رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطيب الأنبياء، النبي العربي الكريم، شعيب – عليه السلام – استغرب فساد قومه فقال لهم (إني أراكم بخير) تعقيباً على ما كان سائداً بينهم من أمراض اقتصادية بلغت من العمق والقبح والسوء، أن يرسل الله رسولاً إليهم لهذا الأمر، ينير لهم ما أظلم وأشكل عليهم. لكن حدث ما حدث، إذ لم يختلف قوم مدين أو أصحاب الأيكة عن الأقوام البائدة من عرب الجزيرة، قوم عاد وثمود، فدخلوا معهم قائمة البائدين.
ما أتى رسول إلى قومه إلا ليعالج مرضاً فكرياً أو اقتصادياً أو اجتماعياً أو غيرها من أمراض. كانت مهمة الرسول تتركز في معالجة المرض، باعتبار أن عواقب انتشاره واستفحاله غير حميدة، لا في دنيا الناس ولا في آخرتهم.. فكانت مهمة النبي الكريم شعيب - عليه السلام - وقد أعطاه الله بلاغة وفصاحة وحجة، أن ينشر وعياً مجتمعياً يُخرج شعب مدين مما هم فيه من رداءة أخلاق تجارية، وسوء إدارة اقتصادية، ويواجه في الوقت ذاته منظومة فاسدة من تجار ورجال أعمال، ومشتغلين في قطاع اقتصادي كبير، ستكون بعد حين من الدهر لا يطول، ثغرة ينفذ منها عذاب من الله غير مسبوق.
منظومة فساد
اشتهرت مدين بين الأمم السابقة بفساد اقتصادي معروف مكشوف ذكره القرآن الكريم، إضافة إلى ما كانت عليه من فساد في الفكر والعقيدة، وكان أساساً في ظهور شبكات ومنظومات اقتصادية فاسدة بعد ذلك، التي لم تكن تدخر جهداً في كسب المال بكل الطرق، لاسيما تلك غير المتوافقة، لا مع شرع إلهي ولا عُرف إنساني ولا قانون تجاري.
غاية تلك المنظومات الفاسدة هي الربح السريع الوفير، والتحكم في حركة المال والتجارة، ولو كان على حساب حقوق الآخرين. الغش التجاري كان واقعاً متغلغلاً في النظام الاقتصادي في مدين. التاجر المدْيَني (نسبة إلى مدين) لم يكن يتردد في بيعك بضاعة أغلى من ثمنها المستحق، ولم يكن يتردد كذلك في أن يشتري منك بضاعة بثمن أقل من ثمنها بكثير. أي أن التاجر المديني كان يكسب في البيع والشراء ! إضافة إلى فسادهم في تعاملات أخرى متعلقة بالقوافل التجارية العابرة لبلدهم، والضرائب الباهظة التي كانت تُفرض عليهم دون وجه حق، بل أحياناً كثيرة كان يتم قطع طرق تلك القوافل ونهبها والاستيلاء عليها بقوة الساعد والسلاح، وهدفهم - كما أسلفنا - جمع مال وفير سريع، وإن تعددت وتنوعت الوسائل !
التعامل مع الفاسدين
منظومة الفساد التي قرر النبي شعيب مواجهتها برموزها وشخوصها، قدم لهم بادئ ذي بدء توضيحات وطلبات عدة، منها:
(أوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين)
(ولا تبخسوا الناس أشياءهم)
(ولا تعثوا في الأرض مفسدين).
نهاهم عن الغش في البيع والشراء، أو الكيل المحرم وهو التطفيف في الميزان. ودعاهم إلى ترك تلك العادة كما يقول الرازي في تفسيره:» (ولا تنقصُوا المكيال والميزان) والنقصُ فيه كان على وجهين: أحدهما أن يكون الإيفاءُ من قبلهم، فينقصُون من قَدْرِه. والآخر أن يكون لهم الاستيفاءُ فيأْخذون أزْيد من الواجب، وذلك يوجبُ نقصان حَق الغيرِ، وفي القسمين حصل النقصان في حق الغيرِ».
