رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
قد لا تظهر هناك علاقة مباشرة بين الوضعية الثقافية لدى شعبٍ ما، ونوع السيّارة المفضّلة لديه أو المُستخدَمة على نطاق واسع بين أفراده. على اعتبار أنّ نوع السيّارات لا يعبّرُ بالضرورة عن نمطٍ تفضيلي يكتنز بداخله مُعطى ثقافي، يمكن القياس عليه بوضوح تام؛ إنما قد تنحصر دلالته -أغلب الأحيان- في كونه مؤشرا بسيطا للوضع الاقتصادي العامّ في البلاد، ومرآة لمستوى الرخاء الذي يعيشه المواطنون.
ولكن من المهم أن نتساءل: مثل هذا التصوّر الذي لا يعطي أهمية لموقع السيّارات في المحيط الثقافي لدى شعبٍ ما، هل يبدو قادرًا بالفعل على تحليل المسألة بعمق؟ أو كشْفِ المُخبّئ في علاقة نوع السيارة، بالنمط السائد من ثقافة أصحابها؟
بادئ ذي بدء فلا شك أن هذا المبحث لم يُشبَع -إذا كان قد دُرِسَ أساسًا- ضمن حقول الدراسات الحَضَريّة/المدينية والأنثروبولوجية العربية، ربّما بسبب حداثته أو هامشيّته أو لقلة اكتراث الباحثين العرب بهكذا مسألة ليس لها مكان رفيع في سلّم الأولويات البحثية. إلا أن الأمر رغم وجاهة الأسباب المذكورة آنفًا، يبقى ذا أهميّة لدى المهتمّين بتحولات المكوّن الثقافي لدى مجتمعات الخليج المعاصرة، وآلياتها الانتقالية، ومفاصلها الريعية، وتفاصيلها المتغيّرة. إن السيّارة لا تُعَدُّ مُجرّد سيّارة، أو مركوبًا للنقل وحسب، إنّما هي أقرب إلى أن تكون رمزًا اجتماعيًّا في الدرجة الأولى -وثقافيًّا في الدرجة الثانية- يسير على أربعة أقدام، ويختزل في شكله ومستواه وقيمته الماديّة سِمات وخصائص وأحوال شعبيّة (وبلاديّة) تدلّ على أمورٍ عدّة، مثل: علامات الطبيعة الجغرافية، النطاق المكاني للهِوايات المُفضَّلَة، متوسّط القدرة الشرائية، وغير ذلك من الشواهد.
تفتح لنا سيارة اللاندكروزر بابًا واسعًا على قصّة مُثيرة، تداخلَ فيها السلمُ بالحرب، وارتبط من خلالها الإبداع البشري بضرورة تجاوز الإنسان لصعوبات الطبيعة والخروج من قيود إكراهاتها.
تعود القصة إلى عام 1935م إذ وضع المخترع والميكانيكي الياباني كيشيرو تويودا خمسة مبادئ لمشروعه الجديد وتألفت من: الخيال، التجريب، التواضع، الاحترام والابتكار. مهّدت هذه المبادئُ المجالَ نحو تصنيع أولى سيّارات تويودا في 1936م، ومن ثمّ شكلت قاعدةً لشركته التي دشّنها عام 1937م باسم تويوتا موتورز. بعد تدشين شركة تويوتا بأعوام دخلت اليابان في أتون حربٍ عظمى، بلغ أوج تدميرها مع اللحظة التي ألقت فيها أمريكا قنبلتين نوويتين على مدينتي هيروشيما وناغازاكي في أغسطس 1945م، ما أسقط اليابان في أيدي الأمريكان بشكل كُليّ.
خلّفت القنبلتان خرابًا هائلًا، ودمارًا ماحقًا، وأثرًا مريرًا في نفوس اليابانيين، ولكن ذلك لم يستطع اجتثاث عزائمهم نحو النهوض من جديد.
في عام 1950م، بينما لا تزال اليابان تحت الاحتلال الأمريكي، قامت كوريا الشمالية بغزو جارتها الجنوبيّة، ما دفع الأمريكان إلى التدخل المباشر لتحرير الجنوبيين، ولكن قواتهم البريّة اضطرّت إلى الاستعانة بوسائل نقل برية من أجل قيادة المعركة بثبات. بحثتْ أمريكا عمّن يستطيع أن يُصنّع لها مركبةً عسكريّةً بمواصفات عالية، يمكنها التكيّف مع التضاريس الكورية المعيقة للحركة.
