رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في عالم يشهد تغيرات متسارعة في المناخ والتكنولوجيا والصناعة، لم تعد سلامة مياه الشرب المعبأة قضية تتعلق بجودة المياه أو مادة العبوة وحدها، بل أصبحت جزءاً من منظومة متكاملة تشمل التصنيع، والنقل، والتخزين، والرقابة، والبحث العلمي، وحتى سلوك المستهلك. ولهذا، فإن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم ليس: هل العبوات البلاستيكية آمنة؟ بل: هل منظومتنا قادرة على ضمان استمرار سلامتها في ظل التحديات الجديدة؟
شهدت السنوات الأخيرة اهتماماً علمياً متزايداً بظاهرة تعرف بـ الهجرة الكيميائية، وهي انتقال كميات ضئيلة من بعض المركبات من مواد التعبئة إلى الأغذية أو المشروبات في ظروف معينة، مثل ارتفاع درجات الحرارة أو طول مدة التخزين. ويؤكد العلماء أن وجود هذه الظاهرة لا يعني بالضرورة وجود خطر صحي، فالعبرة ليست بوجود المادة وحده، وإنما بتركيزها، ومدة التعرض لها، والبيانات السمية المتوافرة عنها.
وفي المقابل، فإن الدراسات العلمية لم تعد تقتصر على قياس عناصر معروفة مثل الأنتيمون، بل توسعت لتشمل موضوعات أحدث، مثل المواد غير المضافة قصداً (NIAS)، وهي مركبات قد تتكون أثناء التصنيع أو التخزين أو نتيجة تحلل بعض مكونات العبوة، إضافة إلى الجسيمات البلاستيكية الدقيقة والنانوية (Microplastics and Nanoplastics) التي أصبحت من أكثر الموضوعات بحثاً في الصحة البيئية. ولا يعني ذلك أن هذه المواد تمثل خطراً صحياً مؤكداً عند مستويات التعرض المعتادة، لكنه يعكس اتجاهاً عالمياً نحو فهم أشمل لسلامة مواد ملامسة الأغذية، ومراجعة المعرفة العلمية كلما ظهرت تقنيات تحليل أكثر تطوراً.
وفي منطقتنا الخليجية، يكتسب هذا الموضوع أهمية إضافية. فارتفاع درجات الحرارة خلال أشهر الصيف، والتعرض المحتمل للحرارة أثناء النقل أو التخزين، يفرضان تحديات تختلف عن كثير من البيئات المعتدلة. لذلك، فإن جودة المنتج لا تعتمد على جودة التصنيع وحدها، بل على قدرة سلسلة الإمداد بأكملها على المحافظة على ظروف تخزين ونقل مناسبة حتى تصل العبوة إلى المستهلك.
ويزداد هذا التحدي مع التغيرات المناخية، التي أدت إلى تكرار موجات الحر وارتفاع شدتها في كثير من مناطق العالم. ولم يعد تغير المناخ قضية بيئية منفصلة، بل أصبح عاملاً مؤثراً في سلامة الأغذية ومياه الشرب وسلاسل الإمداد. وهذا يفرض على الجهات الصحية والرقابية مراجعة برامجها بصورة مستمرة، والتأكد من أن إجراءات الرقابة وسيناريوهات الاختبار تواكب الواقع المناخي المتغير، خاصة في البيئات الحارة مثل دول الخليج.
ومن هنا، فإن المستقبل لا يكمن في استبدال العبوات البلاستيكية بمواد أخرى فحسب، لأن لكل مادة مزاياها وتحدياتها، وإنما في تطوير منظومة متكاملة لإدارة المخاطر تعتمد على البحث العلمي، والرقابة المستمرة، والابتكار، وتحسين إدارة سلسلة الإمداد.
