رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تأخذ القضايا - كما هو معهود- حيّزًا متواصلًا في تفكير أصحابها أو مُعايشيها، ما دامت تنعكس بشكل ملموس على الواقع اليومي، أو -أقل القليل- على الغَدِ القريب. يجعلُ التجاذبُ القلقُ منها واقعًا ماديًّا لا بُدَّ من احتواء آثاره، وتقليصه في أدنى حدٍّ ممكن. هذا في حال لم يسنح المجال بعلاجه أو تجاوزه.
ما من قضية إلا ولها حل، يكمن في مكان ما، وينبغي استظهاره بتأنٍ وتَؤُدَة، واستيعابه بالنجاعة المُتوخّاة، وتعريفه بدقّة تامة.
وحين يتبدّى الحل بشكل واضح، وبوصفه حلّا مُحدّدًا لمُشكلةٍ مُحددة، فليس ثمة تبرير يحول دون الأخذ به وفق الشروط الزمانية والمكانية، وبغض النظر عن الاعتبارات الإكراهية التي قد تتراءى لدى المسؤول. ولو فرضًا -كما هو حاصل في معظم البلدان النامية- قرر الفاعل في مؤسسة تنفيذية ما، أو هيئة حكومية ما، تأجيلَ النظر في تطبيق إجراءات الحل، ولاسيّما بعد تبيّنها، فإن المشكلة لا شك أنها منقادة بوجه أو بآخر إلى حلّها المؤجَلِ هذا، ولو طال الدهر، واستطال المطاف.
هذا التمهيد الآنف هو من جنس البدهيات، حول شؤون الواقع وهواجسه. ثم لتبرز لنا في هكذا سياق: قضيةُ الزواج والطلاق وانخفاض معدلات الخصوبة في قطر بما هي إشكالية مستجدة، تفاقمت تدريجيًّا منذ الثمانينات، ولم تُسكَّن حتى هذا اليوم.
في البدء، وقبل الإحاطة بأهم دلالات هذه الظاهرة مرورًا بالتباساتها وصولًا إلى أسئلتها الولود، من الضروري الإشارة إلى مسألة جوهرية تتعلق بحقيقةٍ تحكم محددات النطاق الاجتماعي في قطر، وهي أن المجتمع القطري: مجتمعٌ حديث.
ينسى أو يتناسى العديد من الباحثين والمثقفّين، والمهتمّين بالشأن الاجتماعي والسياسي والاقتصادي في البلاد، الذين تدرُجُ ألسنتهم بمصطلح الدولة الحديثة ليلًا ونهارًا، إن المجتمع في قطر هو أكثر حداثةً من الدولة، وإنَّ لهذه الحقيقة لوازم واعتبارات ونتائج، تستلزم ضرورةَ التفكير في القضايا الاجتماعية ليس فقط من منظور مقابلتها بالدور المؤسسي الذي يؤثر فيها سلبًا وإيجابًا، بل أيضًا بقياسها على المعطيات التاريخية المهيمنة على طبيعة اتجاهات وسلوكيات الفرد والجماعة، بعضهم ببعض.
تُفضي حداثة المجتمع إلى حقيقة أخرى تقول: إن التركيبات الاجتماعية المتنوعة التي تُعبّر عن المكون الاجتماعي القطري المعاصر، وبما هي تركيبات تحملُ في طيّاتها اختلافًا خصائصيًّا على مستوى بعض العناصر الهُويّاتية الصغرى - لدى مختلف الجماعات- مثل اللهجة وما تكتنزه من مخزون ثقافي وما تستبطنه من ذاكرةٍ تقاليديّة، فإنها لا محالة آيلة إلى التناقض. ولكنه تناقض لا يعبر عن محض صراع؛ بل هو أقرب إلى أن يكون تجسيدًا لمرحلة تاريخية، شبه- حتميّة، تُؤَخَذُ فيها التباينات الاجتماعية نحو الانصهار في الوسط المدني المشترك المُعبّر عنه بالدولة.
وينبغي الانتباه إليه في هذا المقام إلى أن عملية الانصهار الاجتماعي ليست سوى ولادة جديدةٍ لثقافةٍ وذهنيةٍ جديدتين؛ وإنها انعكاس برهاني لجِدّة المجتمع وحداثته، كما أنها مؤذنة بتحولات نسبيّة تمس الخريطة الاجتماعية وتعيد تشكيل بنية الهُويّة الوطنية، أي تلك الأولويات المتعلقة بمسألة الانتماء الدولتي والمجتمعي وعواملها ومستوياتها، إلى جانب إعادة إنتاج المخيال السياسي لدى الجيل الذي وُلِدَ حديثًا، والأجيال التي لم تولد بعد، بأشكال وأنماط مختلفة.
