رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هذا هو المقال الأول من سلسلة «قراءة في توصيات المختبر التشاوري الخليجي لقطاع التدريب والاقتصاد المعرفي».
تعددت خلال السنوات الأخيرة الجهات الحكومية والمؤسسات التي تقدم برامج إعداد المدربين، وتعددت معها البرامج والمبادرات والمسميات والشهادات. وخُصصت لهذه البرامج ميزانيات، وشُكلت من أجلها لجان، كما تعاقدت بعض الجهات مع شركات وبيوت خبرة خارجية ذات متطلبات مالية مرتفعة. وفي المقابل، مُنح المشاركون شهادات معتمدة ومسميات ومزايا تحفيزية تشجعهم على دخول مجال التدريب.
لكن، على الرغم من تعدد الجهات والبرامج وضخ الميزانيات، يظل عدد المدربين القادرين على الإنتاج الفعلي وصناعة محتوى أصيل وتحقيق أثر مهني محدودًا، ولا تتسع قاعدة المدربين المنتجين بالقدر الذي يتناسب مع حجم الإنفاق والجهود المبذولة.
وهنا يصبح من الضروري أن نسأل: أين تذهب كل هذه الجهود؟ ولماذا لا تتحول كثرة برامج إعداد المدربين إلى زيادة حقيقية في أعداد المدربين القادرين على الممارسة والإنتاج؟
إن تكرار البرامج المتشابهة بين جهات متعددة، من دون تنسيق واضح أو تحديد دقيق للمخرجات أو قياس للأثر، قد يؤدي إلى ضعف كفاءة الإنفاق ويفتح الباب أمام الهدر المالي. فالهدر لا يرتبط فقط بحجم المبالغ المصروفة، بل قد يظهر في تكرار المحتوى نفسه، واستقطاب الفئات نفسها، وإصدار المزيد من الشهادات، من دون إضافة نوعية إلى القطاع.
ولا يعني الحديث عن الهدر المالي التقليل من قيمة المبادرات القائمة أو الجهود المبذولة، وإنما يعني مراجعة العائد الحقيقي منها. فالمعيار ليس عدد البرامج التي نُفذت، ولا عدد المشاركين الذين حضروا، ولا عدد الشهادات التي وُزعت؛ بل عدد المدربين الذين انتقلوا بعد تلك البرامج إلى ممارسة مهنية منتجة، وأصبحوا قادرين على تصميم برامجهم وصناعة محتواهم وتحقيق أثر يمكن قياسه.
وقد لا تكون المشكلة في مدة البرامج أو كفاءة مقدميها، وإنما في إغفال محور أساسي يسبق مهارات الإلقاء والعرض والتقديم، وهو بناء «عقلية المدرب».
وفي هذا السياق، جاءت توصية سعادة السفير الدكتور عبدالعزيز الحر، خلال مداخلته في الحلقة النقاشية للمختبر التشاوري الخليجي لقطاع التدريب والاقتصاد المعرفي، بأهمية تعزيز محتوى برامج إعداد المدربين بمحور أساسي يُعنى ببناء عقلية المدرب. وهي توصية تضع يدها على إحدى الفجوات الجوهرية في برامج الإعداد؛ فامتلاك أدوات التدريب وتقنياته لا يكفي ما لم تسبقه عقلية مهنية تدرك مسؤولية المدرب وتدفعه إلى البحث والإنتاج والتطوير وصناعة الأثر.
عقلية المدرب ليست مادة تحفيزية إضافية، وإنما هي الطريقة التي يفهم بها المدرب دوره وهويته المهنية. هل يرى نفسه ناقلًا لمادة جاهزة، أم باحثًا ومنتجًا للمعرفة؟ هل ينتظر أن تقدم له جهة ما حقيبة تدريبية وفرصة للظهور، أم يدرس الاحتياجات ويبادر إلى تصميم الحلول؟ وهل يقيس نجاحه بعدد ساعات التدريب والشهادات التي حصل عليها، أم بما أحدثه من تغيير لدى الأفراد والمؤسسات؟
تركز كثير من برامج إعداد المدربين على الوقوف أمام الجمهور، وإعداد العروض، واستخدام نبرة الصوت ولغة الجسد، وإدارة التفاعل وتصميم الأنشطة. وهذه مهارات ضرورية، لكنها قد تصنع شخصًا قادرًا على التقديم، ولا تصنع بالضرورة مدربًا قادرًا على الإنتاج.
