رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

الدكتورة حصة حامد المرواني

مساحة إعلانية

مقالات

318

الدكتورة حصة حامد المرواني

مَن يحكم النظام؟ التدريب في القطاع الخاص أنموذجاً

23 أغسطس 2026 , 11:06م

تحتاج المؤسسات والقطاعات إلى أنظمة واضحة تنظم أعمالها، وتحدد الاختصاصات، وتحمي الحقوق، وتوفر مرجعية لاتخاذ القرارات ومعالجة الخلافات، غير أن قوة النظام لا تُقاس بعدد لوائحه وتفاصيل إجراءاته فقط، بل بوضوح معاييره، وعدالة تطبيقه، وقدرته على المراجعة والتطور، ومن هنا يأتي السؤال، مَن يحكم النظام؟

لا يستهدف هذا السؤال جهة بعينها، ولا يفترض وجود قصور محدد، بل يفتح باب التفكير في الجهة التي تضع السياسة، وتتخذ القرار، وتراقب أثره، وتراجع نتائجه، وفي مدى ارتباط الصلاحيات بالمسؤولية والمساءلة.

وينصرف هذا الطرح تحديداً إلى تنظيم مزاولة التدريب في القطاع الخاص، بما يشمل ترخيص المراكز والمعاهد والمدربين، وتنظيم البرامج ومعايير الجودة والرقابة وحقوق المستفيدين، ولا يتناول التدريب الداخلي للجهات الحكومية أو برامج تأهيل موظفي الدولة.

ما الفرق بين النظام والحوكمة؟

يحدد النظام ما يجب فعله، ويضع القواعد والإجراءات التي تنظم العمل، أما الحوكمة فتحدد كيفية إدارة النظام نفسه، مَن يملك القرار؟ وعلى أي أساس؟ وكيف توزع الصلاحيات والمسؤوليات؟ وهل تُطبق المعايير على الجميع بعدالة واتساق؟ وهل توجد جهة يمكنها مراجعة القرار والنظر في الاعتراضات والتظلمات؟

وبذلك، يهتم النظام بتنظيم النشاط، بينما تهتم الحوكمة بجودة إدارة المنظومة، ووضوح المسؤوليات، وشفافية المعايير، ووجود مسارات محايدة للمراجعة والمساءلة.

الحوكمة ليست مزيداً من القيود

لا تعني الحوكمة إضافة المزيد من الاشتراطات أو توسيع الرقابة، بل جعل الأنظمة أكثر وضوحاً وعدالة وكفاءة، وهي تساعد على تبسيط الإجراءات، وتقليل التداخل، وتسريع القرار، وتحقيق التوازن بين حماية الجودة وتسهيل ممارسة النشاط، بحيث تبقى الإجراءات وسيلة لتحقيق النتائج لا غاية مستقلة عنها.

التدريب في القطاع الخاص له دور استراتيجي، حيث يمثل أنموذجاً واضحاً للحاجة إلى الانتقال من تنظيم النشاط إلى قيادة منظومة متكاملة، فهو لم يعد مجموعة من الدورات المنفصلة، بل أصبح جزءاً من البنية الوطنية لتنمية رأس المال البشري والاستجابة لتحولات سوق العمل، وبما يشمله من تدريب غير نظامي، لا يُقاس نجاحه بعدد المراكز والبرامج فقط، بل بقدرته على بناء المهارات وتحسين الأداء وسد الفجوات المهنية.

وضوح الأدوار أساس الحوكمة إذ ترتبط منظومة التدريب في القطاع الخاص بأطراف ووظائف متعددة؛ فهناك مَن يضع السياسات، ومَن يمنح تراخيص المراكز والمدربين، ومَن يحدد معايير الجودة، ومَن يعتمد البرامج، ومَن يقدم التدريب ويقيس نتائجه، إلى جانب المراكز والمدربين والمستفيدين ومؤسسات سوق العمل.

ويمكن لهذا التنوع أن يكون مصدر قوة إذا كانت الأدوار واضحة ومتكاملة، أما حين تتداخل حدود التنظيم والتنفيذ والرقابة، فقد تظهر ازدواجية في الإجراءات، أو اختلافات في تفسير المتطلبات، أو صعوبة في تحديد الجهة المسؤولة عن النتيجة، ومن هنا تبرز أهمية الفصل، قدر الإمكان، بين الجهة التي تنظّم النشاط والجهة التي تقدمه أو تنافس فيه.