والحق إن هذه التحوّلات تمثّل القنطرة الأساسية التي ينتقل عبرها التكوين الاجتماعي الكلي من وضعيته التشكيلية الأولى المتسمة باتساع الفجوات بين شرائح المجال الاجتماعي، إلى الوضعية الأكثر تطوّرًا من حيث ارتفاع نسبة التجانس بين أفراد المجتمع.
يبقى المذكور آنفًا بمثابة التعميم النظري الذي يهدف إلى رسمِ معالم الانتقال الافتراضية للمجتمع الحديث في الخليج والجزيرة العربية، وذلك من منطلق كونه لا يزال حديثًا ويعيش مخاضات متسارعة أغفلتها ولا تزال أعين التشخيص، وأفلتت هي بدورها عن أيدي النقد والتحليل المُواكِب لها.
ورّث ضعف الرصد لدى - ليس عموم الناس وحسب، بل أيضًا لدى- الفئة المتعلمة والمثقفة: قصورًا في تقييم الظواهر الاجتماعية وفضلًا عن فهم كوامنها حال وقوعها، واستيعاب سيروراتها بعد وقوعها، ما أنتج بدوره - ولا يزال- قصورًا مُضاعفًا في تَبَيُّنِ مآلات البنية الاجتماعية.
ربما استغرقتْ الفكرة السابقة مساحةً أكبر من التوضيح ما كان ينبغي لها ذلك لولا أهميتها التأسيسية، ومركزيّتها الكبرى -على الأقل عندي- في مقام التفكير الاجتماعي الخليجي.
ومن ثمّ، فإن قضية انخفاض معدل الخصوبة في المجتمع القطري، الناتجة أصالةً عن انحسار حالات الزواج وتزايد حالات الطلاق بشكل نسبّي، فترةً تلوَ فترة، ينبغي في الحقيقة أن تُقاس من منظور الحقيقة الاجتماعية المذكورة أعلاه، إلى جانب عوامل عديدة (داخلية وخارجية) لا تقل أهميّة، بل هي تتواشج على نحوٍ جدليٍّ مع حَداثَة المجتمع والدولة.
في السياق الداخلي، فقد مرّت الدولة بنقلة في منتصف التسعينيات، مثّلت بدورها حركة تصحيحية، اكتنفت تحوّلًا جذريًّا في تاريخ الدولة من جهة، وولادة جديدة لها من جهة أخرى. قاد مشروع النهضة الجديد، الذي ارتكز على الطفرة الاقتصادية ومداخيلها الضخمة، إلى: تطوير السوق القطرية، والاستثمار في مشاريع تعليمية كبرى، واستقدام وتأسيس مراكز البحث المختلفة، وتحويل وسائل الإعلام إلى مستوى أعلى من التفاعل والتأثير. وساهم كل ما سبق في نحت نموذج الرفاه الذي ترعرع في إطاره الجيل الحديث. والرفاه هنا بوصفه نموذجًا فإنه يتمظهر -أيضًا- في تقدّم المؤسسات التعليمية وتطورها، وارتفاع متوسط نسبة الخرّيجين الأكاديميين، وتوسّع سوق العمل، وتمكين المرأة؛ إذ أنه ليس مجرد رفاه شرائي أو استهلاكيّ.
وسنرى كيف أن انخفاض معدل الخصوبة أخذ يتضاءل طوال تمرحل الفترة الممتدة من منتصف التسعينيات حتى هذه اللحظة، فيما قد يبيّن نوعًا من العلاقة الطردية بين مشكلات الخصوبة والتحولات الاقتصادية الواقعة في العقود الثلاثة الأخيرة.
أما على الصعيد الخارجي، فقد أخذت النَقَلاتُ الثورية في الإعلام الحديث الجيلَ الصاعدَ في المجتمعات الخليجية نحو وعيٍ جديد يكاد يقطع مع سابقه. وأدّى انكشاف الأنماط الثقافية وغشيانها الهواتف المحمولة والأجهزة الإلكترونية المستخدمة على نطاق واسع، إلى تعاظمِ حالةٍ من التجاذب الثقافي.