ثم نهاهم عن بخس الناس أشياءهم، وهذا يشمل أي حق أو ملكية للآخرين يتم التصرف فيها دون إذن مالكها أو الاستيلاء عليها دون وجه حق. ثم طالبهم أخيراً ألا يفسدوا في البلاد عبر تشجيع الناس على الفساد، أو ترهيب من لا يستجيب لهم، وأن يتركوا عادة قطع الطرق ونهب القوافل وترويعها.
لكن الإشكالية الكبيرة أن الفساد تغلغل في البلاد، حتى صارت منظومة متكاملة لها وسائلها وأدواتها وآلياتها ورموزها، بل بنفوذها صارت تؤثر على توجهات وقرارات الحكومة حينذاك. وبلغت المنظومة حداً لم يجرؤ أحد أن يقف في وجهها، أو التصادم معها، حتى جاء خطيب الأنبياء ويقوم بالمهمة الصعبة، حيث كان ظهوره مفاجأة للمنظومة. ووجه المفاجأة بدا في تلكم الجرأة التي كان عليها شعيب وبضع أشخاص على دينه وفكره. يكشفون أعمال وسوءات تلك المنظومة الأخطبوطية واسعة النفوذ والانتشار والتأثير، والمتغلغلة في عروق المجتمع وشرايينه!
الفساد وهو ينتفض
رغم علمهم بوجاهة شعيب، واحترامهم لعشيرته التي لم تكن على دينه، لم يمنعهم ذلك من البدء في تهديد متدرج له ومن معه، وضرورة التوقف عن دعوته وألا يقف في وجههم، أو إن صح التعبير، ليس من الحكمة أن يقف شعيب في وجه منظومة - الفساد – في البلاد، لأنها أقوى منه بكثير، أو هكذا تعتقد أي منظومة فاسدة في كل زمان ومكان. فلا هي تريد التوقف عن إفسادها في الأرض، ولا تريد في الوقت نفسه أحداً يتحدث عنها بسوء، أو يحاول إشغالها والتصدي لها !
شعيب - عليه السلام - استغرب من انغماس كثيرين في هذا الفساد الاقتصادي الذي لم يكن له ما يبرره، فكان يقول لهم (إني أراكم بخير) إذ أن وضع البلاد الاقتصادي مريح، وقد فتح الله عليكم من بركاته ورزقه، فلماذا هذا الفساد أو التطفيف والغش في تعاملاتكم وأكل أموال الناس بالباطل؟ ولماذا أصلاً تظهر منظومات فاسدة عندكم رغم أن الأوضاع لا تستدعي اللجوء لأساليب وطرق الغش والاحتيال والنصب وبقية مصطلحات الفساد؟ هكذا كان لسان حال النبي الكريم وهو في مواجهاته المتنوعة معهم.
إنه لولا خشيتي - أو هكذا قال شعيب - أن يُنزّل الله عذابه عليكم ويسلبكم ما أنتم عليه من الاستقرار وسعة الرزق وبحبوحة العيش، ما دعوتكم ونهيتكم عن هذا الذي أنتم عليه. لكن هل لانت قلوبهم وخشعت؟ بالطبع لا، بل ازدادت المنظومة فساداً وقسوة وتأثيراً على البلاد كلها، حتى لم تبق حجة تمنع نزول العذاب، فكان يوم الظلة، حيث احتباس الهواء وارتفاع الحراة، ثم غيمة عظيمة تأتي فيسرع إليها الفاسدون قبل غيرهم، فلعل ظلها يخفف عنهم بعض ما هم فيه وعليه، لتمطر ناراً أحرقتهم وأبادتهم جميعاً (كأن لم يغْـنوا فيها).
فكم منظومة فاسدة في بلدان المسلمين قبل غيرها، تعتبر وتدّكر من هذه الأحداث والقصص؟
للأسف، لا أحد يعتبر ويتعظ !
بين الضحكة والسكوت
في بيئات العمل، لا تبدأ الإشكالات الكبيرة بقرارات معلنة، بل بتفاصيل صغيرة تتكرر حتى تتحول إلى واقع، مواقف... اقرأ المزيد
378
| 29 أبريل 2026
لحظة غضب.. ودفاتر لا تغلق!
