رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لطالما ارتبطت القضية الفلسطينية بوجدان شعوب الخليج العربي والجزيرة العربية، وذلك منذ فجر التطهير العرقي الذي حصل عام ١٩٤٨ والتهجير الذي ألم بالشعب الفلسطيني، عندما سلبت أرضه أمام مرأى العالم كله، فهذه من أسمى القضايا الأخلاقية العادلة في عالمنا المعاصر على الإطلاق، وبوسعنا اعتبارها معياراً لمبادئ الإنسان وميزاناً لمدى إيمانه بالإنصاف والعدالة، مهما كانت ملّته، ولسنا نرى الحق الفلسطيني في جولات التطبيع العربية الحاصلة إلا حقاً يزداد إشراقاً وأصالة وقيمة ورسوخاً، وبالرغم من الخذلان، فإنه لابد من فجرٍ قريب، يُشهد فيه الحق، آئباً إلى أهله.
لقد تمثلت فلسطين في الشعر القطري تمثّلاً واسعاً، نجد ذلك في قصائد شعراء كبار مثل عمير بن عَفِيشَة الشهواني (١٨٩٠-١٩٨٢) الذي قال في قصيدة طويلة:
”فلسطين يا أهلها إلى وين صبرها
وهي بيد من بالظلم كثّر تلاعبه
تنخى هل الشيمة وتبكي وتمتني
عسى وقتنا الحاضر يبين الشجاع به!“
وفي قصيد عبدالله بن سعد المسند المهنّدي (١٩١٠-١٩٧٦):
”الأقصى عساك من الإله مثاب
لبّيك يا ثالث حرم ومجاب
الأقصى بحول الله نجهد بثارك
ولا عندنا غير الجهاد جواب“
وقصائد أُخَر، تتوالد في كل مرحلة، مجددة التزامها الروحي، ونابضة بعهدها الذي لا تشوبه شائبة، والشعر الشعبي/النبطي في واقع الأمر، هو وعاءٌ لذاكرة الأمة، ولسانها الذي يلهج بخواطرها، ويجسّد مشاعرها الصادقة، ويعكس مدى ارتباطها بالحدث وتفاعلها، ومن تلك التجارب المعبّرة عن هاجس القضية الفلسطينية في ذاكرة قطر التجربة المنسيّة للشاعر الراحل والمثقف الوطني محمد عبدالله بن الأسود المري (١٩٥٨-٢٠٠٢) الذي صدرت له عدة دواوين من أهمها ديوان زمان الصمت، وهو ديوان خاص كرّسه الشاعر للقضية الفلسطينية والإنسان العربي، حيث بدأ انشغاله - بأحداثها وتطوراتها وانعكاسها على الفلسطينيين والوضع العربي- منذ سنٍّ مبكرة، كان يحرص في ذلك على ترجمة تفاعله إلى قصائد نبطيّة، فنجد كل قصيدةٍ في ديوانه وقد ارتبطت بواقعة ما وتاريخٍ معيّن.
كانت رحلة الهم الفلسطيني في قصائد ابن الأسود طويلة ومتجدّدة، في مسيرته الشعريّة، يتجلّى ذلك في المدى الزمني الذي بدأ فيه توثيق بواكير الوعي بالقضية وحمولاتها، وأعني منذ منتصف السبعينيات تزامناً مع الحرب الأهلية في لبنان الجريح التي عبّر عنها، مروراً بالمآسي التي لا تسقط من ذاكرة النضال والتضحية مثل مجزرة صبرا وشاتيلا ١٩٨٢، والانتفاضة الأولى ١٩٨٧، وصولاً إلى المفاوضات وتداعياتها، ومن أبرز الدلالات الاعتبارية هنا هي أن الهم الذي سكن فؤاد الشاعر ابن الأسود، كان هماً واعياً بمدى ارتباط الحالة الفلسطينية والأوضاع العربية المأزومة، وأنه فلسطيني بقدر ما هو عربيّ، وقطريّ بقدر ما هو فلسطيني.