جاء هذا التجاذب متزامنًا مع نشوء مئات من الجيل القطري الصاعد: ذي نزعةٍ غربيةٍّ في تكوينه المعرفي، وفي نسق تفكيره. ويعود سبب ذلك إلى أنه إما قد درس في جامعات غربية أو لأنه تخرّجَ من الجامعات الأمريكية المنضوية تحت ما يعرف بالمدينة التعليمية، ثم تشرّب -إثر ذلك- قدرًا مضاعفًا من ثقافتها بانسياق لا-واعي أو إعجاب شديد لا حيلة له عليه، ولأسباب يطول شرحها.
وفق الإحصاءات السكانية التي أجريت منذ منتصف الثمانينات في الدولة، واستنادًا إلى التقرير المنشور بعنوان «٩ عوامل وراء تراجع معدلات الخصوبة في قطر» تاريخ ٢٧ سبتمبر ٢٠٢٢، (وهو تقرير يتناول مشروع معهد الدوحة الدولي للأسرة حول المحددات الاجتماعية للخصوبة في دولة قطر والتبعات السياساتية)، فإن معدل الخصوبة الكلية -الذي يقيس عدد المواليد الذي يمكن للمرأة أن تنجبه طوال حياتها- قد نقص من ٤.٦٪ في ١٩٩٧م إلى ٢.٩ في ٢٠١٧م.
استنتج أغلب الباحثين الذين حاولوا فهم الأسباب الكامنة خلف هذا الانخفاض: أنّ اتساع شروط التعليم ومستوياته، وتمدد سوق العمل ومتطلباته، يُعدّان هما السببان الأبرز خلف تباطؤ معدلات الزواج، وارتفاع حالات الطلاق في قطر. وإليهما يُنسب الدور الأكبر وراء شعور الفرد - ذكرًا وأنثى- بالاستقلاليّة، والاستقلالية الماديّة على وجه التحديد، بحيث بدأ بعض الرجال ينظرون إلى منظومة الزواج بصفتها مجموعة من الأعباء المُكلْفِة، وكذلك الحال مع بعض النساء اللائي أخذن يتصوّرن الزواج باعتباره تقييدًا لحريّتهن أو طموحهن. لا خلاف على أن المحصلة التعليمية والعملية تُعَدّ عاملا من العوامل الرئيسة في مفاقمة هذه الظاهرة التي صرنا نعيشها - بما هي هاجس يتهدد مستقبل النسيج السكّاني- وذلك من جهة: أثر التعليم العالي وما يحتويه من انفتاح على نُظُم اجتماعية أخرى، على تبدُّلِ بعض التصورات تجاه فكرة الزواج.
ودور العمل وما يستلزمه من وقت وما يؤديه من أجر، في تحوّل المعايير الناظمة لمؤسسة الزواج لدى الجيل المعاصر.
يمكن حصر قَوام هذه التحوّلات في الفكرة الأساسية التالية: إن فكرة الزواج وبدلًا من أن تنبني على أساس تساكني وتراحمي تام، يشبع حاجة الزوجين ويحقق لهما الأمان العاطفي والنفسي، فقد أصبحت مُعرّضةً للتسليع الاقتصادي الذي يقاربها وفق منطق الربح والخسارة ويخضعها لقانون العرض والطلب. فيحدث كثيرًا أن تكون الأسباب المؤدية إلى العزوف عن الزواج، أو تلك المؤدية إلى الطلاق، هي نتاجُ قناعة ثاوية في ذهن النساء والرجال تتمحور حول سؤال «ما الذي لي؟ ثم ما الذي علي؟»، وهي قناعة ليست انعكاسًا لمبدأ الحقوق والواجبات، كما قد يُتصوَّر، بل هي مجرّد تَمَثُّلٍ عارمٍ لطغيان النماذج المعرفية - المادية على فضاء الذهنيات الاجتماعية السائدة، واقعًا وافتراضًا.
وحسب الإحصاءات المنشورة على موقع جهاز التخطيط والإحصاء، وفي عملية حسابية استنتاجية سريعة، بوسعنا أن نتبين واقعية هذه المشكلة، التي ربما تتحول في يوم الأيام القريبة إلى معضلة حقيقية، ففي الفترة بين أغسطس ٢٠٢٠ ويوليو ٢٠٢٢ - أي العامين الماضيين- شهدت حالات الزواج انخفاضًا بنسبة ٣٤.٢٪ لدى الذكور، و٣٨٪ لدى الإناث. في حين بلغ إجمالي حالات الطلاق ارتفاعًا قدره ٣١.٨٪ لدى الذكور، و٣٦٪ لدى الإناث. إن هذه المعلومات الآنفة تقوّض الفكرة الشعبوية الرائجة الظانّة قولًا بأن فترة وباء كوفيد قد حفّزت الزواج ورفعت نسبته، ولكن لغة الأرقام أصدق شاهدًا، وأبلغ دلالة.