من هنا بزغت فكرة سيارة الدفع الرباعي، التي وُجدِتْ ضالّتها عند تويوتا، إذ لم تتوان تويوتا في الانخراط نحو تصميمها وتطويرها وتصنيعها مطلع عام 1951م، وبيعها مباشرةً إلى الجيش الأمريكي. جاء ذلك بمنطلقٍ إنسانيٍّ يتمثّل في نجدةِ شعبٍ مُحتَلّ، حسب تصوّر اليابانيين للموقف، إلى جانب -وبلا ريب- تأثير حالة التبعية التي كانت تعيشها اليابان.
وكما كان مُتوقّعًا، أبلت اللاندكروز بلاء حسنًا، أمام شتّى التحديّات البيئية والأمنية التي فرضتها الحرب الكورية. وتمكّنت كوريا الجنوبية في الأخير من صد العدوان الشمالي في صيف 1953م، فكانت هزيمة الشماليين -بوجه من الوجوه- بمثابة تتويج لسيارة اللاندكروزر، حيث تحوّلت إلى نموذجٍ صِناعي مثاليّ، دفع القائمين على الشركة إلى اعتماده على صعيد التصدير التجاري العالمي.
صُدّرت أولى سيّارات اللاندكروزر إلى باكستان في 1954م. وبعد ذلك بعام، أي في 1955م وطأتْ اللاندكروزر أرض الخليج للمرة الأولى في تاريخها، وتحديدًا في المملكة العربية السعودية، لتبدأ من ثَمَّ تلك العلاقة الحميمية، والحكاية الرومانسية، بين قفار الجزيرة وحدائد الكروزر.
وجد اللاندكروزر في الرمال العربية محيطًا هادرًا. ووجد عربُ الجزيرة فيه خير عِوَضٍ عن ركائبهم التي كانت فيما مضى سبيلهم الوحيدة في السفر، إذ طالما مخروا فوقها عُباب المَفاوز، وقطعوا بها كيدَ الفَيافْ.
في عام 1958م أسّس رجل الأعمال الراحل عبدالله عبدالغني ناصر وإخوانه شركتهم التجارية في الدوحة. مثّلت الشركةُ الوكيلَ الحصري لشركة تويوتا، وبدأ من خلالها توريد مركبات التويوتا. وبسبب صعوبة التثبت من العام الذي شهد أوّلَ وصولٍ للاندكروزر إلى أرض قطر بشكل قاطع، يمكن القول أنّها وصلت في الحدود بين 1956 – 1960م، في أقصى تقدير.
قضت العادة، أن يقتصر ورود المصنوعات الجديدة أوّلَ ورودها على النخبة الفاعلة سياسيًّا وتِجاريًّا، ومن ثم على كل فرد من داخل دائرة النفوذ والفعل باعتباره يمتلك الميزانية المادية التي تمكنّه من اقتناء الجديد. لم يكن اللاندكروزر بِدعًا من هذه المعادلة، حيث وُجِدَ بادئ أمره عند قلة قليلة من الشعب. ولا مانع هنا من الإشارة بأن مفهوم الشعب القطري لم يكتمل تشكّله إلا بعد استقلال الدولة في سبتمبر 1971م، وهذا يفيد أن عملية تكوّن الأمة الصغيرة في أيّما بلدٍ من البلدان العربية قد تزامن بشكل حادٍ ومُتجاذَبٍ مع تكوّن ثقافتها الخاصّة، وذلك في ضوء معطياتها الطبيعية والتاريخية.
بالرغم من وجود صعوبة في تأطير المحدد الأساس الذي يحكم عملية انتشار نوع من السيّارات على حساب نوعٍ آخر، فضلًا عن تفسير الحالة التي يكون فيها انتشار الأنواع المختلفة من السيّارات: متقارب أو شبه متساوٍ، إلا أننا نستطيع حصر تلك المحددات في عوامل أربعة مثل: الطبيعة البيئية، متوسط القدرة الشرائية لدى المواطنين، كفاءة عمل السيّارة، وانخفاض تكلفة إصلاحها وقطع غيارها.