ولا نكاد نجد قصيدة إلا وهي تعبّر عن نبض الشارع وتفاصيله، وتنحاز إليه بملء طاقتها التعبيرية، وانفعالها الروحي، ومن ثم بوسعنا القول إنها تلك القصيدة التي حاولت أن تنطق بلسان اليتيم المحروم والثكلى المكلومة والشيخ المستضعف، والجموع العزلاء، والعجز العربي عموما؛ لم تعدُ تعددية الأصوات التي نلمحها باختلاف أجواء القصائد وتنوّع قوالبها البنائية إلا صوتاً واحداً، تصدح فيه نبرة جوهريّة حاضرة، هي نبرة المعاناة، ونبرات أخرى تترادف، تُطلَقُ أحياناً بحدّة، وتُسمَعُ أحياناً مرتجفة، وهذه نبرات تأتي في إطار ربّتها الأولى، لتفصح عن مساحات شاسعة من مشاعر الالتزام والتضامن والإخلاص القطريّ للتجربة الفلسطينية، وليس يخلو وجه ذلك الإفصاح من ملامحِ صورٍ نفسيّةٍ بليغة العمق، تبرز فيها آثار الانكسار، واليأس، والإخفاق؛ ولو تبيّن لقارئ الديوان بعض الارتباك الفنّي الذي يمسُّ تركيب القصائد وبناءها وتسلسلها، فإن هذا لإشارة إلى مستوى الانفلات الذي كان يمر به الوطن العربي، جرّاء انكشافه للأعداء، واعتلاله بهزائمه؛ وإذا كان للنقد مساحته المشروعة الضرورية في أيّما سياق، فإن ثمة تجارب شعرية لا يسعنا فهمها اعتماداً على النقد الأدبي وحده، لاسيّما تجربة كهذه، كُتبت بلغة السليقة والعفوية، وبالانفعالية الحيّة التي مزجت قلوب الشعوب وكشفت عما يغور في داخلها، بشكل ينأى عن التكثيف والتكلّف، وربما على نحوٍ مُفرط، ولكنّا مع محمد بن الأسود إذ نتلمس بوضوح حضور اللغة الشعبية، فإنّا نرى نأيه عن أشكال التعبير النخبوية والمعقّدة نأياً واعياً بالزيف الذي قد يَعْتَوِرُها، وبالتالي لا يعبّر عنها تعبيراً حقيقياً؛ وإنما أراد هو أن يصف الإحساس الشعبي بالمأساة الفلسطينية كما هي عليه في الواقع، بفصاحتها وتلعثمها وروْعها واندهاشها؛ وإذا ما أردنا استيعاب مثل هذه التجربة وحتى نقدها، فنحن بحاجة إلى استحضار أبعاد السياق السبعيني والثمانيني والتسعيني بشتّى مآثره وتعقيداته وحالاته وأمراضه، وعلى وجه التحديد روح الظمأ والاضطراب التي كانت تسكنه.
لقد كتب محمد بن الأسود وغيره من شعراء قطر في حب فلسطين، وفي الوفاء لها، وعبّروا عن ثبات هذا الحب مهما تقادم الدهر، وأن فلسطين عهداً يقوم مقام الذمّة، وليس ما سطّروه من آيات الشعر وشواهده إلا تعبيراً راسخاً لموقف شعب قطر وانتمائه والتزامه، على مدى العقود.
طُبع ديوان زمان الصمت طبعة قديمة، ومن الصعوبة العثور على نسخه، بسبب نفادها، إلا نسخة واحدة ربما تتوفر في دار الكتب القطرية، وأخرى توجد في مكتبة جامعة قطر، ولعل هذه المقالة تحيي بعض الاهتمام، لتُعاد طباعته من جديد.
قطعة قصيرة من قصيدة "هموم عربي" من ديوان زمان الصمت لمحمد عبدالله بن الأسود:
أنا همّي من المشرق إلى المغرب حدود حماه
على طول الوطن في ساحة المجهول يجذبني
أنا همّي أنا همّى تعدّا بي حروف الجاه
أنا همّي غدا جرحٍ تحت الاضلاع عاطبني
أنا همّي على الفطرة ربيت من الصِّغِر ويّاه
ترعرعت وربّى همّي، أنا أبني، وهو يبني
أنا همّي فلسطين، وفلسطينٍ سبب ظلماه
وشعبٍ شرّده حظه وشاف الهم والغبني
دفع دمّه، دفع روحه، ملأ ذاك الثرى بأشْلاه
يراود حلمه السامي وذا المجهول يرعبني".
الزواج والطلاق وتحولات القيم
تأخذ القضايا - كما هو معهود- حيّزًا متواصلًا في تفكير أصحابها أو مُعايشيها، ما دامت تنعكس بشكل ملموس... اقرأ المزيد
3771
| 03 أكتوبر 2022
ثنيُ الزمان على مسألة السُكّان
تحتل المسألةُ السكانية موقعًا متعاظمًا في هواجس المثقفين والمختصين بالشؤون التنموية الوطنية في بلدان الخليج العربي. وهي مسألةٌ... اقرأ المزيد
1959
| 19 سبتمبر 2022
لمَ هذا الجفاء بين الظاهرة والمنظور؟
يسري في الأذهان العربية، وبأثرٍ من القضايا السياسية الملتهبة التي ألمَّتَ بجسد الإنسان العربي المثخن ولا تزال، أن... اقرأ المزيد
1781
| 31 أغسطس 2022
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
12144
| 20 أكتوبر 2026
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
10098
| 22 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3474
| 22 أكتوبر 2026