فالمدرب المنتج لا يكتفي بإتقان المنصة، بل يمتلك تخصصًا واضحًا، ويبحث باستمرار، ويصنع محتواه، ويفهم احتياجات سوق العمل، ويحوّل خبرته إلى حلول تدريبية قابلة للتطبيق. كما يدرك أن الحقيبة التدريبية ليست مجموعة من الشرائح الجاهزة، وأن نجاح البرنامج لا يُقاس برضا المشاركين وحده، وإنما بما تحقق من تعلم، وما تغير من سلوك، وما استمر من أثر بعد انتهاء التدريب.
وهنا يظهر الفرق بين حامل شهادة إعداد المدربين والمدرب المهني. فالشهادة تثبت اجتياز برنامج، لكنها لا تثبت وحدها الجاهزية للممارسة. والمشكلة تبدأ عندما تُعامل الشهادة باعتبارها نهاية رحلة الإعداد، بينما يفترض أن تكون بداية لمسار طويل من البحث والتجريب والإنتاج والتقويم المستمر.
لذلك، فإن تطوير برامج إعداد المدربين لا يحتاج دائمًا إلى مزيد من الساعات أو المزيد من الإنفاق، بقدر ما يحتاج إلى إعادة النظر في المحتوى والمخرجات. وينبغي أن يتضمن محور عقلية المدرب موضوعات مثل الهوية المهنية، والتخصص، والمسؤولية الأخلاقية، والبحث وإنتاج المعرفة، وفهم السوق، والملكية الفكرية، والتعلم المستمر، وقياس أثر التدريب.
كما ينبغي ألا يقتصر تقييم المشاركين على الحضور أو تقديم عرض قصير أمام زملائهم، بل يجب أن يرتبط بإنتاج مشروع تدريبي متكامل ينطلق من احتياج حقيقي، ويقدم حلًا واضحًا، ويتضمن أدوات قابلة لقياس نتائجه. عندها فقط ننتقل من إصدار شهادات إعداد المدربين إلى إعداد مدربين قادرين بالفعل على الممارسة والإضافة.
إن مراجعة برامج إعداد المدربين، وتنسيق الجهود بين الجهات التي تقدمها، وربط الإنفاق بمخرجات واضحة وقابلة للقياس، ليست ترفًا تنظيميًا؛ بل ضرورة لحماية الموارد وتحسين كفاءة الإنفاق.
لقد حان الوقت للانتقال من سؤال: كم برنامجًا نفذنا وكم شهادة أصدرنا؟ إلى سؤال أكثر أهمية: كم مدربًا منتجًا أضفنا إلى القطاع؟
فالقطاع لا يحتاج إلى تكرار البرامج وزيادة أعداد حاملي الشهادات بقدر حاجته إلى مدربين يمتلكون عقلية مهنية تحوّل المعرفة إلى قيمة، والخبرة إلى منتج، والتدريب إلى أثر مستدام.