وإذا أقررنا حقيقة هيمنة اللاندكروز على شوارع قطر في وقتنا المعاصر، كما هو مُلاحَظ، فالحقيقة الأخرى تقول إن انتشاره أخذ وقتًا طويلًا حتى وصل إلى أكبر شريحة ممكنة، بل إنه لم يصبح المركب الأكثر استخدامًا إلا بعد عام 2000م، وهذا يعني أن اللاندكروزر ولكي يصبح رقم واحد في قطر فإن ذلك اقتضى من تويوتا أن تبذل جهدًا دؤوبًا غير منقطع على مدى أربعين عامًا، بالقدر الذي استلزم فيه بعض التحولات الإيجابية في اقتصاد البلد.
ترجع أسباب هذا الوقت الطويل الذي استهلكته تويوتا من أجل نجاح اللاندكروزر في قطر إلى وجود منافسين كُثُرِ من السيّارات الأمريكية والأوروبية، إلى جانب احتدام المنافسة مع شركة نيسان اليابانية، الغريم التقليدي لتويوتا. كما كان اللاندكروزر في فترة السبعينات والثمانينات والتسعينات من القرن الماضي أقل تطوّرًا وجودة وفعالية من موديلاته الحديثة -وبصورة أدق- من (لاندكروزر 2008) فصاعدًا، وهذا سبب رئيس جعل من إمكانية انتشاره اليوم أسهل وأوسع منها في المراحل السابقة.
شكّلت بداية الألفية الجديدة طفرةً للاندكروزر ليس فقط في سجلات البيع والشراء لدى وكالة عبدالله عبدالغني أو لدى معارض السيّارات المتعاونة، ولكن أيضًا في المخيال الشعبي القطري، إذ بدأت تتنامى صورة هذه السيارة أوّلًا في الوعي العام عبر الاحتكاك العيني المباشر وما يبعثه من إعجابٍ بنمط تصميمها وقوّتها وحجمها. وثانيًا في حوارات المجالس والأحاديث الجانبية في مقرّات العمل وما يكتنفه من استعراض. وثالثًا في انطباع تجربة اللاندكروزر في الواقع اليومي، نتيجة إشباعها رغبة الفرد وحاجة الأسرة، ما أدى إلى نجاح السيارة بشكل منقطع النظير، وشيوعها وانتشارها؛ ولن يكون هناك اختلاف في الرأي -على ما يبدو- حول الارتباط الشديد بين المسارات الثلاث من التنامي -المذكورة آنفًا-، وبين ارتفاع مبيعات اللاندكروزر في مختلف الأوساط القطرية.
لم تتسم بنية الثقافة في دول الخليج بصلابةٍ تجعلها في وضعية الممانعة، إنّما هي أقرب للانكشاف أمام تدفّق المنتجات الصناعية والاستهلاكية الحديثة، وهذا ما جعل الثقافة الشعبية عمومًا تتجه إلى استبدال أدواتها وملبوساتها وآلاتها من فترة لأخرى، تحت التأثير، ولكن ذلك لم ينطبق على اللاندكروزر طوال الأعوام العشرين الماضية من تاريخ قطر المعاصر.
وإذا كان لارتفاع المداخيل الشهرية وانتعاش الاقتصاد المحلي الأثر البارز في ترسّخ مكانة اللاندكروزر شيئًا فشيء، فإن هذه المركبة المثالية قد استطاعت أن تجمع بين الشرط الذوقي المرغوب والضرورة العملية المطلوبة. ولا غرابة إذن في حال وصل الأمر إلى أن يجهد بعض الأفراد والجماعات في بذل ما يملكون وما لا يملكون، فقط من أجل تحقيق ذوقهم واستيفاء حاجتهم، تعزيزًا للمكانة الاجتماعية أو تأكيدًا على فكرة المساواة. هذا بالضبط ما يصنع من اللاندكروزر رمزًا ذا مدلولات ثقافية معقّدة، يمكن عبر الخوض فيها واستكشافها أن نعمّق فهمنا للأنساق الاجتماعية والثقافية والسلوكية عند مختلف الشرائح والأجيال القطرية. كما يقتضي ما سبق، استخلاص حقيقة أن اللاندكروزر -وعلى هذا الوجه- لا يمكن أن يكون مجرّد شكل من أشكال البذخ والاستهلاك.
