد ثلاثة ملايين طن من الغاز الطبيعي المسال سنويًا لمدة سبعة وعشرين عامًا، ابتداءً من عام 2028. وبعد أكثر من ثلاثة عقود على الاتفاق الأول، دخلت العلاقة مرحلة جديدة من الالتزام طويل الأجل. إن أهم ما تعلمناه من هذه التجربة ليس أن المفاوض القطري يجب أن يصبح يابانيًا، بل أن التفاوض الناجح يبدأ قبل الجلوس إلى الطاولة: بدراسة الطرف الآخر، وفهم طريقة اتخاذ القرار داخل مؤسسته، والاستعداد لمخاوفه قبل أن يعبّر عنها. أما الدرس الأهم لمؤسساتنا، فهو ألا تبقى خبرات المفاوضين الكبار حبيسة الذاكرة أو غرف الاجتماعات، بل يجب أن تتحول إلى معرفة موثقة تنتقل من جيل إلى آخر. فالصفقة الجيدة تحقق مكسبًا اليوم، أما المعرفة المتراكمة فتصنع مفاوضين قادرين على تحقيق المكاسب لسنوات طويلة.
6246
| 15 سبتمبر 2026
لم تعد أزمة مضيق هرمز حدثاً سياسياً أو عسكرياً بعيداً عن حياة الناس، فقد امتد أثرها إلى حركة السفن وتكاليف الشحن والتأمين وسرعة وصول البضائع إلى دول المنطقة. ومع استمرار الاضطراب، ارتفعت أسعار بعض السلع، وقد يمتد الارتفاع إلى سلع أخرى إذا طالت الأزمة. وجانب من هذا الغلاء له أسباب حقيقية، فعبور السفن في منطقة عالية المخاطر يرفع أقساط التأمين، وقد يدفع شركات الشحن إلى فرض رسوم إضافية. كما أن تأخر وصول البضائع يزيد تكاليف التخزين والتمويل، وقد يضطر المستورد إلى استخدام طريق أطول أو وسيلة نقل أكثر كلفة حتى يحافظ على توافر السلعة. لكن ارتفاع هذه التكاليف لا يعني أن تصبح أزمة هرمز مبرراً مفتوحاً لزيادة أسعار جميع السلع وبأي نسبة. فليست كل السلع تمر بالطريق نفسه، ولا تمثل كلفة الشحن النسبة ذاتها من سعر كل سلعة. كما أن بعض البضائع المعروضة حالياً وصلت إلى قطر قبل ارتفاع تكاليف النقل والتأمين. ومن هنا يظهر ما يمكن تسميته «غلاء هرمز»، أي الزيادة التي فرضتها الأزمة فعلاً. غير أن هناك فرقاً بين هذه الزيادة الحقيقية وبين استغلال الظروف لرفع الأسعار بما يتجاوز ارتفاع التكلفة. فقد يسارع بعض التجار إلى رفع الأسعار بنسب تتجاوز الزيادة الفعلية أو المتوقعة في تكلفة استبدال المخزون، أو يرفعون أسعار سلع لم تتأثر مباشرة، مستفيدين من توقع المستهلك أن كل شيء سيصبح أغلى. ولا يعني ذلك اتهام التجار والمستوردين عموماً؛ فكثير منهم يواجهون ظروفاً صعبة ويحاولون المحافظة على تدفق البضائع رغم ارتفاع المخاطر. لكن حماية التاجر الجاد لا تتعارض مع مساءلة من يستغل الأزمة لتوسيع هامش ربحه. والفاصل بين الحالتين هو قدرة التاجر على إثبات مقدار الزيادة التي تحملها فعلاً. وقد تحركت الجهات المختصة في قطر مبكراً لمواجهة آثار الأزمة. فدعت غرفة قطر، بالتعاون مع الهيئة العامة للجمارك، شركات الشحن والنقل إلى استخدام المسار البري عبر المملكة العربية السعودية ونظام النقل الدولي البري «TIR»، مع تخصيص مسار سريع وتسريع التخليص من خلال نظام النديب الإلكتروني. وفي الوقت نفسه، كثفت وزارة التجارة والصناعة رقابتها على الأسواق، فنفذت بين 28 فبراير و22 مارس 2026 نحو 50 ألف جولة تفتيشية طارئة، وضبطت منشآت مخالفة وأغلقت منشأتين، في رسالة واضحة بأن ارتفاع التكلفة لا يمنح أحداً الحق في استغلال الأزمة. كما تمتلك قطر قاعدة بيانات للأسعار، بعد إلزام المنشآت التجارية والصناعية بتسجيل أسعار السلع والخدمات وتحديثها إلكترونياً. وهناك أيضاً سلع وخدمات لا يجوز رفع أسعارها من دون موافقة الجهة المختصة. وبذلك تتوافر أدوات لمقارنة الأسعار قبل الأزمة وبعدها، وربط أي زيادة بفواتير الاستيراد والشحن والتأمين. إلا أن استمرار الأزمة يتطلب البناء على هذه الإجراءات، والانتقال من الاستجابة العاجلة إلى خطة أطول مدى. وينبغي أن تسير هذه الخطة في اتجاهين متوازيين: منع استغلال الأزمة داخل السوق، وخفض تكلفة وصول البضائع إلى قطر عبر الطرق البديلة. ففتح الطريق البري خطوة مهمة، لكن نجاحه لا يقاس بوصول البضاعة فقط، بل بالتكلفة التي تصل بها. فإذا كانت كلفة الطريق البديل مرتفعة جداً، فسيدفع المستهلك ثمنها في النهاية. لذلك