•الإنسان ليس جسدا يمضي في الحياة فحسب، بل هو حصيلة مشاعر وتجارب وذكريات، تتراكم في أعماقه عبر السنين،... اقرأ المزيد
114
| 29 أبريل 2026
الوطن بين الكذبة والحقيقة
"ماذا أنت أيها الوطن، وماذا فيك من سر يهيج كوامن الشجن، وهل أنت إلا أرض وماء؟ حقا أنت... اقرأ المزيد
129
| 29 أبريل 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
د. عـبــدالله العـمـادي
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
حين نتحدث عن جيل يفتقر إلى الوعي والمسؤولية، سرعان ما يتجه الاتهام نحو الأسرة، وهذا في محله، وقد تناولنا هذا الجانب في العدد السابق هنا. لكن الأسرة لا تعيش في فراغ. هي جزء من منظومة أكبر تُشكّل الفرد وتصنع قناعاته وتحدد له ما يراه “طبيعيًا”. وهذه المنظومة اسمها المجتمع بكل مكوناته: الإعلام، والمحيط، والمؤسسات، والثقافة السائدة، وحتى الشارع الذي يمشي فيه الشاب كل يوم. لذلك لا يكفي أن نحاسب الآباء وحدهم، بينما نتجاهل البيئة التي شاركت في صناعة النتيجة. الشاب الذي لا يعرف ماهي الرؤية الوطنية لبلاده، ولا تاريخ بلاده، ولا حتى أبسط ما يتعلق بهويته… لايعرف حتى حدود الدول هذه من وضعها ولماذا وكيف … هذا الشاب لم يأتِ من فراغ. هذا الشاب صُنع ونشأ في بيئة تُكافئ السطحية وتمنحها الانتشار وتدفع بها إلى الواجهة، بينما تُقصي كل ما يتطلب جهدًا أو فكرًا. نشأ في مجتمع جعل الشهرة السريعة معيارًا والظهور غاية، والقراءة عبئًا والتفكير النقدي ترفًا لا ضرورة له. هذه ليست مصادفة هذه اختيارات مجتمع. لم يعد الإعلام اليوم مجرد ناقل للمعلومة، بل أصبح صانعًا للوعي… أو أداةً لتفريغه. وحين تمتلئ المساحة بمحتوى فارغ، ويُدفع به إلى الناس ليل نهار، فالمشكلة ليست في وجوده فقط، بل في الإقبال عليه. المجتمع لا يستهلك هذا المحتوى فقط، بل يرفعه، يشاركه، ويمنحه قيمته. وما يتصدر المشهد ليس الأفضل، بل الأكثر قبولًا. وهذه مسؤولية لا يمكن التهرب منها. وما يتعلمه الشاب في بيته، قد يُبنى أو يُهدم خارجه. فالمحيط الاجتماعي ليس عنصرًا هامشيًا، بل شريك أساسي في التشكيل. الأصدقاء، الأحياء، المجالس، كلها تصنع معايير غير مكتوبة. وحين يرى الشاب أن المجتمع يقدّر المظاهر أكثر من المضامين، ويرفع من لا قيمة له، ويسخر ممن يسعى للمعرفة، فإنه لا يحتاج إلى توجيه مباشر. الرسالة وصلته. وهو سيتكيّف معها. المجتمع الذي يشتكي من سطحية أبنائه، بينما يحتفي يوميًا بصناعة هذه السطحية، هو مجتمع يناقض نفسه. والذي يسخر من الجادين، ثم يتساءل عن غيابهم، هو من دفعهم إلى الانسحاب هو أبعدهم عن دائرة التأثير بعدما كانوا نماذج يحتذى بها. هنا لا نتحدث عن خلل عابر، بل عن ثقافة تتشكل وتُعاد إنتاجها كل يوم. ومن أخطر صور هذا الخلل: صمت القادرين على التأثير. المثقفون الذين اختاروا الابتعاد، والأكاديميون الذين حصروا أنفسهم داخل مؤسساتهم، والناجحون الذين قرروا ألا يكون لهم حضور عام. حين تنسحب هذه الأصوات، فهي لا تكتفي بالغياب، بل تترك فراغًا يُملأ بما لا يستحق. الصمت هنا ليس حيادًا… بل مشاركة غير مباشرة في النتيجة. الإصلاح لا يبدأ فقط من داخل الأسرة، بل من مواجهة المجتمع لنفسه. ماذا يُكافئ؟ ماذا يُروّج؟ ماذا يتسامح معه؟ وماذا يقصي؟ هذه الأسئلة ليست ترفًا فكريًا، بل أساس أي تغيير حقيقي. لأن الجيل الجديد ليس مشكلة مستقلة، بل نتيجة منطقية لبيئة صُنعت أمامه. المجتمع لا يشتكي من هذا الجيل… بل هو من صنعه. “لا تُحاسب الأبناء على ما تركته أنت فارغًا لغيرك أن يملأه.”
