رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

محمد يوسف صالح حسان

[email protected]

مساحة إعلانية

مقالات

105

محمد يوسف صالح حسان

نزرع قصة... نحصد وطناً يقرأ

14 مايو 2026 , 11:03م

هل يمكن لأمة أن تبني مستقبلها من دون أن تبني عقل طفلها؟ وهل هناك استثمار أعظم من غرس حب القراءة في نفوس الأجيال منذ الصغر؟

لا تُبنى المجتمعات المعرفية إلا بتمكين العقول، وهو ما تجسّد في الرؤية القطرية التي جعلت من القراءة استحقاقاً وطنياً لا يحيد عنه المسار. فمن خلال غرس الشغف بالمعرفة، تمضي الدولة نحو مستقبل يرتكز على الفكر المبدع، باعتباره الثروة الأسمى للنهضة والاستقرار. ومن وحي هذا الإيمان، صغتُ شعاراً لهذه المناسبة نابعاً من يقيني بأهمية الجيل القادم: «طفل يقرأ.. وقطر تكبر بالمعرفة». وهو ليس مجرد شعار للمناسبات، بل ركنٌ ركين في بنيان رؤية قطر الوطنية، وفلسفة عمل تعكس الإيمان العميق بأن الكتاب هو المشكاة التي تضيء دروب الغد.

وانطلاقاً من القيمة المركزية التي أولاها الإسلام للعلم، واعتباره السبيل الأرقى لنهضة الفرد والمجتمع، واسترشاداً بالمنهج النبوي الشريف فيما رواه أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ سَلَكَ طَرِيقاً يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْماً، سَهَّلَ اللهُ لَهُ بِهِ طَرِيقاً إِلَى الْجَنَّةِ» رواه مسلم، فإن أولى خطوات هذا الطريق تبدأ من السطر الأول الذي يقرؤه الطفل. نحن اليوم حين نزرع قصة في خيال طفل، إنما نحصد غداً وطناً يقرأ ويفكر ويبتكر، سائرين على نهج من رأى في القراءة حياة أخرى، وفي العزيمة مهارة لا تُهزم، وكما قيل:

وَلَيسَ الصَّديقُ الَّذي تَسلو بِصُحبَتِهِ... بَلِ الصَّديقُ الَّذي تَبني بِهِ الأَدَبا

تستثمر دولة قطر بصورة دؤوبة في تهيئة بيئة محفزة للتعلم، بدءاً من معرض الدوحة الدولي للكتاب الذي انطلقت فعالياته يوم أمس الخميس الموافق 14/05/2026م، والذي تحول إلى تظاهرة ثقافية عالمية، وصولاً إلى صروح المعرفة الكبرى كمكتبة قطر الوطنية، التي تقف شاهداً عصرياً على قيمة الكلمة. تهدف هذه الجهود في جوهرها إلى صناعة جيل يتنفس المعرفة، جيل لا يكتفي بما يتلقاه في القاعات الدراسية، بل يتقصى ويحلل ويقارن.

إن الطفل القارئ يمتلك القدرة على فهم التحولات العالمية، ويكون أكثر مرونة في مواجهة التحديات، وأقدر على المساهمة في تحقيق رؤية قطر الوطنية 2030، التي تضع التنمية البشرية في مقدمة أولوياتها. فالمعرفة التي يكتسبها الطفل اليوم هي النواة الحقيقية لغدٍ مستدام، والدرع الثقافي الذي يحمي الهوية الوطنية في ظل الانفتاح المعولم.

علاوة على ذلك، فإن علاقة الطفل بالكتاب في قطر تعكس تلاحماً حياً بين الأصالة والحداثة، فهو يقرأ ليتصل بجذوره العربية والإسلامية، ويقرأ لينفتح على علوم العصر وتقنياته. وهذا التراكم المعرفي هو ما يجعل قطر تكبر يوماً بعد يوم، ليس فقط في عمرانها ومكانتها السياسية والاقتصادية، بل في ثقلها الثقافي وأثرها الإنساني.

فالقراءة تبني في الطفل قيم التسامح والحوار وقبول الآخر، وهي القيم التي تميز المجتمع القطري وتجعله نموذجاً للتعايش والرقي. وفي نهاية المطاف، يظل الكتاب هو الصديق الوفي الذي يصوغ وجدان الأجيال، فكل سطر يقرؤه طفل اليوم هو خطوة تخطوها قطر نحو المجد، وكل فكرة تتشكل في ذهنه هي لبنة في جدار الصرح المعرفي الشامخ الذي تشيده الدولة، لتثبت للعالم أن القوة الحقيقية تكمن في العقول المستنيرة والقلوب الشغوفة بالعلم والاطلاع.

هكذا تمضي دولة قطر في استثمارها الأغلى، وهو "الإنسان"، مؤمنة بأن بناء الجسور بين الثقافات يبدأ من صفحات كتاب، وأن حماية المكتسبات الوطنية لا تكون إلا بسلاح الفكر والوعي.

ومن هنا أتوجه بالدعوة لكل أب وأم: اجعلوا من القراءة طقساً عائلياً يومياً، ولا تكتفوا بتوفير الكتب، بل كونوا أنتم القدوة والمنارة. علّموا أبناءكم أن في كل صفحة حياة جديدة، وفي كل كتاب نافذة تطل على العالم. فبأيديكم اليوم تُشكلون وعي قادة الغد، فامنحوهم خير جليس، وازرعوا في قلوبهم حب الحرف، لتجنوا ثماراً من الفكر والنضج تتباهى بها قطر جيلاً بعد جيل.

مساحة إعلانية