الزواج والطلاق وتحولات القيم
تأخذ القضايا - كما هو معهود- حيّزًا متواصلًا في تفكير أصحابها أو مُعايشيها، ما دامت تنعكس بشكل ملموس... اقرأ المزيد
3762
| 03 أكتوبر 2022
ثنيُ الزمان على مسألة السُكّان
تحتل المسألةُ السكانية موقعًا متعاظمًا في هواجس المثقفين والمختصين بالشؤون التنموية الوطنية في بلدان الخليج العربي. وهي مسألةٌ... اقرأ المزيد
1953
| 19 سبتمبر 2022
لمَ هذا الجفاء بين الظاهرة والمنظور؟
يسري في الأذهان العربية، وبأثرٍ من القضايا السياسية الملتهبة التي ألمَّتَ بجسد الإنسان العربي المثخن ولا تزال، أن... اقرأ المزيد
1769
| 31 أغسطس 2022
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم.. في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد …. ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه: أكل؟ نعم رجع من المدرسة؟ نعم نام؟ نعم وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها: معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!! وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي … إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة. وسؤال صريح: ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟ فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء. دعونا نرتبها بشكل أبسط: الخادمة توقظه الخادمة تطعمه الخادمة تلبسه السائق يوصله السائق يعيده الخادمة تستقبله الهاتف يسليه الألعاب الإلكترونية تبعده ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان: ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟ والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون: متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟ نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي غرفة مستقلة هاتف حديث ألعاب مدارس ممتازة خادمة سائق ملابس مصروف كل شيء موجود إلا شيء واحد: الأب والأم في التفاصيل اليومية وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح. هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف. هذه ثقافة تُعاش يرى أباه فيقلد يرى أمه فيتعلم منها يجلس مع جده يسمع حديث أقربائه يستقبل الضيوف يسلم يسمع يخطئ فيُصحح له وهكذا تتشكل الشخصية لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية وليس كل رعاية غير أبوية سيئة المشكلة في الإفراط في التفويض أن يتحول المساعد إلى بديل نشتكي: عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم طيب هل أخذناهم معنا؟ أبناؤنا انعزاليون ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟ نحن السبب وهناك سؤال أكثر إحراجًا: هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟ الأبوة ليست دفع الفواتير والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي: (( عيال اليوم تغيّروا )) الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون: ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم. شكراً ميري.. شكراً كومار
3294
| 06 أكتوبر 2026