3663
| 29 أبريل 2026
من خلال متابعتنا للمستجدات الصادرة في الثامن من أبريل ٢٠٢٦، حول تحديث قواعد الضريبة الانتقائية بموجب القانون رقم ٢ لسنة ٢٠٢٦، بداية فإن موضوع الضريبة الانتقائية بشكل خاص لا يتعلق بمفهوم الزيادة في الأسعار ولا السعر الجبري الذي تفرضه الدولة بالمعنى الشائع؛ بل هو آلية تنظيمية تلقائية للأسعار تعني ببعض السلع الانتقائية والذي يحفز الفرد على الاستغناء عنها أو تقليلها تدريجياً وهي خطوة ذكية لتعزيز المناعة المجتمعية. هذا التعديل الذي أصدره سمو الأمير يأتي في وقت تضغط فيه الأزمات العالمية على موازنات الدول، مما يجعل صحة الناس والبيئة المحيطة بمثابة الحصن الحقيقي، خصوصاً في زمن الحروب والظروف الجيوسياسية المتقلبة. فالدولة التي يمتلك أفرادها صحة جيدة، وميزانية لا تهدر في فواتير علاج الأمراض المزمنة، هي الأقدر على الصمود في وجه أي تحديات عالمية. وحسب ما هو مفهوم من هذه الأداة الاقتصادية والتحديث المقصود، نجد أن الضريبة الانتقائية هي ضريبة تُفرض على سلع محددة تضر الصحة أو البيئة عموماً. والهدف ليس تحصيل العوائد فحسب، بل تشجيع الناس على تغيير عاداتهم واستبدال المشروبات المليئة بالمحليات المضافة، سواء كانت سكراً طبيعياً أو بدائل صناعية، ببدائل طبيعية ومفيدة أكثر. كما أن هذا التوجه يتماشى مع سياسات دول مجلس التعاون الخليجي، التي بدأت تتحرك ككتلة واحدة لحماية أسواقها، والضغط على الشركات العالمية لتقديم منتجات أكثر جودة وصحة لمنطقتنا. إن جوهر هذا القانون والذي سيبدأ تطبيقه في يوليو ٢٠٢٦، لا يهدف لتقييد خيارات الناس، بل لإعادة هيكلة هذه الخيارات داخل المنظومة الاقتصادية. فالسوق لا يزال مفتوحاً للجميع وعادات الاستهلاك غير مقيدة لكن القواعد تغيرت؛ حيث صار المشروب المحلى يتحمل تكلفته الصحية مسبقاً عبر الضريبة الانتقائية. والجديد هنا هو الاعتماد على النموذج الحجمي، أي أن الضريبة تُحسب بناءً على كمية السكر أو المحليات في كل ١٠٠ ملل من محتوى المنتج. وللتوضيح، المشروب الذي تشتريه الآن بـ ٤ ريالات قد يصل سعره إلى ٥ أو ٥.٥٠ ريال إذا كان محتفظاً بنسبة سكر مرتفعة، بينما ستحافظ المشروبات قليلة التحلية على أسعارها الحالية أو قد تفرض عليها النسبة الدنيا من الضريبة، نظراً لانخفاض كثافة المحليات مقارنةً بنظيراتها المشبعة بالسكر، مما يدفع الشركات لتغيير مكوناتها لتبقى منافسة في السعر. هذا التغيير يفتح باباً للمنافسة العادلة، فالنموذج الحجمي يلغي الأفضلية السعرية التي كانت تُنسب عادةً للمشروبات الرخيصة المليئة بالسكر على حساب البدائل الصحية المبتكرة. اليوم المنافسة صارت على الجودة والابتكار، وهذا