يبقى القول بأن شتّى هذه التحولات إنّما تستدعي منا إعادة التفكير في الرهانات التي تحكم مسارَ انتقال المجتمع. كما تبقى ثمة تساؤلات مُلحّة، كأنما تجثم على العقل والضمير: ألا يعني التحول في معدلات الخصوبة تحوّلًا في القيم والتصورات والتفضيلات الاجتماعية؟ وهل هذه إلا تحولات للهُويّة، أي تمخّضات على مستوى أسس البنية الاجتماعية؟
ما الشكل الذي سيكون عليه المجتمع بعد عشر سنين/ عشرين سنة؟ هل تساءلنا عن ذلك تساؤلًا جادًّا؟ وكيف يمكن أن نفهم المسألة وأن نعالجها؟
ـــــــــــــــــــــــــــــ
*المقصود بلفظ حداثة في كل مواضع المقال هو كون الأمر حديثا وجديدا من الناحية الزمنية، لا منظومة الأفكار الخاصة بالحداثة.
ثنيُ الزمان على مسألة السُكّان
تحتل المسألةُ السكانية موقعًا متعاظمًا في هواجس المثقفين والمختصين بالشؤون التنموية الوطنية في بلدان الخليج العربي. وهي مسألةٌ... اقرأ المزيد
1953
| 19 سبتمبر 2022
لمَ هذا الجفاء بين الظاهرة والمنظور؟
يسري في الأذهان العربية، وبأثرٍ من القضايا السياسية الملتهبة التي ألمَّتَ بجسد الإنسان العربي المثخن ولا تزال، أن... اقرأ المزيد
1769
| 31 أغسطس 2022
لماذا يحب القطريون اللاندكروزر؟
قد لا تظهر هناك علاقة مباشرة بين الوضعية الثقافية لدى شعبٍ ما، ونوع السيّارة المفضّلة لديه أو المُستخدَمة... اقرأ المزيد
10401
| 16 أغسطس 2022
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم.. في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد …. ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه: أكل؟ نعم رجع من المدرسة؟ نعم نام؟ نعم وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها: معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!! وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي … إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة. وسؤال صريح: ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟ فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء. دعونا نرتبها بشكل أبسط: الخادمة توقظه الخادمة تطعمه الخادمة تلبسه السائق يوصله السائق يعيده الخادمة تستقبله الهاتف يسليه الألعاب الإلكترونية تبعده ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان: ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟ والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون: متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟ نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي غرفة مستقلة هاتف حديث ألعاب مدارس ممتازة خادمة سائق ملابس مصروف كل شيء موجود إلا شيء واحد: الأب والأم في التفاصيل اليومية وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح. هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف. هذه ثقافة تُعاش يرى أباه فيقلد يرى أمه فيتعلم منها يجلس مع جده يسمع حديث أقربائه يستقبل الضيوف يسلم يسمع يخطئ فيُصحح له وهكذا تتشكل الشخصية لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية وليس كل رعاية غير أبوية سيئة المشكلة في الإفراط في التفويض أن يتحول المساعد إلى بديل نشتكي: عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم طيب هل أخذناهم معنا؟ أبناؤنا انعزاليون ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟ نحن السبب وهناك سؤال أكثر إحراجًا: هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟ الأبوة ليست دفع الفواتير والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي: (( عيال اليوم تغيّروا )) الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون: ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم. شكراً ميري.. شكراً كومار