ومن منظور التميز المؤسسي، فإن هذه القضية تقدم مثالاً واضحاً على التحول الذي يجب أن تشهده المؤسسات الرقابية. فلم يعد النجاح يقاس بعدد العينات التي تُفحص أو الزيارات التفتيشية التي تُنفذ، بل بقدرة المؤسسة على استشراف المخاطر قبل وقوعها، وتحليل البيانات، وربط نتائج البحوث العلمية بقراراتها التنظيمية، وتحديث إجراءاتها كلما ظهرت معارف جديدة.
كما أن التطور التقني يفتح آفاقاً جديدة في هذا المجال. فاليوم أصبح بالإمكان استخدام أجهزة استشعار رقمية لمراقبة درجات الحرارة والرطوبة أثناء النقل والتخزين، وربطها بأنظمة تحليل بيانات تساعد على اكتشاف أي انحراف قبل أن يؤثر في جودة المنتج. وهذه هي الرقابة الذكية التي تتجه إليها الأنظمة الحديثة، والتي تجعل اتخاذ القرار قائماً على البيانات في الوقت الحقيقي، وليس على اكتشاف المشكلة بعد وقوعها.
وفي المقابل، تبقى مسؤولية المستهلك جزءاً من منظومة السلامة. فالالتزام بحفظ عبوات المياه في أماكن مظللة أو مكيفة، وتجنب تركها داخل السيارات أو تحت أشعة الشمس المباشرة، وعدم إعادة استخدام العبوات أحادية الاستخدام بصورة متكررة، كلها ممارسات بسيطة تسهم في الحفاظ على جودة المنتج وتقليل التعرض غير الضروري للحرارة.
أما الجهات الصحية والرقابية، فإن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من الرقابة التقليدية إلى إدارة المخاطر المبنية على الأدلة، من خلال تعزيز برامج الرصد الوطني، ودعم الدراسات المحلية التي تعكس خصوصية المناخ الخليجي، وتطوير المختبرات المرجعية، وتشجيع التعاون بين الجامعات وهيئات المواصفات والقطاع الصناعي، حتى تصبح البيانات المحلية جزءاً من عملية صنع القرار.
إن حماية صحة المجتمع لا تتحقق بإثارة الخوف من العبوات البلاستيكية، كما لا تتحقق بالاطمئنان المطلق إليها، وإنما ببناء منظومة متكاملة تجمع بين العلم، والحوكمة، والابتكار، والرقابة، والتحسين المستمر.
وفي تقديري، فإن التحدي الحقيقي خلال السنوات القادمة لن يكون في الإجابة عن سؤال: "هل العبوات البلاستيكية آمنة؟"، بل في قدرة مؤسساتنا على مواكبة التغيرات العلمية والمناخية، وتحويل نتائج الأبحاث إلى سياسات وإجراءات استباقية تعزز حماية الصحة العامة. فالمؤسسات المتميزة لا تنتظر ظهور المشكلة، بل تبني أنظمتها على المعرفة، وتستثمر في البحث العلمي، وتتعامل مع التحديات المستقبلية قبل أن تتحول إلى مخاطر. وهنا يكمن جوهر التميز المؤسسي، وجوهر المسؤولية تجاه صحة الإنسان.
