رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

فاطمة العتوم

كاتبة قطرية - مستشار الصحة البيئية / تميز مؤسسي
[email protected]
@faalotoum

مساحة إعلانية

مقالات

351

فاطمة العتوم

سلامة مياه الشرب... أكثر من مجرد عبوة

17 أغسطس 2026 , 11:16م

في عالم يشهد تغيرات متسارعة في المناخ والتكنولوجيا والصناعة، لم تعد سلامة مياه الشرب المعبأة قضية تتعلق بجودة المياه أو مادة العبوة وحدها، بل أصبحت جزءاً من منظومة متكاملة تشمل التصنيع، والنقل، والتخزين، والرقابة، والبحث العلمي، وحتى سلوك المستهلك. ولهذا، فإن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم ليس: هل العبوات البلاستيكية آمنة؟ بل: هل منظومتنا قادرة على ضمان استمرار سلامتها في ظل التحديات الجديدة؟

شهدت السنوات الأخيرة اهتماماً علمياً متزايداً بظاهرة تعرف بـ الهجرة الكيميائية، وهي انتقال كميات ضئيلة من بعض المركبات من مواد التعبئة إلى الأغذية أو المشروبات في ظروف معينة، مثل ارتفاع درجات الحرارة أو طول مدة التخزين. ويؤكد العلماء أن وجود هذه الظاهرة لا يعني بالضرورة وجود خطر صحي، فالعبرة ليست بوجود المادة وحده، وإنما بتركيزها، ومدة التعرض لها، والبيانات السمية المتوافرة عنها.

وفي المقابل، فإن الدراسات العلمية لم تعد تقتصر على قياس عناصر معروفة مثل الأنتيمون، بل توسعت لتشمل موضوعات أحدث، مثل المواد غير المضافة قصداً (NIAS)، وهي مركبات قد تتكون أثناء التصنيع أو التخزين أو نتيجة تحلل بعض مكونات العبوة، إضافة إلى الجسيمات البلاستيكية الدقيقة والنانوية (Microplastics and Nanoplastics) التي أصبحت من أكثر الموضوعات بحثاً في الصحة البيئية. ولا يعني ذلك أن هذه المواد تمثل خطراً صحياً مؤكداً عند مستويات التعرض المعتادة، لكنه يعكس اتجاهاً عالمياً نحو فهم أشمل لسلامة مواد ملامسة الأغذية، ومراجعة المعرفة العلمية كلما ظهرت تقنيات تحليل أكثر تطوراً.

وفي منطقتنا الخليجية، يكتسب هذا الموضوع أهمية إضافية. فارتفاع درجات الحرارة خلال أشهر الصيف، والتعرض المحتمل للحرارة أثناء النقل أو التخزين، يفرضان تحديات تختلف عن كثير من البيئات المعتدلة. لذلك، فإن جودة المنتج لا تعتمد على جودة التصنيع وحدها، بل على قدرة سلسلة الإمداد بأكملها على المحافظة على ظروف تخزين ونقل مناسبة حتى تصل العبوة إلى المستهلك.

ويزداد هذا التحدي مع التغيرات المناخية، التي أدت إلى تكرار موجات الحر وارتفاع شدتها في كثير من مناطق العالم. ولم يعد تغير المناخ قضية بيئية منفصلة، بل أصبح عاملاً مؤثراً في سلامة الأغذية ومياه الشرب وسلاسل الإمداد. وهذا يفرض على الجهات الصحية والرقابية مراجعة برامجها بصورة مستمرة، والتأكد من أن إجراءات الرقابة وسيناريوهات الاختبار تواكب الواقع المناخي المتغير، خاصة في البيئات الحارة مثل دول الخليج.

ومن هنا، فإن المستقبل لا يكمن في استبدال العبوات البلاستيكية بمواد أخرى فحسب، لأن لكل مادة مزاياها وتحدياتها، وإنما في تطوير منظومة متكاملة لإدارة المخاطر تعتمد على البحث العلمي، والرقابة المستمرة، والابتكار، وتحسين إدارة سلسلة الإمداد.