3315
| 06 أكتوبر 2026
في بعض المؤسسات، يستطيع مسؤول أن يتخذ قراراً كبيراً من دون الرجوع إلى أحد، لكنه عندما يفشل القرار يقول إن الظروف لم تساعده، أو إن المعلومات التي وصلته كانت ناقصة، أو إن الموظفين لم يحسنوا التنفيذ. وفي المقابل، قد يُحاسب مدير إدارة على نتائج لم يُمنح الصلاحيات اللازمة لتحقيقها. هنا تظهر إحدى صور ضعف الحوكمة: صلاحية تتمدد عند اتخاذ القرار، ومسؤولية تنكمش عند ظهور النتائج. تبدو كلمة الحوكمة، أو Governance باللغة الإنجليزية، وكأنها مصطلح جامعي معقد، لكنها في حقيقتها تجيب عن أسئلة بسيطة: من يملك القرار؟ وإلى أي حد؟ ومن يراقب تنفيذه؟ ومن يتحمل نتيجته؟ أما ضعف الحوكمة (Weak Governance) فلا يعني غياب اللوائح، بل غياب العلاقة الواضحة بين من يملك القرار ومن يتحمل نتيجته. وقد يظهر هذا الضعف في مؤسسة تملك عشرات السياسات واللجان؛ فيتخذ شخص القرار، وينفذه شخص آخر، ويُحاسب شخص ثالث. وفي قلب هذه المشكلة يأتي مفهوم حدود الصلاحيات (Limits of Authority)، أي أن يعرف كل مستوى إداري ما يستطيع أن يقرره، وما يتجاوز سلطته، ومتى يحتاج إلى موافقة جهة أعلى أو مستقلة. هذه الحدود لا توضع لتعطيل العمل أو للتعبير عن عدم الثقة بالمسؤول، بل لحمايته وحماية المؤسسة. فالإنسان، مهما بلغت خبرته، قد يخطئ في التقدير، أو يتأثر بعلاقاته، أو يندفع نحو قرار يبدو جذاباً في لحظته. وحين تخضع القرارات الكبيرة لمراجعة مستقلة ومحددة، تقل احتمالات الخطأ والانفراد وإساءة استخدام السلطة. لكن المشكلة تبدأ عندما تكون الحدود غامضة أو مرنة بحسب الأشخاص. فقد تُطبّق الإجراءات بدقة على مدير، بينما يتجاوزها آخر بسبب قربه من القيادة. وقد يحتاج قرار صغير إلى سلسلة طويلة من التوقيعات، في حين يمر قرار أكثر خطورة بموافقة مسؤول واحد. عندها لا تصبح الصلاحيات نظاماً مؤسسياً، بل امتيازات شخصية. وليست كل الصلاحيات مكتوبة في قرار إداري. ففي بعض المؤسسات يظهر أشخاص لا يملكون منصباً يبرر نفوذهم، لكنهم يؤثرون في التعيينات والعقود والقرارات بحكم قربهم من صاحب القرار. وهذه السلطة غير المكتوبة أخطر من الصلاحية الرسمية؛ لأنها تمارس النفوذ من دون أن تترك وراءها مسؤولاً يمكن مساءلته. تبدأ المسؤولية من مجلس الإدارة. فالمجلس لا يدير العمل اليومي، لكنه يحدد المساحة التي تتحرك داخلها الإدارة التنفيذية. وعليه أن يحدد بوضوح القرارات التي يستطيع الرئيس التنفيذي اعتمادها منفرداً، وتلك التي لا تصبح نافذة إلا بموافقة المجلس، مثل الاستثمارات الكبرى، والاقتراض، وبيع الأصول، والعقود المهمة، والتغييرات الجوهرية في الهيكل والقيادات. إذا ترك المجلس هذه الحدود غامضة، فقد يكتشف بعد وقوع الخسارة أن الإدارة تجاوزت ما كان يتوقعه منها، بينما تقول الإدارة إنه لم يسبق أن مُنعت من ذلك. وهنا تتحول المساءلة إلى جدل حول النيات بدلاً من الرجوع إلى قواعد واضحة. وحتى عضو مجلس الإدارة له حدود. فعضويته لا تمنحه حق إصدار التعليمات المباشرة للموظفين، أو التدخل منفرداً في التعيينات والمشتريات. المجلس يمارس