من الامتثال إلى الشراكة وقياس الأثر

تتطلب الحوكمة الانتقال من النظر إلى المراكز والمدربين باعتبارهم أطرافاً مطالبة بالامتثال فقط، إلى إشراكهم بوصفهم شركاء مهنيين في تطوير القطاع، ولا تعني المشاركة أن تصبح القرارات محل تفاوض، بل أن توجد قنوات مؤسسية للاستماع والتشاور وقياس أثر القرارات قبل تطبيقها وبعده.

كما أن الثقة لا تُبنى بالتراخيص والشهادات وحدها، بل بوضوح المعايير، وعدالة تطبيقها، وإمكانية مراجعة القرارات، ولا تكتمل الحوكمة من دون بيانات ومؤشرات تقيس جودة المخرجات وانتقال أثر التدريب إلى بيئة العمل.

هل يحتاج قطاع التدريب الخاص إلى مرجعية مؤسسية متخصصة؟ وعندما تتوزع وظائف السياسة والترخيص والجودة والاعتماد والمتابعة بين جهات متعددة، يصبح التنسيق ضرورة، لكنه قد لا يكون كافياً لبناء رؤية وطنية موحدة، ومن المشروع أن نسأل، هل يحتاج هذا القطاع إلى مرجعية مؤسسية متخصصة تقود سياساته، وتنسق أدوار الجهات، وتضع معاييره، وتقيس أثره، وتربطه بسوق العمل؟

لا ينبغي أن تنطلق الإجابة من الرغبة في إضافة هيكل إداري جديد، بل من دراسة الوظائف والفجوات وتداخل الاختصاصات، فقد يكون التطوير بإعادة توزيع الأدوار، أو بناء إطار تنسيقي أكثر فاعلية، أو إيجاد مرجعية متخصصة، فالشكل المؤسسي ليس غاية، بل وسيلة لبناء قطاع أكثر جودة وعدالة وارتباطاً بأولويات الدولة.

إشارات من التجارب الخليجية

وتكشف تجارب البحرين والسعودية والكويت وعُمان والإمارات تنوعاً في حوكمة التدريب في القطاع الخاص؛ بين الفصل النسبي بين الترخيص وضمان الجودة، ونقل الإشراف إلى جهة أكثر تخصصاً، وربط التدريب بسوق العمل، واعتماد تنظيم محلي أكثر مرونة، ولا تعني الاستفادة منها استنساخ نموذج بعينه، بل استخلاص مبادئ مشتركة، أهمها وضوح جهة القيادة، وتكامل الأدوار، وعدالة التنظيم، وقياس الأثر.

مناقشة المستقبل بدل محاكمة الماضي

ولا ينبغي أن يتحول طرح حوكمة التدريب في القطاع الخاص إلى محاكمة لتجارب سابقة أو اتهام لأي طرف؛ فجميع الأنظمة تتطور، والأهم أن نتجه إلى المستقبل بأسئلة عملية حول النموذج الأنسب، والتكامل بين الجهات، والتوازن بين الجودة وسهولة ممارسة النشاط، وقياس الأثر الحقيقي.

ومن هذا المنطلق، يأتي المختبر التشاوري الخليجي لقطاع التدريب والاقتصاد المعرفي مساحة للحوار المهني وتبادل الخبرات واختبار الحلول القابلة للتطبيق، وصولاً إلى حلول تتناسب مع الأولويات الوطنية واحتياجات القطاع.

إن تطوير التدريب في القطاع الخاص لا يبدأ بإضافة المزيد من اللوائح، بل ببناء منظومة تتكامل فيها الأدوار، وتُتخذ فيها القرارات وفق معايير معلنة، ويشارك أصحاب العلاقة في تطويرها، ويُقاس نجاحها بأثرها الحقيقي.

ويبقى السؤال، هل نريد إدارة التدريب الخاص، أم بناء منظومة وطنية تقود أثره ومستقبله؟

مساحة إعلانية