اليوم يدق الجرس، فتفتح المدارس أبوابها، وتمتلئ الممرات بخطوات الطلاب، وتعود الفصول إلى مقاعدها، وتبدأ سنة دراسية جديدة.... اقرأ المزيد
252
| 29 أغسطس 2026
تمثل المبادرات الوطنية المعنية بصحة وسلامة العمال إحدى الصور المشرقة لالتزام دولة قطر بحماية الإنسان، وتعزيز بيئات العمل... اقرأ المزيد
414
| 10 أغسطس 2026
ما إن يقع حادث لطفل داخل أحد مراكز الألعاب، حتى يتكرر السؤال ذاته: من المسؤول؟ ينصرف التفكير غالبًا... اقرأ المزيد
630
| 03 أغسطس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كاتبة قطرية - مستشار الصحة البيئية / تميز مؤسسي
[email protected]
@faalotoum
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حين نتحدث عن قوة الوطن نفكر في اقتصاده ومؤسساته ومكانته بين الدول. لكن ما مسؤوليتنا تجاه كل هذا؟ وما الذي نقدمه نحن الذين نعيش في هذا الوطن ونستفيد من أمنه وفرصه وما تحقق فيه؟ هذا ما فكرت فيه وأنا أقرأ خطاب سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمام مجلس الشورى. توقفت عند العلاقة بين صمود الدولة وكفاءة مؤسساتها ومسؤولية أفرادها. فكل واحد منا يتخذ قرارات تؤثر في غيره. ومن مجموع هذه الأدوار يتشكل جانب من قوة الوطن. نستيقظ كل صباح ونذهب إلى أعمالنا. يذهب أبناؤنا إلى مدارسهم ونجد احتياجاتنا متاحة ونكمل يومنا. ومع الوقت نعتاد هذا الانتظام حتى ننسى ما يتطلبه من جهد وتخطيط. لكن وقت التحديات تظهر قيمة الاستعداد وتنكشف أهمية ما بنيناه قبلها. وهنا أسأل نفسي عن علاقتنا بالاستقرار الذي نعيشه. هل ندرك مسؤوليتنا في المحافظة عليه؟ أعتقد أن الإجابة تظهر في تعاملنا مع واجباتنا ومع الموارد التي بين أيدينا ومع مصالح الناس التي ترتبط بقراراتنا. وحين دعا الخطاب إلى مراجعة البرامج وفق أثرها في المجتمع والاقتصاد استوقفني سؤال. ماذا تحقق للناس بسبب ما نفعله؟ قد ننشغل بإثبات أننا أنجزنا المطلوب. لكن هل عالجنا حاجة؟ وهل أحسنا استخدام ما لدينا؟ وهل نقبل تغيير ما لم يحقق الغرض منه؟ هذه المراجعة تحتاج إلى صدق مع أنفسنا. فقد نستمر في أمر لأننا اعتدناه. لكن المسؤولية تقتضي أن نسأل عن جدواه وأن نقدم المصلحة العامة على راحة الاستمرار. وتظهر أمانة المسؤولية أيضا في تقييم الأداء. حين نعطي الجهد حقه ونربط الفرص بالكفاءة نعزز ثقة الإنسان بمؤسسته. فالإنصاف يؤثر في شعوره بقيمة عمله وفي استعداده لتقديم المزيد. أما التعليم فأراه سؤالا عن الإنسان الذي نريد أن يشارك في بناء قطر. هل نمنح أبناءنا مساحة للسؤال والتجربة وتحمل نتائج اختياراتهم؟ وهل نساعدهم على فهم احتياجات وطنهم واستخدام معرفتهم لخدمته مع الحفاظ على لغتهم وهويتهم. ويمتد هذا الاهتمام بالإنسان إلى دور مجلس الشورى في مناقشة قضايا المجتمع. فالتشريعات تمس حياتنا اليوم وتؤثر في فرص أبنائنا غدا. كما أن تمسك قطر بالحوار والحلول السلمية يتصل بأمن الناس وقدرتهم على بناء مستقبلهم. بعد خطاب سمو الأمير بقي معي سؤال واحد. نحن نعرف ما نتمناه لقطر. لكن ما الذي نقدمه من أجلها؟ الإجابة تبدأ من موقع كل منا ومن مسؤوليته التي يؤديها وهو يعرف أن أثرها يصل إلى غيره.
