رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
عنوان غريب عجيب بدأ به د. خليفة السويدي محاضرته الأولى في بداية الجلسة الافتتاحية لمنتدى "التعليم في دول مجلس للتعاون الخليجي.. إبداعات وتطلعات تربوية" باعتباره المتحدث الرئيسي للمنتدى المنظم من قبل كلية التربية بجامعة قطر، والمنعقد بالدوحة في رحاب الجامعة بتاريخ 27 فبراير 2016. فغرابة العنوان، أثارت فضول الكثير من الحاضرين فيما يتعلق بالمغزى والرمزية التي يمثلها العنوان بصوره البلاغية من تشبيه واستعارة وكناية في ارتباطها بالواقع الملموس والمحسوس، وما تعكسه من واقعية ربما يلمسها أو يتلمسها الحضور.
عنوان غريب فعلا، وتكمن غرابته في تعارضه مع قوانين الطبيعة بخصائصها الصحراوية والثلجية وغيرها. فالعنوان بغرابته يثير الكثير من التساؤلات، ويحتمل الكثير من التأويلات والتفسيرات، فقد يتساءل القارئ عن فلسفته ومغزاه ورمزيته، وما المقصود "بالبطريق في الصحراء"؟ فهذا سؤال محق، والجواب أحق وأبلغ، فتعود رمزية البطريق هنا إلى المناهج التعليمية والكتب الدراسية المستوردة بمضامينها وثقافتها الغربية، وتطبيقها في مجتمعاتنا العربية دون تمحيص وتحليل وتقييم، ولا حذف ولا إضافة، ولا تنقيح ولا توليف، ولا تصحيح ولا تأليف، بل تدريس هذه المناهج المستوردة دون التأكد من المحتوى في تعارضه وتوافقه مع قيمنا وثقافتنا الخليجية في الصحراء التي لا يمكن أن يعيش فيها البطريق بأي حال من الأحوال. فالمنهج الغربي لا يصلح لنظمنا التعليمية، لعدم توافقه مع ثقافاتنا المحلية، فلا معنى إذن لاستنساخ المناهج الأجنبية الغربية وتطبيقها بحذافيرها في مجتمعاتنا الخليجية. ولكن هذا لا يعني رفض التطوير، بل يعني رفض الاستنساخ كما نص عليه المحاضر حرفيا "أنا لست ضد الاستفادة من تجارب العالم، لكني أرفض استنساخها" فالمرفوض هنا هو الاستنساخ، وأثره على اختلال المبادئ، وضياع القيم، وطمس الهوية على المدى البعيد. واستخلاصاً مما سبق في ربطه برمزية العنوان، فيمكن القول بأنه "إذا استطاع البطريق أن يعيش في الصحراء، فلا عجب للمناهج الغربية المستنسخة أن تعيش في منطقتنا الخليجية، وتتعايش مع أبنائها، وتتوافق مع طبيعة ونمط حياتهم الاجتماعية.
وتعقيباً وتعليقاً على ما ورد في المحاضرة من أفكار ورؤى، وإشارات وتحديات، فقد اتسمت المحاضرة بالهدوء والتنظيم، حيث كانت هادئة في وتيرتها، مُنظمة في مضمونها، مُشوقة (شائقة) في عرضها، مُسلية في أفكارها، ظريفة في وقفاتها وأمثلتها الواقعية، واقعية في طرحها، موضوعية في تحليلها، ومنهجية في علومها النظرية المدعمة بنتائج البحوث العلمية والدراسات التجريبية. فيُشهد للمحاضر أسلوبه الشيق في العرض، وفي ربطه الواقع التعليمي بمواقف الحياة الأخرى، وربط المناهج الدراسية في واقعها الحالي، في ظل غياب الترابط فيما بينها بالوجبات الغذائية الخليجية الذائعة الصيت، عندما تقدم مكوناتها منفصلة عن إطارها الطبقي لا يجمعها طبق الوجبة الواحدة (كالبرياني) حيث النكهة والمذاق في مكوناته مجتمعة، وليست منفصلة كل على حدة.