في بعض المؤسسات، يستطيع مسؤول أن يتخذ قراراً كبيراً من دون الرجوع إلى أحد، لكنه عندما يفشل القرار يقول إن الظروف لم تساعده، أو إن المعلومات التي وصلته كانت ناقصة، أو إن الموظفين لم يحسنوا التنفيذ. وفي المقابل، قد يُحاسب مدير إدارة على نتائج لم يُمنح الصلاحيات اللازمة لتحقيقها. هنا تظهر إحدى صور ضعف الحوكمة: صلاحية تتمدد عند اتخاذ القرار، ومسؤولية تنكمش عند ظهور النتائج. تبدو كلمة الحوكمة، أو Governance باللغة الإنجليزية، وكأنها مصطلح جامعي معقد، لكنها في حقيقتها تجيب عن أسئلة بسيطة: من يملك القرار؟ وإلى أي حد؟ ومن يراقب تنفيذه؟ ومن يتحمل نتيجته؟ أما ضعف الحوكمة (Weak Governance) فلا يعني غياب اللوائح، بل غياب العلاقة الواضحة بين من يملك القرار ومن يتحمل نتيجته. وقد يظهر هذا الضعف في مؤسسة تملك عشرات السياسات واللجان؛ فيتخذ شخص القرار، وينفذه شخص آخر، ويُحاسب شخص ثالث. وفي قلب هذه المشكلة يأتي مفهوم حدود الصلاحيات (Limits of Authority)، أي أن يعرف كل مستوى إداري ما يستطيع أن يقرره، وما يتجاوز سلطته، ومتى يحتاج إلى موافقة جهة أعلى أو مستقلة. هذه الحدود لا توضع لتعطيل العمل أو للتعبير عن عدم الثقة بالمسؤول، بل لحمايته وحماية المؤسسة. فالإنسان، مهما بلغت خبرته، قد يخطئ في التقدير، أو يتأثر بعلاقاته، أو يندفع نحو قرار يبدو جذاباً في لحظته. وحين تخضع القرارات الكبيرة لمراجعة مستقلة ومحددة، تقل احتمالات الخطأ والانفراد وإساءة استخدام السلطة. لكن المشكلة تبدأ عندما تكون الحدود غامضة أو مرنة بحسب الأشخاص. فقد تُطبّق الإجراءات بدقة على مدير، بينما يتجاوزها آخر بسبب قربه من القيادة. وقد يحتاج قرار صغير إلى سلسلة طويلة من التوقيعات، في حين يمر قرار أكثر خطورة بموافقة مسؤول واحد. عندها لا تصبح الصلاحيات نظاماً مؤسسياً، بل امتيازات شخصية. وليست كل الصلاحيات مكتوبة في قرار إداري. ففي بعض المؤسسات يظهر أشخاص لا يملكون منصباً يبرر نفوذهم، لكنهم يؤثرون في التعيينات والعقود والقرارات بحكم قربهم من صاحب القرار. وهذه السلطة غير المكتوبة أخطر من الصلاحية الرسمية؛ لأنها تمارس النفوذ من دون أن تترك وراءها مسؤولاً يمكن مساءلته. تبدأ المسؤولية من مجلس الإدارة. فالمجلس لا يدير العمل اليومي، لكنه يحدد المساحة التي تتحرك داخلها الإدارة التنفيذية. وعليه أن يحدد بوضوح القرارات التي يستطيع الرئيس التنفيذي اعتمادها منفرداً، وتلك التي لا تصبح نافذة إلا بموافقة المجلس، مثل الاستثمارات الكبرى، والاقتراض، وبيع الأصول، والعقود المهمة، والتغييرات الجوهرية في الهيكل والقيادات. إذا ترك المجلس هذه الحدود غامضة، فقد يكتشف بعد وقوع الخسارة أن الإدارة تجاوزت ما كان يتوقعه منها، بينما تقول الإدارة إنه لم يسبق أن مُنعت من ذلك. وهنا تتحول المساءلة إلى جدل حول النيات بدلاً من الرجوع إلى قواعد واضحة. وحتى عضو مجلس الإدارة له حدود. فعضويته لا تمنحه حق إصدار التعليمات المباشرة للموظفين، أو التدخل منفرداً في التعيينات والمشتريات. المجلس يمارس سلطته مجتمعاً، أما تحول بعض أعضائه إلى مديرين من خلف الستار فيربك الإدارة، ويجعل الموظف أمام أكثر من رئيس، ويمنح العضو تأثيراً لا تقابله مسؤولية تنفيذية واضحة. أما الرئيس التنفيذي، فصلاحياته الواسعة لا