رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

جاسم الشمري

مساحة إعلانية

مقالات

321

جاسم الشمري

صراع الإنسان مع قدراته العقلية!

14 مايو 2026 , 11:11م

خَلَق الله تعالى الإنسان على هيئته المعلومة، وهو مُرَكَّب من جسد، وروح، وعقل.

والجسد مُرَكّب من الأعضاء البشرية المعروفة، ومنها القلب والكبد والأنف والفم والعينان وبقية الأعضاء.

أما الروح فقال ابن عاشور (التحرير والتنوير، ١٥/١٩٦): "تُطلق على الموجود الخفي المنتشر في سائر الجسد الإنساني، وَدَلَّت عليه آثاره من الإدراك والتفكير".

وأما تعريف العقل فيختلف وفقًا للشرائع السماوية والمدارس الفكرية الفلسفية والعلمية، ويقول الأصفهاني في المفردات (ص:577): العقل: "القوة المُتَهيئة لقبول العلم".

وأما الذكاء البشري والقدرات العقلية فهي متفاوتة ومتنوعة، ونحن لا نريد الحديث عن العباقرة النادرين، أو الموهوبين للغاية، أو الموهوبين، ولكننا نتحدث عن عموم الناس الذين يملكون الذكاء الطبيعي، أو المتوسط.

والإنسان، أي إنسان، وبالذات الذين يمتلكون تطلعات إنسانية متقدمة، وآمالا فكرية واسعة يحلمون بتقديم المزيد والمزيد خلال رحلتهم العمرية في هذا الكوكب، ولأجل ذلك قد يضغطون على قدراتهم العقلية.

والقدرات العقلية قد تكون موروثة وقدرية سواء أكانت متميزة أم عادية، وقد تكون مكتسبة بالبحث والدراسة والمثابرة.

والإنسان العاقل رزقه الله عقلًا بدرجة ما سواء أكان من العباقرة، أو العلماء، أو المفكرين، أو من عوام الناس والبسطاء وغيرها من المستويات التي نُلاحظها في حياتنا وذلك ليسلك الإنسان طريق الإيمان وزراعة الأمل والخير بالكون.

وغالبية أسباب سعادة الإنسان وتعاسته هي عقلية وفكرية وروحية، ومن هنا تأتي أهمية التحكم العقلي في حياة الناس.

وقضية القدرات العقلية شائكة بعض الشيء، فهي من جانب مرتبطة بالعقل، ومن جانب مرتبطة بالعمل والجهد، وربما، طول العمر، وقد تكون مرتبطة بالحظوظ المُقدّرة بين الناس.

والقدرات العقلية تلعب دورًا كبيرًا في أكثرية قرارات الأفراد وبالذات تلك المتعلقة بالحياة الاجتماعية بتشعباتها المتنوعة، وكذلك التوجهات الوظيفية والفكرية وتشكيل الآراء المختلفة حول ما يدور في الحياة من قضايا فكرية وإنسانية مُركّبة.

وهنالك الكثير من العوامل التي تتدخل في تشكيل قدرات الإنسان العقلية والفكرية، وأهمها الأسرة وتأثيرات الوالدين والأقارب، وكذلك نوع التعليم الذي يتلقاه الفرد في المراحل الأولية، والبيئة والمجتمع والظروف العامة، وهذه العوامل تُعَدّ، عدا الحالات الوراثية، الأرضية المتينة لتشكيل القدرات العقلية والفكرية للأفراد، ولا ننسى هنا دور الفرص التي قد تُمنح لبعض الناس ويستغلونها بشكل كبير مع وجود قدرات عقلية جيدة، أو مقبولة.

وبداية أيار/ مايو 2026 حصل الطالب العبقري المصري "مصطفى مبارك" (20 عامًا) على 3 شهادات بكالوريوس مجتمعة بالهندسة الكهربائية، وعلوم الحاسب خلال 4 سنوات من جامعة كنتاكي الأمريكية، رغم معاناته في الحصول على الفيزا الأمريكية، وقد اختارته الجامعة ليتحدث باسم الخريجين!

وهذه من الهبات الوراثية الممزوجة بجهود شخصية، ولهذا صار "مبارك" حديث العالم على مواقع التواصل.

والحديث عن القدرات العقلية لا يَنطبق على أكثرية "المؤثرين بمواقع التواصل" حيث صارت كلمة "المُؤثر" تُطلق على مَنْ لديه أعداد كبيرة من المتابعين رغم أن غالبية كتاباتهم سقيمة، وليس فيها فكرة جوهرية تتعلق بقضايا الناس، وأكثرية منشوراتهم هشّة وبائسة ولكنها رائجة وتنتشر بسرعة عجيبة، ويبدو أن المشكلة ليست بالمُؤثرين فقط بل في أكثرية جمهورهم، وهذه من إفرازات "ثقافة التفاهة" المتسارعة.

عمومًا يفترض بالإنسان الرضا بما قُسِم له من قُدرات عقلية وفكرية وألا يجعل منها بابًا للقلق والتوتر والألم لأن القبول بالواقع مع العمل والصبر والمثابرة من أسباب الراحة الفكرية والنفسية والعقلية للفرد.

ولا ننسى مسألة "التطبيل الجماعي" لشخصية ما، بعيدًا عن قدراتها العقلية، لتلميعها نكاية بطرف آخر من المعادلات الإنسانية، وبالذات السياسية والفكرية وغيرها.

ويساهم التطبيل بشكل ملموس في رفع تأثير الشخصية المَدْعُومة، وفي تقليل تأثير الشخصية المُسْتَهْدَفة.

وَصَدَق الراحل عبد الوهاب المسيري بقوله: "العالم في تَصوّري ليس ساحة قتال، والإنسان ليس ذئبًا لأخيه الإنسان".

لنعمل بحسب قُدراتنا العقلية على نشر الخير والسلام والمحبة والتعايش، وألا نسعى لنشر الشرّ والفوضى والكراهية والتنافر بين الناس لأنها ليست من الصفات الإنسانية الكريمة.

مساحة إعلانية