المختبر التشاوري الخليجي للتدريب.. الحوار مدخلًا لتطوير المنظومة
يشهد قطاع التدريب في دول الخليج مرحلة متسارعة من التطور، تتغير معها الاحتياجات، وتتجدد الأدوات، وتتسع مساحة التدريب... اقرأ المزيد
531
| 12 أغسطس 2026
التنوع الاقتصادي.. هل آن الأوان لإعادة تموضع منظومة التدريب؟
قراءة في دور التدريب المهني في دعم الاقتصاد المعرفي ضمن إستراتيجية التنمية الوطنية الثالثة. منذ إطلاق رؤية قطر... اقرأ المزيد
477
| 03 أغسطس 2026
هل تنظم اللائحة مراكز التدريب أم تصنع مستقبل القطاع؟
عندما تصدر لائحة تنظيمية، فإنها لا تضع مجموعة من الإجراءات والاشتراطات فحسب، بل ترسم ملامح القطاع الذي تنظم... اقرأ المزيد
549
| 29 يوليو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3423
| 02 أكتوبر 2026
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم.. في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد …. ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه: أكل؟ نعم رجع من المدرسة؟ نعم نام؟ نعم وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها: معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!! وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي … إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة. وسؤال صريح: ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟ فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء. دعونا نرتبها بشكل أبسط: الخادمة توقظه الخادمة تطعمه الخادمة تلبسه السائق يوصله السائق يعيده الخادمة تستقبله الهاتف يسليه الألعاب الإلكترونية تبعده ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان: ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟ والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون: متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟ نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي غرفة مستقلة هاتف حديث ألعاب مدارس ممتازة خادمة سائق ملابس مصروف كل شيء موجود إلا شيء واحد: الأب والأم في التفاصيل اليومية وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح. هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف. هذه ثقافة تُعاش يرى أباه فيقلد يرى أمه فيتعلم منها يجلس مع جده يسمع حديث أقربائه يستقبل الضيوف يسلم يسمع يخطئ فيُصحح له وهكذا تتشكل الشخصية لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية وليس كل رعاية غير أبوية سيئة المشكلة في الإفراط في التفويض أن يتحول المساعد إلى بديل نشتكي: عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم طيب هل أخذناهم معنا؟ أبناؤنا انعزاليون ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟ نحن السبب وهناك سؤال أكثر إحراجًا: هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟ الأبوة ليست دفع الفواتير والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي: (( عيال اليوم تغيّروا )) الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون: ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم. شكراً ميري.. شكراً كومار
3168
| 06 أكتوبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم سؤالًا مشروعًا يحتاج إلى إجابة واضحة. فدولة صغيرة بعدد سكانها مثل قطر لا يمكن أن تكتفي بالكوادر الوطنية وحدها لتغطية كل التخصصات والمهن، ومن الطبيعي أن تستعين بالمقيمين والوافدين لسد النقص، خصوصًا في الوظائف التي قد لا يقبل عليها المواطن لاعتبارات مهنية أو ثقافية. لكن ما يحدث في الواقع أن بعض الوزارات والجهات الحكومية، بحكم القوانين والإجراءات التنظيمية، لا تستطيع التعاقد المباشر مع المقيمين رغم وجود حاجة فعلية لهم، فتضطر إلى اللجوء لشركات توظيف خاصة تقوم بدور الوسيط؛ فتوقّع العقود مع الموظفين ثم تعيرهم للوزارات، لكنها تقتطع من رواتبهم أحيانًا ما يقارب النصف تحت مسمى “عمولة” أو “رسوم إدارية”. وهنا يبرز الخلل: الوزارة تدفع ميزانيتها كاملة، والشركة تستحوذ على النصيب الأكبر، والموظف، الذي يقوم بالعمل فعليًا، لا يحصل إلا على النصف أو أقل، في بلد ترتفع فيه تكاليف المعيشة. فيبقى السؤال: كيف يعيش؟ وكيف يعيل أسرته؟ وكيف يدرّس أبناءه؟ والمفارقة أن كل جهاز حكومي لديه أصلًا إدارة متكاملة للتوظيف والموارد البشرية، تضم موظفين مختصين ومؤهلين للقيام بمهام الاستقطاب والاختيار والتعيين. فما الحكمة إذن من وضع التحكم في يد طرف ثالث، بينما الجهة الحكومية مؤهلة وقادرة على القيام بمهامها؟ ولماذا يُترك الموظف والمجتمع ليتحملا الكلفة، بينما المستفيد الأكبر هم أصحاب هذه الشركات؟ والأكثر إثارة للتساؤل أن شركات التوظيف التي تدور في هذا المجال محدودة ومعروفة، وهنا يحق للناس أن يسألوا: من أصحاب هذه الشركات؟ ومن المستفيد من بقاء هذا الباب مفتوحًا؟ وهل نحن أمام تنظيم إداري يخدم المصلحة العامة، أم أمام منفذ ربحي يستفيد منه قلة على حساب حاجة الدولة وجهد الموظف؟ وهذه العقود لا تظلم الموظف في الراتب فقط، بل تمتد إلى حقوقه الأساسية؛ فقد يُخصم من راتبه إذا مرض رغم تقديم شهادة طبية معتمدة، لأنه لا يتمتع بإجازات مرضية أو سنوية مدفوعة، ولا بضمانات وظيفية واضحة، ولا زيادات سنوية، ولا مكافأة نهاية خدمة، بل قد يتأخر راتبه أحيانًا إلى ما بعد بداية الشهر. والأخطر أن بعض الجهات الحكومية تستفيد من خبرات وكفاءات تعمل داخل مؤسساتها وتتحمل مسؤوليات كبيرة، لكنها تتركها تحت رحمة مكاتب وشركات وسيطة، تحقق أرباحًا عالية من جهد الموظف وخبرته، بينما يتحمل هو وحده مخاطر الخصم وعدم الاستقرار والاستبدال. ومن الناحية الشرعية والأخلاقية، فإن هذا النوع من العقود يثير تساؤلات جدية؛ فالوسيط من حقه أن يأخذ أجرًا معلومًا ومحددًا مقابل خدمته، لكن أن يتحول الأمر إلى اقتطاع مستمر من راتب الموظف طوال سنوات خدمته، فهذا يقترب من شبهة أكل أموال الناس بغير وجه حق، ويفتح بابًا واسعًا للاستغلال. والمسؤولية هنا لا تقع على الشركة وحدها، بل تشمل أيضًا الجهة الرسمية التي سمحت بهذا النموذج أو تغاضت عنه. أما من ناحية التخطيط، فالمنطق يقول إن الهدف من هذه الإجراءات هو إعطاء الأولوية للمواطن، وهذا هدف مفهوم ومشروع، لكن لا يجوز أن يتحول الأمر إلى التفاف إداري يرهق المقيم، ويضر بصورة العدالة، ويكلف الدولة أحيانًا أكثر مما لو تم التعاقد المباشر بشفافية ووضوح. نحن لسنا ضد التعاقدات، ولا ضد القطاع الخاص، ولا ضد ربح الشركات، لكننا ضد أن يكون الربح على حساب كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. فالكفاءة والخبرة ليست سلعة في مناقصة، والإنسان ليس رقمًا في فاتورة شهرية، يتم الاستغناء عنه أو استبداله متى انتهت الحاجة إليه. الحل ليس معقدًا: التعاقد المباشر مع المقيمين في الوظائف التي لا يتوافر لها مواطنون، ضمن عقود واضحة تحفظ الحقوق، مع تقييد دور شركات الوساطة بحيث تكتفي بأجر مقطوع ومعلوم لمرة واحدة، بدلًا من الاقتطاع الدائم من رواتب الناس. وهذا المقال موجّه إلى وزارة العمل، وديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، ووزارة المالية، وديوان المحاسبة، ومجلس الشورى، وكل جهة معنية بمراجعة عقود التوظيف، وحماية المال العام، وصون حقوق العاملين. فالمسألة في جوهرها تحتاج إلى مراجعة قانونية وشرعية وإدارية، حتى يكون التوظيف في قطر قائمًا على العدل لا على الالتفاف، وعلى الاستقرار لا على الاستغلال، وبما يحفظ حق الدولة، وحق الشركة، وحق الموظف، لأن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة يبدأ من احترام الإنسان وخبرته واستقراره.
1224
| 01 أكتوبر 2026