تعني أنها مطلقة. المؤسسة ليست امتداداً لشخصه، والقرار الكبير لا يصبح آمناً لمجرد أن من اتخذه يتمتع بالخبرة. مسؤوليته أن يعمل داخل الحدود التي وضعها المجلس، وأن يوزع جزءاً من صلاحياته على القيادات تحته بوضوح. وهذا ما يسمى تفويض الصلاحيات (Delegation of Authority). فالرئيس الذي يحتفظ بكل القرارات على مكتبه يعطل المؤسسة ويجعل المديرين ينتظرون توقيعه. وفي المقابل، فإن التفويض الشفهي أو الغامض يفتح باباً للفوضى والإنكار. والتفويض السليم لا يقول للمدير فقط: «أنت مفوض»، بل يحدد ما الذي يستطيع اعتماده، وإلى أي حد، ولمدة كم، ومتى يجب أن يعود إلى مستوى أعلى. ولا يكفي الالتزام بشكل الصلاحية مع التحايل على غرضها. فقد يُقسَّم عقد كبير إلى عقود أصغر حتى لا يحتاج إلى موافقة المستوى الأعلى. يبدو كل عقد سليماً منفرداً، لكن الصورة الكاملة تكشف أن الحدود وُجدت ثم جرى الالتفاف عليها. أما الإدارة الوسطى، فهي غالباً أكثر المستويات تأثراً باختلال هذا التوازن. فقد يُطلب من مدير الإدارة خفض التكاليف وتحسين الأداء، لكنه لا يستطيع اختيار فريقه، أو إعادة توزيع موارده، أو معالجة ضعف أحد موظفيه. ثم يُسأل في نهاية العام: لماذا لم تحقق النتائج؟ لا توجد مساءلة عادلة من دون صلاحية مناسبة. فمن تطلب منه المؤسسة النتيجة، يجب أن تمنحه الأدوات والقرار اللازمين لتحقيقها. أما المسؤولية من دون صلاحية، فهي طريقة للبحث مبكراً عن شخص يتحمل اللوم. ويأتي المدير المباشر، الذي يمارس الحوكمة في تفاصيل تبدو صغيرة لكنها تمس حياة الموظف يومياً: توزيع المهام، واعتماد الإجازات، وتقييم الأداء، والترشيح للترقية والتدريب. ولهذا يجب ألا تُترك هذه الصلاحيات للمزاج أو العلاقات، بل تخضع لمعايير معروفة وإمكانية عادلة للمراجعة. ويمتد وضوح الصلاحيات إلى الموظف أيضاً. متى يستطيع معالجة طلب العميل بنفسه؟ ومتى يجب أن يرفعه إلى مديره؟ وما المعلومات التي يحق له الاطلاع عليها؟ وما الالتزام الذي يستطيع تقديمه باسم المؤسسة؟ الموظف الذي لا يعرف ذلك قد يتردد في كل شيء، أو يتجاوز صلاحياته من دون أن يدرك، ثم لا يتعرف إلى حدودها إلا بعد وقوع المشكلة. أما الإدارات القانونية والرقابية، فدورها التأكد من سلامة المسار والتنبيه إلى المخاطر، لا اتخاذ القرار بدلاً من صاحبه. فمراجعة الإدارة القانونية للعقد لا تعني أنها اتخذت القرار التجاري، وعدم اعتراض إدارة المخاطر لا ينقل إليها مسؤوليته. الاستشارة تساعد صاحب القرار، لكنها لا تحل محله. ومن أبرز علامات ضعف الحوكمة أن نسأل بعد فشل مشروع: من اتخذ القرار؟ فنجد عدداً كبيراً من التوقيعات، ولا نجد مسؤولاً واحداً. هذا وافق فنياً، وذاك راجع قانونياً، وثالث وفر الميزانية، ورابع يقول إنه نفذ فقط. وهكذا تتحول كثرة التوقيعات من وسيلة للرقابة إلى وسيلة لتذويب المسؤولية حتى تختفي. الحوكمة الجيدة لا تُقاس بعدد السياسات والتوقيعات، بل بقدرة المؤسسة على معرفة من اتخذ القرار، وبأي صلاحية، ومن سيجيب عن نتيجته. فحين تتمدد الصلاحية عند النجاح وتنكمش المسؤولية عند الفشل، لا يكون الخلل في قرار واحد، بل في مؤسسة يتعدد فيها المشاركون في القرار، ويختفي المسؤول عند المساءلة.