2544
| 16 أكتوبر 2026
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة في حجم الإنفاق على المحترفين بقدر ما أصبحت في نوعية الاختيارات. أسماء تصل بسير ذاتية لامعة وتجارب سابقة تمنح الجماهير الأمل، ثم يبدأ الموسم لنكتشف أن الفارق بين ما كنا ننتظره وما نشاهده داخل الملعب أكبر بكثير مما ينبغي. السؤال هنا ليس: كم دفع النادي؟ بل: ماذا أخذ مقابل ما دفعه؟ لسنا ضد التعاقد مع أسماء كبيرة، ولا نقلل من قيمة الخبرة، لكننا ضد تحويل السيرة الذاتية إلى شهادة ضمان، وأن يصبح الاسم أهم من الحاجة الفنية. فالمحترف جاء ليصنع الفارق، لا ليكون مجرد اسم في قائمة الفريق أو مادة للترويج عند الإعلان عن الصفقة. المشكلة أن بعض التعاقدات لا تبدو مقنعة منذ البداية، سواء من حيث ملاءمة اللاعب لاحتياجات الفريق أو قدرته على تقديم الإضافة الفنية المنتظرة. والأكثر إثارة للاستغراب أن الأخطاء تتكرر، وكأن بعض الأندية لم تستفد من تجاربها السابقة، ولم تراجع آليات الاختيار والتقييم بالشكل المطلوب. وتكشف المفارقة بين محترفي السد والغرافة، بما تحمله بعض التعاقدات من أسماء كبيرة وتكاليف مرتفعة، ومحترفي الشحانية ولوسيل الذين يقدمون مردودًا فنيًا مقنعًا بإمكانات أكثر واقعية، عن خلل يستحق التوقف أمامه في آليات الاختيار والاستقطاب. فكيف تنفق بعض الأندية مبالغ كبيرة على أسماء لامعة، ثم لا تجد منها العائد الفني المنتظر، في حين تنجح أندية بإمكانات أقل في الحصول على مردود أفضل؟ هنا لا تكون المشكلة في المال، بل في القرار الذي يسبق التعاقد، وفيمن يتحمل مسؤولية الاختيار. وهنا لا يمكن تحميل اللاعب وحده المسؤولية؛ فهناك إدارة تتولى التفاوض، وجهاز فني يحدد الاحتياجات، ومنظومة يفترض أن تقيّم وتختار وفق معايير فنية واضحة. ونجاح الصفقة أو فشلها يجب ألا يُقاس باسم اللاعب أو تاريخه فقط، بل بمدى الحاجة إليه، وانسجامه مع الفريق، وحجم الإضافة التي يقدمها داخل الملعب. وعندما يفشل التعاقد في تحقيق أهدافه، فمن حق الجماهير أن تعرف أين كان الخلل، ومن المسؤول عن القرار. لسنا بحاجة إلى محترفين أكثر شهرة بقدر حاجتنا إلى محترفين أكثر تأثيرًا. وهذه ليست رفاهية، بل مسؤولية تجاه الأندية والجماهير والبطولة نفسها. فإلى متى تبقى بعض التعاقدات أكبر من مردودها، وتبقى المحاسبة أصغر من حجم الخطأ؟
2331
| 15 أكتوبر 2026
قد يكون من أهم إنجازات الدولة خلال الأزمات ما لا يشعر الناس بحدوثه: خدمة لم تنقطع، وسلعة لم تختفِ، وعمل استمر، وحياة يومية حافظت على انتظامها رغم الخطر. ومن هذه الزاوية أقرأ خطاب حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى، حفظه الله، في افتتاح دور الانعقاد السنوي الخامس والخمسين لمجلس الشورى. فقد كشف سموه عما يقف وراء هذا الانتظام، من استعداد طويل وقرارات مدروسة وجهود مؤسسية، ثم حدد المسؤوليات اللازمة لصونه وتطويره. وفي تقديري، فإن إحدى أعمق دلالات الخطاب تكمن في وصل الدفاع عن الوطن بكفاءة إدارة شؤونه؛ فحماية السيادة، واستمرار