رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

فاطمة العتوم

كاتبة قطرية - مستشار الصحة البيئية / تميز مؤسسي
[email protected]
@faalotoum

مساحة إعلانية

مقالات

606

فاطمة العتوم

حين يبكي الوطن... في وداع الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني

13 يوليو 2026 , 02:00ص

لم يكن خبر وفاة صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني مجرد خبر تتناقله وكالات الأنباء، بل كان لحظة توقفت عندها دولة بأكملها، وامتلأت فيها منصات التواصل الاجتماعي في قطر بكلمات الدعاء والوفاء والامتنان، حتى بدت وكأنها سجلٌ شعبي يوثق علاقة قائد بوطنه، أكثر من كونها مجرد رسائل عزاء.

ففي الساعات الأولى من إعلان الديوان الأميري نبأ الوفاة، تصدرت عبارات مثل: “رحم الله والدنا وقائد نهضتنا”، و“لن ننسى ما قدمه لقطر”، و“باني قطر الحديثة” وآلاف المنشورات، ولم تكن هذه العبارات شعارات متكررة، بل كانت انعكاسًا لذاكرة جماعية تشكلت عبر عقود من التحول الوطني الذي عاشه المواطن والمقيم على حد سواء.

لقد قاد الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني مرحلة تُعد من أكثر المراحل تأثيرًا في تاريخ دولة قطر الحديث. ففي عهده انتقلت الدولة من اقتصاد يعتمد بصورة رئيسية على الموارد التقليدية إلى اقتصاد يمتلك رؤية استراتيجية للاستثمار في الإنسان، والتعليم، والبحث العلمي، والبنية التحتية، والطاقة، والعلاقات الدولية. كما شهدت قطر توسعًا اقتصاديًا كبيرًا، وقفزات تنموية جعلتها تحتل مكانة متقدمة على المستويين الإقليمي والدولي.

ولعل من أعظم ما يُحسب لهذه المرحلة أنها لم تكن نهضة عمرانية فحسب، بل كانت مشروعًا لبناء دولة المؤسسات. فقد تعززت مكانة التعليم من خلال إنشاء المدينة التعليمية ومؤسسة قطر، وتطورت منظومة الرعاية الصحية، وتوسعت الجامعات والمراكز البحثية، وأصبحت المعرفة أحد أهم محركات التنمية الوطنية. كما رسخت رؤية تؤمن بأن الاستثمار الحقيقي يبدأ بالإنسان قبل الحجر.

وعلى المستوى الدولي، استطاعت قطر خلال تلك السنوات أن تبني حضورًا سياسيًا ودبلوماسيًا فاعلًا، وأن تلعب أدوارًا في الوساطة وتسوية النزاعات، وأن تصبح شريكًا مؤثرًا في العديد من القضايا الإقليمية والدولية، وهو ما عزز مكانتها بين دول العالم.

وربما كان أكثر ما لفت الانتباه اليوم هو أن كثيرًا من الشباب الذين لم يعاصروا بدايات النهضة كتبوا عن إنجازاته كما لو كانوا شهودًا عليها، لأنهم يعيشون اليوم نتائج تلك الرؤية في جامعاتهم، ومستشفياتهم، وطرقهم، وفرصهم، ومكانة وطنهم بين الأمم. فالإرث الحقيقي للقادة لا يُقاس بعدد سنوات الحكم، بل بقدرة الأجيال اللاحقة على أن ترى آثار قراراتهم في تفاصيل حياتها اليومية.

إن التاريخ لا يخلّد الأشخاص لأنهم تقلدوا المناصب، وإنما لأنه وجد في أعمالهم ما يستحق البقاء. وقد كان الأمير الوالد أحد أولئك القادة الذين ارتبط اسمهم بمرحلة مفصلية في بناء الدولة الحديثة، وهي مرحلة ستظل محل دراسة واستلهام لسنوات طويلة.

نسأل الله أن يتغمد صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني بواسع رحمته، وأن يجزيه خير الجزاء على ما قدم لوطنه وأمته، وأن يحفظ قطر واميرها وقيادتها وشعبها، وأن يديم علينا الأمن والاستقرار والرخاء.

رحم الله الأمير الوالد… وسيبقى أثر الرجال العظام حاضرًا ما بقيت إنجازاتهم شاهدة عليهم.

مساحة إعلانية