1065
| 06 أكتوبر 2026
في الأوقات العادية، قد تبدو الاحتياطيات المالية والاستثمارات الخارجية مجرد أرقام كبيرة في التقارير. أما في الأزمات، فتتحول هذه الأرقام إلى قدرة حقيقية على حماية الاقتصاد واستمرار الخدمات وتوفير احتياجات الناس. وهذا ما ظهر خلال أزمة هرمز، التي وضعت قطر أمام اختبار صعب لم يقتصر على تراجع الإيرادات، بل امتد إلى صادرات الطاقة وحركة التجارة وسلاسل الإمداد. وعلى الرغم من شدة الأزمة، حافظت الدولة على استمرار الخدمات، ووفرت الاحتياجات الأساسية للمواطنين والمقيمين، وأدارت آثارها بما حافظ على استقرار الحياة اليومية ومتانة الاقتصاد. وهذا نجاح يستحق الإشادة، لكنه يستحق أيضًا أن نتوقف عنده لفهم أسبابه واستخلاص ما يفيدنا في المستقبل. لم تبدأ قوة قطر المالية مع الأزمة، بل بُنيت على مدى سنوات من خلال الاحتياطيات المالية والأصول السيادية والاستثمارات الخارجية، إلى جانب قوة الجهاز المصرفي والقدرة الائتمانية للدولة. كما استفادت قطر من خبرتها في أزمات سابقة، خصوصًا في الأمن الغذائي، وتنويع مصادر الاستيراد، وتطوير الموانئ والخدمات اللوجستية. وهذا الاستعداد لم يكن مجرد انطباع، بل تؤكده التقارير الدولية. فقد أشار صندوق النقد الدولي، قبل الأزمة، إلى قوة الوضع المالي والخارجي لقطر وسلامة قطاعها المصرفي، مؤكدًا أهمية مواصلة الإدارة المالية الحصيفة. وقد أثبتت التطورات أن هذه القوة وفرت للدولة مساحة للتحرك عندما تعرضت الإيرادات ومنافذ التصدير لضغوط مفاجئة. لكن متانة الاقتصاد لا تعني أن الأزمة مرت من دون تكلفة. فقد أظهرت بيانات وزارة المالية ارتفاع عجز الموازنة إلى نحو 21.2 مليار ريال في الربع الثاني من عام 2026، بعد أن بلغ 10.3 مليار ريال في الربع الأول. ولا تعني هذه الأرقام أن الاقتصاد فقد قوته، بل تكشف حجم الضغط الناتج عن تأثر صادرات الغاز وحركة الملاحة. وفي مثل هذه الظروف تظهر قيمة ما راكمته قطر من احتياطيات وأصول سيادية؛ فقد وفر ذلك للحكومة هامشًا لمواصلة الإنفاق الضروري، وتلبية احتياجات الدولة والمواطنين والمقيمين، والمحافظة على الاستقرار رغم تراجع الإيرادات. وإلى جانب ذلك، برز دور الاستثمارات الخارجية عبر جهاز قطر للاستثمار؛ فهي تحقق عوائد للأجيال القادمة، وتعزز قدرة الدولة على مواجهة الظروف الاستثنائية، وتخفف اعتمادها الكامل على الإيرادات السنوية للطاقة. غير أن الأزمة كشفت أن القوة المالية، على أهميتها، ليست كافية وحدها. فالمال يستطيع تعويض جزء من تراجع الإيرادات، لكنه لا يوفر فورًا موردًا بديلًا لمادة أساسية، ولا يفتح مسارًا بحريًا متعطلًا، ولا يعيد تشغيل خدمة تعتمد على نظام تقني خارجي واحد. ولذلك لا ينبغي أن يكون السؤال: كم نملك من الاحتياطيات فقط؟ بل أيضًا: ما البدائل الجاهزة، وكم نحتاج من الوقت لتشغيلها؟ وتزداد أهمية هذا السؤال لأن أزمات اليوم لا تبقى داخل حدودها الأولى. فقد أشار تقرير المخاطر العالمية لعام 2026، الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، إلى ترابط المخاطر الجيوسياسية والاقتصادية؛ فقد تبدأ الأزمة في ممر بحري، ثم تنتقل إلى الطاقة والشحن والتأمين والإنتاج والأسعار. كما توضح تقارير الأونكتاد أن تأخر السفن ليس سوى بداية لسلسلة من التكاليف التي تصل في النهاية إلى الشركات والمستهلكين. وفي الاتجاه نفسه، تذكر ورقة «الصمود الاقتصادي في ظل الأزمة الجيو-اقتصادية»، الصادرة عن المركز الدولي للتنمية، أن الاحتياطيات والمخزونات تمنح الدولة وقتًا ثمينًا، لكنها لا تصنع الصمود