الخدمات، وحسن استخدام المال العام، وأمانة تقييم الموظفين، تتكامل في بناء دولة تستطيع مواجهة الخطر ومواصلة التنمية. وهنا تتسع قراءة الصمود لتشمل ما يجري داخل المؤسسة، وما تتخذه من قرارات، وما تحققه من نتائج. أوضح سمو الأمير أن قطر حملت خلال الأزمة ثلاث مسؤوليات متزامنة: حماية سيادتها، والوفاء بدورها في أمن الطاقة والاقتصاد العالمي، وإبقاء أبواب الدبلوماسية مفتوحة. وحدد سموه عناصر الاستراتيجية التي أدارت بها الدولة هذه المسؤوليات، من الدفاع عن الوطن بحزم دون الانجرار إلى الحرب، إلى المحافظة على الخدمات وسلاسل التزويد والحياة الاقتصادية، والعمل لوقف إطلاق النار وفتح الممرات المائية والعودة إلى التفاوض. وتكشف هذه المضامين عن دقة الموازنة التي اضطلعت بها الدولة. فإدارة هذه المسؤوليات معًا تتطلب وضوح الأهداف، والتنسيق بين الجهات، وضبط الخيارات تحت الضغط. وبذلك يصبح استمرار الحياة اليومية تعبيرًا ملموسًا عن نجاح عمل واسع، يشترك فيه الدفاع والأمن والدبلوماسية والاقتصاد. وقد نسب سموه استمرار الحياة الطبيعية إلى جهود القوات المسلحة والأجهزة الأمنية، وإلى أكثر من عقد من الإعداد والتدريب والتجهيز. وتمنح هذه الإشارة الاستعداد قيمته الحقيقية؛ فما يُبنى في سنوات الاستقرار تظهر جدواه عندما يحمي الناس ويتيح لهم مواصلة حياتهم في أصعب الظروف. ومن هنا يمكن استخلاص معيار مهم لتقييم السياسات: بعضها تتحقق قيمته في ضرر جرى تجنبه. فالمخزون الذي يمنع نقصًا، وخطة الإمداد التي تحول دون انقطاع، والتجهيز الذي يحمي منشأة، تحقق نتائج قد لا تستوقف الناس، لكنها أساسية لاستقرار المجتمع والاقتصاد. وقد يصعب قياس كلفة الأزمة التي مُنعت، لكن أثرها يظهر في حياة استمرت. في الجانب المالي، ذكر سمو الأمير انخفاض إجمالي الإيرادات خلال النصف الأول من العام بنسبة 42%، مقابل انخفاض المصروفات العامة بنسبة 14%، مع المحافظة على الخدمات الأساسية والأولويات التنموية. وأوضح سموه أن الدولة اتخذت هذا القرار حرصًا على استمرار الزخم الاقتصادي. وتتجاوز دلالة هذه الأرقام بيان حجم الضغط على الموازنة؛ إذ تكشف عن اختيار اقتصادي يحمي النشاط الذي تحتاجه البلاد للتعافي. فالخدمات الأساسية تسند حياة المجتمع، والمشاريع التنموية تدعم أعمال الشركات وفرص العمل، واستمرارهما يحد من انتقال الصدمة إلى مجالات أوسع. وقد نسب سموه إمكان استيعاب تداعيات الأزمة إلى سياسات سبقتها، شملت تعزيز الاحتياطيات وخفض الدين العام وإعداد الموازنة على أسعار نفط متحفظة وتنمية الإيرادات غير النفطية. وفي قراءة هذه العلاقة، تبدو الاحتياطيات رصيدًا يحفظ للدولة مساحة القرار؛ فهي تتيح التعامل مع تراجع الإيرادات دون الاضطرار إلى التخلي سريعًا عن الأولويات التنموية. لكن سمو الأمير قرن هذه المساحة بواجب مواصلة الانضباط المالي ورفع كفاءة الإنفاق ومراجعة البرامج وفق أثرها الفعلي في المجتمع والاقتصاد. وهذا توجيه يضع مسؤولية واضحة على الجهات المنفذة: أن تثبت قيمة ما تنفقه، وأن تراجع