ومن منظور التميز المؤسسي، فإن هذه القضية تقدم مثالاً واضحاً على التحول الذي يجب أن تشهده المؤسسات الرقابية. فلم يعد النجاح يقاس بعدد العينات التي تُفحص أو الزيارات التفتيشية التي تُنفذ، بل بقدرة المؤسسة على استشراف المخاطر قبل وقوعها، وتحليل البيانات، وربط نتائج البحوث العلمية بقراراتها التنظيمية، وتحديث إجراءاتها كلما ظهرت معارف جديدة.

كما أن التطور التقني يفتح آفاقاً جديدة في هذا المجال. فاليوم أصبح بالإمكان استخدام أجهزة استشعار رقمية لمراقبة درجات الحرارة والرطوبة أثناء النقل والتخزين، وربطها بأنظمة تحليل بيانات تساعد على اكتشاف أي انحراف قبل أن يؤثر في جودة المنتج. وهذه هي الرقابة الذكية التي تتجه إليها الأنظمة الحديثة، والتي تجعل اتخاذ القرار قائماً على البيانات في الوقت الحقيقي، وليس على اكتشاف المشكلة بعد وقوعها.

وفي المقابل، تبقى مسؤولية المستهلك جزءاً من منظومة السلامة. فالالتزام بحفظ عبوات المياه في أماكن مظللة أو مكيفة، وتجنب تركها داخل السيارات أو تحت أشعة الشمس المباشرة، وعدم إعادة استخدام العبوات أحادية الاستخدام بصورة متكررة، كلها ممارسات بسيطة تسهم في الحفاظ على جودة المنتج وتقليل التعرض غير الضروري للحرارة.

أما الجهات الصحية والرقابية، فإن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من الرقابة التقليدية إلى إدارة المخاطر المبنية على الأدلة، من خلال تعزيز برامج الرصد الوطني، ودعم الدراسات المحلية التي تعكس خصوصية المناخ الخليجي، وتطوير المختبرات المرجعية، وتشجيع التعاون بين الجامعات وهيئات المواصفات والقطاع الصناعي، حتى تصبح البيانات المحلية جزءاً من عملية صنع القرار.

إن حماية صحة المجتمع لا تتحقق بإثارة الخوف من العبوات البلاستيكية، كما لا تتحقق بالاطمئنان المطلق إليها، وإنما ببناء منظومة متكاملة تجمع بين العلم، والحوكمة، والابتكار، والرقابة، والتحسين المستمر.

وفي تقديري، فإن التحدي الحقيقي خلال السنوات القادمة لن يكون في الإجابة عن سؤال: "هل العبوات البلاستيكية آمنة؟"، بل في قدرة مؤسساتنا على مواكبة التغيرات العلمية والمناخية، وتحويل نتائج الأبحاث إلى سياسات وإجراءات استباقية تعزز حماية الصحة العامة. فالمؤسسات المتميزة لا تنتظر ظهور المشكلة، بل تبني أنظمتها على المعرفة، وتستثمر في البحث العلمي، وتتعامل مع التحديات المستقبلية قبل أن تتحول إلى مخاطر. وهنا يكمن جوهر التميز المؤسسي، وجوهر المسؤولية تجاه صحة الإنسان.

اقرأ المزيد

قبل أن يدق الجرس... هناك ما هو أهم قبل أن يدق الجرس... هناك ما هو أهم

اليوم يدق الجرس، فتفتح المدارس أبوابها، وتمتلئ الممرات بخطوات الطلاب، وتعود الفصول إلى مقاعدها، وتبدأ سنة دراسية جديدة.... اقرأ المزيد

252

| 29 أغسطس 2026

من الشراكة إلى الأثر.. مبادرات التوعية بصحة العمال من الشراكة إلى الأثر.. مبادرات التوعية بصحة العمال

تمثل المبادرات الوطنية المعنية بصحة وسلامة العمال إحدى الصور المشرقة لالتزام دولة قطر بحماية الإنسان، وتعزيز بيئات العمل... اقرأ المزيد

414

| 10 أغسطس 2026

من المسؤول عن إصابة الطفل في مركز الألعاب؟ من المسؤول عن إصابة الطفل في مركز الألعاب؟

ما إن يقع حادث لطفل داخل أحد مراكز الألعاب، حتى يتكرر السؤال ذاته: من المسؤول؟ ينصرف التفكير غالبًا... اقرأ المزيد

630

| 03 أغسطس 2026

مساحة إعلانية