سلطته مجتمعاً، أما تحول بعض أعضائه إلى مديرين من خلف الستار فيربك الإدارة، ويجعل الموظف أمام أكثر من رئيس، ويمنح العضو تأثيراً لا تقابله مسؤولية تنفيذية واضحة. أما الرئيس التنفيذي، فصلاحياته الواسعة لا تعني أنها مطلقة. المؤسسة ليست امتداداً لشخصه، والقرار الكبير لا يصبح آمناً لمجرد أن من اتخذه يتمتع بالخبرة. مسؤوليته أن يعمل داخل الحدود التي وضعها المجلس، وأن يوزع جزءاً من صلاحياته على القيادات تحته بوضوح. وهذا ما يسمى تفويض الصلاحيات (Delegation of Authority). فالرئيس الذي يحتفظ بكل القرارات على مكتبه يعطل المؤسسة ويجعل المديرين ينتظرون توقيعه. وفي المقابل، فإن التفويض الشفهي أو الغامض يفتح باباً للفوضى والإنكار. والتفويض السليم لا يقول للمدير فقط: «أنت مفوض»، بل يحدد ما الذي يستطيع اعتماده، وإلى أي حد، ولمدة كم، ومتى يجب أن يعود إلى مستوى أعلى. ولا يكفي الالتزام بشكل الصلاحية مع التحايل على غرضها. فقد يُقسَّم عقد كبير إلى عقود أصغر حتى لا يحتاج إلى موافقة المستوى الأعلى. يبدو كل عقد سليماً منفرداً، لكن الصورة الكاملة تكشف أن الحدود وُجدت ثم جرى الالتفاف عليها. أما الإدارة الوسطى، فهي غالباً أكثر المستويات تأثراً باختلال هذا التوازن. فقد يُطلب من مدير الإدارة خفض التكاليف وتحسين الأداء، لكنه لا يستطيع اختيار فريقه، أو إعادة توزيع موارده، أو معالجة ضعف أحد موظفيه. ثم يُسأل في نهاية العام: لماذا لم تحقق النتائج؟ لا توجد مساءلة عادلة من دون صلاحية مناسبة. فمن تطلب منه المؤسسة النتيجة، يجب أن تمنحه الأدوات والقرار اللازمين لتحقيقها. أما المسؤولية من دون صلاحية، فهي طريقة للبحث مبكراً عن شخص يتحمل اللوم. ويأتي المدير المباشر، الذي يمارس الحوكمة في تفاصيل تبدو صغيرة لكنها تمس حياة الموظف يومياً: توزيع المهام، واعتماد الإجازات، وتقييم الأداء، والترشيح للترقية والتدريب. ولهذا يجب ألا تُترك هذه الصلاحيات للمزاج أو العلاقات، بل تخضع لمعايير معروفة وإمكانية عادلة للمراجعة. ويمتد وضوح الصلاحيات إلى الموظف أيضاً. متى يستطيع معالجة طلب العميل بنفسه؟ ومتى يجب أن يرفعه إلى مديره؟ وما المعلومات التي يحق له الاطلاع عليها؟ وما الالتزام الذي يستطيع تقديمه باسم المؤسسة؟ الموظف الذي لا يعرف ذلك قد يتردد في كل شيء، أو يتجاوز صلاحياته من دون أن يدرك، ثم لا يتعرف إلى حدودها إلا بعد وقوع المشكلة. أما الإدارات القانونية والرقابية، فدورها التأكد من سلامة المسار والتنبيه إلى المخاطر، لا اتخاذ القرار بدلاً من صاحبه. فمراجعة الإدارة القانونية للعقد لا تعني أنها اتخذت القرار التجاري، وعدم اعتراض إدارة المخاطر لا ينقل إليها مسؤوليته. الاستشارة تساعد صاحب القرار، لكنها لا تحل محله. ومن أبرز علامات ضعف الحوكمة أن نسأل بعد فشل مشروع: من اتخذ القرار؟ فنجد عدداً كبيراً من التوقيعات، ولا نجد مسؤولاً واحداً. هذا وافق فنياً، وذاك راجع قانونياً، وثالث وفر الميزانية، ورابع يقول إنه نفذ فقط. وهكذا تتحول كثرة التوقيعات من وسيلة للرقابة إلى وسيلة لتذويب المسؤولية حتى تختفي. الحوكمة الجيدة لا تُقاس بعدد السياسات والتوقيعات، بل بقدرة المؤسسة على معرفة من اتخذ القرار، وبأي صلاحية، ومن سيجيب عن نتيجته. فحين تتمدد الصلاحية عند النجاح وتنكمش المسؤولية عند الفشل، لا يكون الخلل في قرار واحد، بل في مؤسسة يتعدد فيها المشاركون في القرار، ويختفي المسؤول عند المساءلة.