من المهم مقارنة تكاليف الاستيراد عبر المسارات المختلفة، واختيار الطريق الأنسب لكل نوع من السلع. ومن المهم أيضاً منح الأولوية في النقل والتخليص للغذاء والدواء والسلع الأساسية، وتقليل فترات انتظار الشاحنات عند المنافذ؛ لأن كل يوم إضافي يرفع تكاليف النقل والتبريد والتخزين. ويمكن دراسة تخفيف بعض الرسوم مؤقتاً، متى ثبت أن ذلك سينعكس على السعر النهائي، لا أن يتحول إلى زيادة في هامش الربح. أما داخل السوق، فينبغي أن تركز الرقابة على العلاقة بين ارتفاع التكلفة وارتفاع سعر البيع. فإذا أثبت المستورد أن تكلفة وصول سلعة معينة ارتفعت بنسبة محددة، فمن الطبيعي أن ينعكس جزء من ذلك على سعرها. أما إذا ارتفع السعر بنسبة أكبر كثيراً، فمن حق الجهة الرقابية أن تطلب تفسير الفارق. وفي المقابل، يجب الحذر من تثبيت جميع الأسعار بصورة جامدة؛ لأن إجبار المستورد على البيع بأقل من تكلفته قد يدفعه إلى تقليل الاستيراد، فتتحول مشكلة الغلاء إلى نقص في السلع. فالرقابة الناجحة تقبل الزيادة المبررة، وتكبح الزيادة التي تستغل الأزمة، وتحافظ في الوقت نفسه على استمرار الإمدادات. لقد أثبتت قطر في أزمات سابقة قدرتها على تنويع مصادر الاستيراد وبناء مخزون إستراتيجي والمحافظة على استقرار الأسواق. والمطلوب اليوم هو تطوير الإجراءات الحالية إلى خطة مستمرة لطرق استيراد بديلة ذات تكلفة مقبولة، مع رقابة تمنع استخدام اسم هرمز لفرض زيادات لا تبررها الأرقام. إن مواجهة «غلاء هرمز» تقوم على مسارين لا ينفصلان: تسهيل وصول البضائع إلى قطر بأقل تكلفة ممكنة، ومنع تضخيم هذه التكلفة عندما تنتقل إلى المستهلك. وبهذا التوازن يمكن حماية المستهلك، ومساندة التاجر الجاد، والمحافظة على استقرار السوق في وقت واحد.
5295
| 13 سبتمبر 2026
ليس المطلوب أن نضع الحكم الوطني في منطقةٍ محرَّمة لا يجوز الاقتراب منها بالنقد، كما أن المطلوب، في المقابل، ألا يتحول الخطأ في قرارٍ تحكيمي إلى مبررٍ للنيل من الحكم أو التشكيك في قدراته ومكانته. وبين الموقفين مساحةٌ واسعة من الإنصاف، هي التي نحتاج إليها حين نتحدث عن حكامنا الوطنيين. الحكم جزءٌ من منظومة كرة القدم، يخطئ ويصيب، ويخضع قراره للتقييم كما يخضع اللاعب والمدرب والإداري. لكن الفارق أن تقييم القرار ينبغي ألا يتحول إلى محاكمة للشخص، خصوصًا حين يكون الحديث عن حكامٍ وصلوا إلى مستويات متقدمة، وأثبتوا حضورهم في البطولات الخليجية والقارية والدولية. وجود تقنية الـVAR منح المنظومة التحكيمية أدواتٍ أكثر دقة للمراجعة والتدقيق، لكنه لم يُلغِ الاجتهاد البشري، ولم يجعل القرار التحكيمي آليًا. فما زالت هناك قراءة للواقعة، وتقدير للحالة، وفهمٌ للقانون، ثم قرارٌ يتحمل الحكم مسؤوليته. ولذلك فإن حماية الحكم نفسيًا لا تعني إعفاءه من المسؤولية، وإنما تعني أن نختلف معه دون أن نهدم ثقته بنفسه. وهنا تأتي مسؤولية الإعلام والأندية والإداريين. من حق النادي أن يحتج، ومن حق الإعلام أن ينتقد، لكن من واجب الجميع أن يضعوا النقد في إطاره الصحيح، وأن تكون القنوات الرسمية هي الطريق الطبيعي للاعتراض، لا التصريحات التي تُقال تحت تأثير الانفعال. وفي تقديري، فإن النقد المقبول هو الذي يناقش القرار التحكيمي ويبيّن الخطأ وأسبابه، أما حين يتجاوز النقد القرار إلى التشكيك في الحكم وقدراته ومكانته، فإنه يفقد قيمته ويتحول من نقدٍ للقرار إلى إساءةٍ للشخص. وأرى أن مشروع الحكم الوطني لا يمكن أن يتطور من دون بيئة تمنحه الثقة، وفي الوقت نفسه لا تعفيه من النقد والمساءلة. فهو يحتاج إلى دعمٍ مستمر، وإلى نقدٍ يطوّر ولا يهدم، وإلى لجنة حكامٍ تؤكد ثقتها في حكامها وتدافع عن حقهم في الاحترام. نحن لا نطالب بأن يكون الحكم فوق النقد، بل نطالب بأن يكون النقد بحجم الخطأ، وأن تبقى كرامة الحكم محفوظة. فحكامنا الوطنيون ليسوا خصومًا لأنديتنا، بل شركاء في نجاح كرتنا، والاختلاف معهم لا ينبغي أن يجرّدهم من حقهم في الاعتزاز بما حققوه، ولا نحن من حقنا أن نتخلى عن الاعتزاز بهم.
4116
| 10 سبتمبر 2026