وما يحسب للمحاضرة واقعيتها، وإن كانت مُرةً وصادمةً، لكنها منبهة، حيث إنها بدأت بدق ناقوس الخطر، فتناولت الواقع التعليمي في منطقة الخليج والجزيرة العربية بالتحليل والتجسيد وتشخيص العلة، مما يساعد في حلها وعلاجها إذا توافرت الإرادة. فقد سُلط الضوء في المحاضرة على الكثير من الوقفات والمحيرات والتحديات الناجمة عن الاستنساخ والتقليد الأعمى من جهة، وعن ثورة المعلومات وما صاحبها من تحديات تعليمية اجتماعية كخلق فجوات اجتماعية، مثل الفجوة بين التعليم العام ومتطلبات التعليم الجامعي (العالي)، وبين التربية والتعليم، وبين مخرجات التعليم وسوق العمل، وبين الشباب وطرق تعلمهم، وبين المجتمع والتربية، وغير ذلك من الفجوات التي تحتم العمل الدؤوب لجسرها وردمها مهما كلف الأمر. فكيف يمكن أن تكون هناك فجوة بين التعليم العام في أي مجتمع ومتطلبات الدراسات الجامعية؟ فلابد إذن من حل يتطلب إعداد وتأهيل الطلبة للانخراط في التعليم الجامعي، فهو المستقبل المنشود لكل طالب، وهو الطريق المؤدي إلى الدخول إلى معترك الحياة الوظيفية العامة. وكذلك الحال مع الفجوة بين التربية والتعليم، ومن قال إنهما عمليتان منفصلتان؟ بل هما مترابطتان متزامنتان، فلا معنى للتعليم دون تربية، ولا معنى للتربية دون تعليم، فكلاهما تكمل الأخرى وتدعمها وتزينها، ولماذا الفجوة بين المجتمع والتربية؟ وكيف يستقيم المجتمع دون تربية؟ فالتربية هي أساس المجتمع، وسلوكيات أفراد المجتمع تعكس مدى تربيتهم المتمثلة في أخلاقهم النبيلة في تعاملهم مع بعضهم البعض، ومع الآخرين من المجتمعات الأخرى. فوجود فجوة بين المجتمع والتربية، يعني وجود خلل لابد من إصلاحه.
وأخيراً، وليس آخراً، فلا ينبغي أن نُفوت ما ورد في المحاضرة من تجارب بحثية كانت نتائجها كفيلة بتنبيه من حقائق ومسلمات تسهم في إنارة الطريق، وترسم خطوط الإرشاد إلى مستقبل أفضل للتعليم بنوعيه العام والعالي الكفيل بردم الهوة بينهما. ولذا، فقد وردت الإشارة إلى دراسة عالمية طُبقت في (50) دولة، وتناولت (60) متغيراً بحثياً خلصت إلى الاعتزاز باللغة الوطنية، لأنها لغة التواصل والتفكير. ونحن إذ نعرض هذه النتيجة، نشاطر المحاضر توجهه، ونوافقه في رأيه، ونعزز النتيجة برأينا بأن الأمم لا تتقدم إلا بلغتها، وليس بلغة الآخرين. ولذا، فتفيد النتيجة أيضا بتعزيز مبدأ العودة إلى التدريس باللغات المحلية. وهذا ما يتوافق مع توجهنا وتوجه المحاضر في تبني مبدأ التدريس بلغة المجتمع، داعمين له ومؤدين ودافعين نحوه، لما له من أثر على الحصيلة التعليمية من جهة، والحفاظ على الهوية والوطنية من جهة أخرى.
وتلخيصاً لما سبق، يتبين أننا في أزمة لابد من تحديد أسبابها والعمل على حلها والأخذ بمسبباتها، لعلنا نوفق في الخروج منها واجتيازها بنجاح. فالواقع التعليمي في المنطقة صادم، ومنبه، وباعث للهمم، فالأزمة تلد الهمة. ولذا، فكلنا همم ونشاط إن شاء الله، وكلنا داعم للعمل على الخروج من الأزمة مهما كانت كبيرة وصعبة. ولم يبق لنا في الختام إلا أن نشكر المحاضر، متمنين له التوفيق والسداد. والشكر موصول لكلية التربية على تنظيمها لهذا المنتدى، وإتاحة الفرصة لنا للاستفادة من محاضرات كهذه المحاضرة.
ترامب.. والمعادلة المتناقضة الأطراف
يرى المتتبع لتصريحات الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب» منذ ترشيح نفسه للرئاسة الأمريكية إلى الآن، وبعد تنصيبه بشكل رسمي... اقرأ المزيد
951
| 19 فبراير 2025
أمة تائهة بين السبات والممات
لا يخفى على أحد ما تمر به الشعوب العربية والإسلامية من حيرة تجاه حال أمتها من غياب فعلي... اقرأ المزيد
1884
| 09 أبريل 2024
حماس وداعش.. والمقاربة الباطلة
في ظل غياب القيم الأخلاقية، تضيع المبادئ، وتُزدوج المعايير، وتختل الموازين، وتختلط بعد ذلك الأمور، وتُغلب المصالح، ويسود... اقرأ المزيد
2475
| 30 نوفمبر 2023
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4332
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3144
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1200
| 28 سبتمبر 2026