برامجها على أساس النتائج. فالبرنامج الذي يحافظ على مخصصاته يحتاج إلى بيان ما يحققه بها، والمشروع الذي يتقدم في التنفيذ يحتاج إلى إظهار أثره في الغاية التي أُنشئ من أجلها. وبهذا تصبح مراجعة الإنفاق وسيلة لحماية التنمية، عبر توجيه الموارد إلى ما يخدمها بصورة أجدى. وتبرز الصلة بين السياسة الاقتصادية والإدارة حين يتناول خطاب سمو الأمير مساءلة القيادات وتقييم الأداء. فقد وجّه سموه إلى تمكين الموظفين ونقل المعرفة وتأهيل الصف الثاني، وربط الترقية والتطوير بالإنجاز والكفاءة وتكافؤ الفرص، وحذر من التطبيق الشكلي لهذه السياسات، مؤكدًا الأمانة في التقييم وأخلاق العمل. وفي تقديري، يحدد هذا التوجيه شرطًا جوهريًا لنجاح الإصلاح: صدق المؤسسة في معرفة أدائها. فإذا تجمّلت النتائج في التقارير، أو مُنحت التقديرات وفق المجاملة، بُنيت القرارات اللاحقة على صورة غير دقيقة. وقد يتجه التدريب إلى غير موضع الحاجة، أو تُسند المسؤولية إلى غير الأجدر، أو يستمر خلل لم يُعترف بوجوده. ولهذا تمتد عدالة التقييم إلى ما هو أبعد من علاقة الموظف بمديره؛ فهي تؤثر في اختيار من يدير الموارد وينفذ المشاريع ويقدم الخدمات. وإنصاف الكفاءة يحفظ حافزها، ويعزز ثقة الموظفين بأن اجتهادهم ينعكس على مسارهم المهني، ويجعل المؤسسة أقدر على تطوير أدائها. ويتصل بذلك ما أورده سموه عن قاعدة البيانات المركزية، واستكمال الربط بين الجهات وتوحيد المعايير وحماية الخصوصية. فالبيانات الموثوقة تتيح رؤية الواقع، والأمانة في التقييم تجعله أساسًا للقرار. وتكتمل قيمة التطوير حين تساعد المعلومات على كشف الخلل، وتجد داخل المؤسسة من يتحمل مسؤولية معالجته. وأكد سمو الأمير أن هدف قطر هو جعل التعافي منطلقًا لتسريع التنويع الاقتصادي وتعزيز القدرات الوطنية. وأشار سموه إلى مشاريع وفرص استثمارية تُقدر بنحو 221 مليار ريال خلال السنوات الخمس المقبلة، وإلى دور مجلس الشورى في مواكبة المرحلة بتشريعات تعزز القطاع الخاص وجاذبية الاستثمار. ومن منظور هذه القراءة، يتحدد أثر تلك الفرص أيضًا بجودة المؤسسات التي تتعامل معها؛ بوضوح الإجراءات، وكفاءة التنفيذ، وحسن المتابعة، والقدرة على معالجة العوائق. وتلك هي الحلقة التي تصل بين التوجيه الوطني والنتيجة الاقتصادية: تحويل الموارد والفرص إلى نشاط منتج وخبرات وطنية ومنافع مستدامة. وفي ختام خطابه، ربط سمو الأمير صمود الدولة بالاستعداد وتنوع الاقتصاد وكفاءة المؤسسات وتكافل المجتمع ومسؤولية الأفراد. وهذه الرابطة تمنح انتظام الحياة معناه الأعمق؛ فهو حصيلة مسؤوليات أُديت، ومكتسبات صينت، وقرارات اتُّخذت في وقتها. لقد كشف خطاب سمو الأمير عن العمل الذي جعل استمرار الحياة ممكنًا، ووضع أمام المؤسسات واجب الارتقاء به. ومن هنا يبدأ الوفاء بتوجيهات سموه في تفاصيل ملموسة: مال عام يُصان، وكفاءة تُنصف، وخلل يُعالج، وخدمة تتحسن. فحين تستمر الحياة تحت الضغط، يظهر أثر الاستعداد؛ وحين ترتقي جودتها بعد الأزمة، يظهر صدق الأداء.
1095
| 14 أكتوبر 2026