1077
| 06 أكتوبر 2026
في الأوقات العادية، قد تبدو الاحتياطيات المالية والاستثمارات الخارجية مجرد أرقام كبيرة في التقارير. أما في الأزمات، فتتحول هذه الأرقام إلى قدرة حقيقية على حماية الاقتصاد واستمرار الخدمات وتوفير احتياجات الناس. وهذا ما ظهر خلال أزمة هرمز، التي وضعت قطر أمام اختبار صعب لم يقتصر على تراجع الإيرادات، بل امتد إلى صادرات الطاقة وحركة التجارة وسلاسل الإمداد. وعلى الرغم من شدة الأزمة، حافظت الدولة على استمرار الخدمات، ووفرت الاحتياجات الأساسية للمواطنين والمقيمين، وأدارت آثارها بما حافظ على استقرار الحياة اليومية ومتانة الاقتصاد. وهذا نجاح يستحق الإشادة، لكنه يستحق أيضًا أن نتوقف عنده لفهم أسبابه واستخلاص ما يفيدنا في المستقبل. لم تبدأ قوة قطر المالية مع الأزمة، بل بُنيت على مدى سنوات من خلال الاحتياطيات المالية والأصول السيادية والاستثمارات الخارجية، إلى جانب قوة الجهاز المصرفي والقدرة الائتمانية للدولة. كما استفادت قطر من خبرتها في أزمات سابقة، خصوصًا في الأمن الغذائي، وتنويع مصادر الاستيراد، وتطوير الموانئ والخدمات اللوجستية. وهذا الاستعداد لم يكن مجرد انطباع، بل تؤكده التقارير الدولية. فقد أشار صندوق النقد الدولي، قبل الأزمة، إلى قوة الوضع المالي والخارجي لقطر وسلامة قطاعها المصرفي، مؤكدًا أهمية مواصلة الإدارة المالية الحصيفة. وقد أثبتت التطورات أن هذه القوة وفرت للدولة مساحة للتحرك عندما تعرضت الإيرادات ومنافذ التصدير لضغوط مفاجئة. لكن متانة الاقتصاد لا تعني أن الأزمة مرت من دون تكلفة. فقد أظهرت بيانات وزارة المالية ارتفاع عجز الموازنة إلى نحو 21.2 مليار ريال في الربع الثاني من عام 2026، بعد أن بلغ 10.3 مليار ريال في الربع الأول. ولا تعني هذه الأرقام أن الاقتصاد فقد قوته، بل تكشف حجم الضغط الناتج عن تأثر صادرات الغاز وحركة الملاحة. وفي مثل هذه الظروف تظهر قيمة ما راكمته قطر من احتياطيات وأصول سيادية؛ فقد وفر ذلك للحكومة هامشًا لمواصلة الإنفاق الضروري، وتلبية احتياجات الدولة والمواطنين والمقيمين، والمحافظة على الاستقرار رغم تراجع الإيرادات. وإلى جانب ذلك، برز دور الاستثمارات الخارجية عبر جهاز قطر للاستثمار؛ فهي تحقق عوائد للأجيال القادمة، وتعزز قدرة الدولة على مواجهة الظروف الاستثنائية، وتخفف اعتمادها الكامل على الإيرادات السنوية للطاقة. غير أن الأزمة كشفت أن القوة المالية، على أهميتها، ليست كافية وحدها. فالمال يستطيع تعويض جزء من تراجع الإيرادات، لكنه لا يوفر فورًا موردًا بديلًا لمادة أساسية، ولا يفتح مسارًا بحريًا متعطلًا، ولا يعيد تشغيل خدمة تعتمد على نظام تقني خارجي واحد. ولذلك لا ينبغي أن يكون السؤال: كم نملك من الاحتياطيات فقط؟ بل أيضًا: ما البدائل الجاهزة، وكم نحتاج من الوقت لتشغيلها؟ وتزداد أهمية هذا السؤال لأن أزمات اليوم لا تبقى داخل حدودها الأولى. فقد أشار تقرير المخاطر العالمية لعام 2026، الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، إلى ترابط المخاطر الجيوسياسية والاقتصادية؛ فقد تبدأ الأزمة في ممر بحري، ثم تنتقل إلى الطاقة والشحن والتأمين والإنتاج والأسعار. كما توضح تقارير الأونكتاد أن تأخر السفن ليس سوى بداية لسلسلة من التكاليف التي تصل في النهاية إلى الشركات والمستهلكين. وفي الاتجاه نفسه، تذكر ورقة «الصمود الاقتصادي في ظل الأزمة الجيو-اقتصادية»، الصادرة عن المركز الدولي للتنمية، أن الاحتياطيات والمخزونات تمنح الدولة وقتًا ثمينًا، لكنها لا تصنع الصمود