بمفردها. فالاحتياطي يساعد الدولة على التحرك، أما البدائل الجاهزة فتحدد نجاح هذا التحرك وسرعته. ومن المفيد، في ضوء هذه التجربة، تشكيل فريق وطني مؤقت لدراسة دروس أزمة هرمز ووضع برنامج عملي لزيادة مرونة الاقتصاد القطري. والغاية ليست إضافة تقرير نظري جديد، بل تشكيل فريق محدد المدة والصلاحيات والمخرجات، يجمع الجهات المعنية بالمالية والاقتصاد والطاقة والنقل والموانئ والغذاء والدواء والتكنولوجيا، إلى جانب المصارف والقطاع الخاص. وتكون الخطوة الأولى إعداد خريطة للاعتماد الاقتصادي الحرج. والمقصود ليس حصر جميع السلع المستوردة، بل معرفة المواد والخدمات التي قد يؤدي تعطلها إلى توقف وظيفة أساسية. فقد تكون قطعة غيار صغيرة أهم من سلعة مرتفعة الثمن إذا كان غيابها قادرًا على إيقاف محطة إنتاج أو منشأة صحية أو نظام تقني كامل. وبعد تحديد هذه النقاط، يمكن اختبار قدرة القطاعات الحيوية على الصمود لفترات تمتد إلى 30 و90 و180 يومًا. فإذا تعطل المسار البحري المعتاد، فكم يكفي مخزون الغذاء والدواء والمواد الصناعية؟ وما المدة اللازمة للانتقال إلى مورد آخر؟ وهل لدينا عقود ومسارات بديلة جاهزة، أم سنبدأ البحث عنها بعد وقوع الأزمة؟ وينبغي أن تقود هذه الاختبارات إلى مؤشرات واضحة، مثل عدد أيام تغطية السلع الحيوية، والحد الأعلى للاعتماد على مورد واحد، والوقت المطلوب لتشغيل البديل، ومدى جاهزية الأنظمة الرقمية الاحتياطية. فمن دون مقاييس محددة، قد تبقى المرونة الاقتصادية فكرة جيدة يصعب معرفة مدى تحققها. وليست الفكرة أن نخزن كل شيء أو ننتج كل ما نستهلكه؛ فهذا مكلف وغير عملي. المطلوب هو معرفة ما يمكن شراؤه بسهولة من الأسواق العالمية، وما لا ينبغي أن نعتمد فيه على مصدر أو مسار واحد. وقد يكون المورد الأقل تكلفة مناسبًا في الظروف الطبيعية، لكنه يصبح مكلفًا إذا أدى تعطله إلى توقف قطاع حيوي. وعندها تصبح تكلفة المورد الثاني أو المخزون الإضافي أشبه بقسط تأمين يحمي الاقتصاد من خسارة أكبر. وتعرض الورقة نفسها خمس خبرات دولية يمكن الاستفادة منها. فقد حددت اليابان المنتجات والخدمات الحيوية لأمنها الاقتصادي، وطورت فنلندا تعاونًا منظمًا بين الحكومة والقطاع الخاص لضمان استمرار الخدمات الأساسية، بينما اعتمدت سنغافورة على مزيج من تنويع مصادر الغذاء والمخزون والإنتاج المحلي والشراكات الخارجية. والمطلوب ليس نسخ هذه التجارب، بل الاستفادة من منطقها وتكييفه مع احتياجات قطر. وبالتوازي مع تعزيز الجاهزية داخل الاقتصاد، تظل الاستثمارات الخارجية ركيزة أساسية في بناء القوة المالية للدولة. ولذلك ينبغي مواصلة تنميتها وتنويعها، مع تحقيق توازن بين الاستثمارات طويلة الأجل والأصول التي يمكن تحويلها إلى سيولة عند الضرورة، وزيادة الاستثمارات التي تجمع بين العائد المالي والمصلحة الاستراتيجية في الغذاء والدواء والتكنولوجيا والنقل والخدمات اللوجستية. لقد أثبتت أزمة هرمز أن قطر تمتلك احتياطيات وأصولًا ومؤسسات قادرة على امتصاص صدمة كبيرة، وأن الحكومة أحسنت إدارة الأولويات وحماية احتياجات المجتمع. لكن أفضل طريقة لتقدير هذا النجاح هو البناء عليه، وتحويل ما تعلمناه إلى سياسات وبدائل جاهزة تعزز استعداد الدولة لأي أزمة مقبلة. فالهدف ليس أن نعود إلى ما كنا عليه قبل الأزمة، بل أن نخرج منها أفضل مما كنا: باقتصاد أكثر تنوعًا، ومؤسسات أسرع استجابة، وسلاسل إمداد أكثر أمانًا. وعندها تتحول الأزمة، رغم كلفتها، من مرحلة صعبة تجاوزناها إلى فرصة جعلت الاقتصاد القطري أكثر مرونة وصمودًا.
1062
| 04 أكتوبر 2026