يحفز مصانعنا الوطنية لتقديم منتجات صحية منافسة محلياً وعالمياً. أما عن المردود المادي فالدولة في هذا السياق تنهض مرتين؛ الأولى عبر تنويع الدخل لدعم الخدمات العامة والبنية التحتية، والثانية عبر توفير المليارات التي كانت تُصرف على علاج السكري والسمنة والأمراض الأخرى المرتبطة باستهلاك السكاكر بشكل مفرط. ولضمان الشفافية خصص القانون نسبة ١٪ من هذه الضريبة لميزانية وزارة الصحة لتمويل برامج التوعية المختلفة، بينما تذهب بقية العوائد لدعم المشاريع الوطنية، مما يجعل المنتج الضار وسيلة لتمويل البناء والنهوض بالمجتمع. وباعتبار هذه الرؤية هي الركيزة لتعزيز الأمن القومي الغذائي والصحي؛ أضحت الوقاية التي ندركها من روح وجوهر هذا القانون خط الدفاع الأول ضد الأزمات، والمجتمع القوي صحياً هو المحرك الحقيقي لاقتصاد صامد في ظل أي ظرف، يحمي سيادة الوطن وصحة مكوناته الوطنية وأجياله القادمة.
1083
| 24 أبريل 2026
ليس الحديث عن اليمن ترفًا سياسيًا، بل هو حديث عن عمق إستراتيجي لا يمكن تجاهله في معادلة مجلس التعاون. فاليمن بحكم موقعه وتاريخه ليس جارًا عابرًا، بل امتداد طبيعي للجزيرة العربية، وحاضنة بشرية يمكن أن تشكّل رافدًا مهمًا لدول الخليج. وقد أشار إلى هذه الحقيقة عدد من كتّاب الخليج، ولعل من أبرز ما قيل في ذلك ما عبَّر عنه الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، حفظه الله، حين قال إن اليمن قدره أن يكون في هذه البقعة من الجزيرة العربية، ولا يمكن إغفال هذا الواقع. وفي خضم التحديات والنزاعات التي تواجه دول الخليج، يصبح من الضروري إعادة النظر في بعض التصورات التي تختزل اليمن في كونه عبئًا اقتصاديًا أو مصدر إنفاق. هذه النظرة قصيرة المدى، تتجاهل المكاسب الإستراتيجية بعيدة الأثر. ولنا في تجربة إعادة توحيد ألمانيا مثال واضح؛ إذ لم تتردد ألمانيا الغربية في ضم الشرقية بعد سقوط جدار برلين، رغم الكلفة الاقتصادية الكبيرة، لأنها نظرت إلى المآلات الإستراتيجية لا إلى الخسائر الآنية. إن اليمن اليوم يمثل: خزانًا بشريًا يمكن أن يرفد دول الخليج بالعمالة العربية الماهرة فرصة لبناء منظومة تعليمية متخصصة تُخرّج كوادر تخدم المنطقة امتدادًا صناعيًا محتملًا، خصوصًا في مجالات قد يصعب توطينها داخل الخليج كالصناعات الحربية. كما أن الاستثمار في اليمن يساهم في إعادة التوازن الديموغرافي، وتقليل الاعتماد المفرط على العمالة غير العربية، بما يحفظ الهوية الثقافية والاجتماعية لدول الخليج. الخلاصة أن اليمن ليس عبئًا، بل فرصة مؤجلة… وفرصة كهذه، إن لم تُدرك في وقتها، قد تتحول إلى تحدٍّ يصعب تداركه.
744
| 27 أبريل 2026