بمفردها. فالاحتياطي يساعد الدولة على التحرك، أما البدائل الجاهزة فتحدد نجاح هذا التحرك وسرعته. ومن المفيد، في ضوء هذه التجربة، تشكيل فريق وطني مؤقت لدراسة دروس أزمة هرمز ووضع برنامج عملي لزيادة مرونة الاقتصاد القطري. والغاية ليست إضافة تقرير نظري جديد، بل تشكيل فريق محدد المدة والصلاحيات والمخرجات، يجمع الجهات المعنية بالمالية والاقتصاد والطاقة والنقل والموانئ والغذاء والدواء والتكنولوجيا، إلى جانب المصارف والقطاع الخاص. وتكون الخطوة الأولى إعداد خريطة للاعتماد الاقتصادي الحرج. والمقصود ليس حصر جميع السلع المستوردة، بل معرفة المواد والخدمات التي قد يؤدي تعطلها إلى توقف وظيفة أساسية. فقد تكون قطعة غيار صغيرة أهم من سلعة مرتفعة الثمن إذا كان غيابها قادرًا على إيقاف محطة إنتاج أو منشأة صحية أو نظام تقني كامل. وبعد تحديد هذه النقاط، يمكن اختبار قدرة القطاعات الحيوية على الصمود لفترات تمتد إلى 30 و90 و180 يومًا. فإذا تعطل المسار البحري المعتاد، فكم يكفي مخزون الغذاء والدواء والمواد الصناعية؟ وما المدة اللازمة للانتقال إلى مورد آخر؟ وهل لدينا عقود ومسارات بديلة جاهزة، أم سنبدأ البحث عنها بعد وقوع الأزمة؟ وينبغي أن تقود هذه الاختبارات إلى مؤشرات واضحة، مثل عدد أيام تغطية السلع الحيوية، والحد الأعلى للاعتماد على مورد واحد، والوقت المطلوب لتشغيل البديل، ومدى جاهزية الأنظمة الرقمية الاحتياطية. فمن دون مقاييس محددة، قد تبقى المرونة الاقتصادية فكرة جيدة يصعب معرفة مدى تحققها. وليست الفكرة أن نخزن كل شيء أو ننتج كل ما نستهلكه؛ فهذا مكلف وغير عملي. المطلوب هو معرفة ما يمكن شراؤه بسهولة من الأسواق العالمية، وما لا ينبغي أن نعتمد فيه على مصدر أو مسار واحد. وقد يكون المورد الأقل تكلفة مناسبًا في الظروف الطبيعية، لكنه يصبح مكلفًا إذا أدى تعطله إلى توقف قطاع حيوي. وعندها تصبح تكلفة المورد الثاني أو المخزون الإضافي أشبه بقسط تأمين يحمي الاقتصاد من خسارة أكبر. وتعرض الورقة نفسها خمس خبرات دولية يمكن الاستفادة منها. فقد حددت اليابان المنتجات والخدمات الحيوية لأمنها الاقتصادي، وطورت فنلندا تعاونًا منظمًا بين الحكومة والقطاع الخاص لضمان استمرار الخدمات الأساسية، بينما اعتمدت سنغافورة على مزيج من تنويع مصادر الغذاء والمخزون والإنتاج المحلي والشراكات الخارجية. والمطلوب ليس نسخ هذه التجارب، بل الاستفادة من منطقها وتكييفه مع احتياجات قطر. وبالتوازي مع تعزيز الجاهزية داخل الاقتصاد، تظل الاستثمارات الخارجية ركيزة أساسية في بناء القوة المالية للدولة. ولذلك ينبغي مواصلة تنميتها وتنويعها، مع تحقيق توازن بين الاستثمارات طويلة الأجل والأصول التي يمكن تحويلها إلى سيولة عند الضرورة، وزيادة الاستثمارات التي تجمع بين العائد المالي والمصلحة الاستراتيجية في الغذاء والدواء والتكنولوجيا والنقل والخدمات اللوجستية. لقد أثبتت أزمة هرمز أن قطر تمتلك احتياطيات وأصولًا ومؤسسات قادرة على امتصاص صدمة كبيرة، وأن الحكومة أحسنت إدارة الأولويات وحماية احتياجات المجتمع. لكن أفضل طريقة لتقدير هذا النجاح هو البناء عليه، وتحويل ما تعلمناه إلى سياسات وبدائل جاهزة تعزز استعداد الدولة لأي أزمة مقبلة. فالهدف ليس أن نعود إلى ما كنا عليه قبل الأزمة، بل أن نخرج منها أفضل مما كنا: باقتصاد أكثر تنوعًا، ومؤسسات أسرع استجابة، وسلاسل إمداد أكثر أمانًا. وعندها تتحول الأزمة، رغم كلفتها، من مرحلة صعبة تجاوزناها إلى فرصة جعلت الاقتصاد القطري أكثر مرونة وصمودًا.
1074
| 04 أكتوبر 2026