رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

الحسين الدومي

مساحة إعلانية

مقالات

66

الحسين الدومي

عام دراسي مختلف

11 سبتمبر 2026 , 02:00ص

مع بداية كل عام دراسي، تبدو العودة إلى المدرسة وكأنها موعد ثابت لا يتغير؛ حقائب جديدة، وكتب، وزي مدرسي، ومواعيد استيقاظ مبكرة، وطرق تعود إليها الحركة من جديد بعد هدوء الصيف. لكن خلف هذه التفاصيل البسيطة تبدأ عملية أكبر بكثير من مجرد العودة إلى مقاعد الدراسة.

فالعام الدراسي لا يغيّر جدول الطالب وحده، بل يعيد ترتيب إيقاع الأسرة بأكملها.

تتغير ساعات النوم، وتنظيم الوقت، ومواعيد الوجبات، والالتزامات اليومية، وحتى شكل المساء داخل المنزل. وكأن المدرسة لا تفتح أبوابها للطلاب فقط، وإنما تعيد ضبط عقارب الحياة بعد أشهر من الإيقاع المختلف.

ولهذا، ربما تكون بداية العام الدراسي فرصة لطرح سؤال لا يتعلق بالكتب أو الجداول: كيف نريد أن نعيش هذا العام؟

فقد يبدأ الطالب عامًا جديدًا بالكتب نفسها تقريبًا، لكنه لا ينبغي أن يبدأه بالعادات نفسها.

كل عام دراسي يمكن أن يكون بداية مختلفة؛ ليس لأن المنهج تغير، وإنما لأن الطالب نفسه تغير. ما كان مناسبًا له قبل عام قد لا يكون مناسبًا اليوم، وما كان يحتاج إليه في مرحلة سابقة قد يصبح أقل أهمية أمام تحديات جديدة.

وهنا تأتي مسؤولية الأسرة، التي قد تتحول أحيانًا إلى طرف في سباق الدرجات دون أن تشعر.

مع بداية الدراسة، يبدأ بعض الآباء بالسؤال عن الواجبات والاختبارات والدرجات قبل أن يسألوا أبناءهم سؤالًا أبسط: كيف تريد أن يكون عامك هذا؟

قد يبدو السؤال بسيطًا، لكنه يمنح الطالب شعورًا مختلفًا؛ شعورًا بأن العام الدراسي ليس سلسلة من الأوامر والواجبات فقط، وإنما مساحة يمكن أن يضع فيها هدفًا شخصيًا، ويكتشف فيها شيئًا جديدًا عن نفسه.

فالنجاح الدراسي لا يبدأ دائمًا من الكتاب.

أحيانًا يبدأ من النوم المنتظم، ومن القدرة على تنظيم الوقت، ومن تعلم متى يقول الطالب «لا» لما يشتته، ومن معرفة الفرق بين الراحة والتسويف، وبين استخدام التقنية والاستسلام لها.

وفي زمن أصبحت فيه الشاشات حاضرة في كل تفاصيل اليوم، ربما يكون أحد أصعب تحديات العام الدراسي هو استعادة القدرة على التركيز.

فالطالب اليوم لا يواجه صعوبة في الوصول إلى المعلومة، بل يواجه وفرة هائلة منها. إشعار واحد قد يقطع تركيزه، ومقطع قصير قد يسحب انتباهه، وهاتف بجوار الكتاب قد يجعل دقائق الدراسة أكثر صعوبة مما ينبغي.

ولذلك، فإن الاستعداد الحقيقي للعام الدراسي لا يقتصر على شراء المستلزمات المدرسية، بل يشمل إعداد البيئة التي يستطيع فيها الطالب أن يتعلم.

بيئة تمنحه وقتًا للتركيز، ووقتًا للراحة، ووقتًا للرياضة، ووقتًا للعائلة، ووقتًا لنفسه.

فالطالب الذي يدرس طوال اليوم ليس بالضرورة طالبًا يتعلم أكثر، كما أن كثرة الواجبات لا تعني بالضرورة جودة التعلم.

وربما نحتاج أيضًا إلى أن نعيد النظر في الطريقة التي نستقبل بها تعثر الطالب في الأسابيع الأولى.

ليس كل تراجع إنذارًا، وليس كل خطأ فشلًا، وليس كل بداية متعثرة مؤشرًا على نهاية سيئة.

بعض الطلاب يحتاجون إلى وقت حتى يستعيدوا إيقاعهم، وبعضهم يحتاج إلى طريقة مختلفة في الدراسة، وبعضهم يحتاج ببساطة إلى أن يشعر بأن هناك من يثق بقدرته على التحسن.

ولهذا، فإن أجمل ما يمكن أن يبدأ به العام الدراسي ليس قائمة طويلة من التوقعات، وإنما توقع واحد واضح: أن يصبح الطالب في نهاية العام أفضل مما كان عليه في بدايته.

أفضل في معرفته، وفي تنظيم وقته، وفي علاقته بالآخرين، وفي ثقته بنفسه، وفي قدرته على تحمل المسؤولية.

وعندما نصل إلى نهاية العام، قد لا يكون الإنجاز الحقيقي هو عدد الدرجات التي حصل عليها الطالب فقط، وإنما العادات التي اكتسبها، والشخصية التي نمت، والقدرة التي اكتشفها، والصعوبات التي تعلم كيف يتجاوزها.

فالأعوام الدراسية تمر بسرعة، والكتب تُغلق، والاختبارات تنتهي، والصفوف تتغير.

لكن ما يبقى هو ما يتعلمه الإنسان عن نفسه خلال هذه الرحلة.

لهذا، فإن العودة إلى المدرسة ليست مجرد عودة إلى مقعد دراسي، بل فرصة لإعادة ترتيب الحياة من جديد.

فرصة للطالب كي يضع لنفسه هدفًا، وللأسرة كي تراجع توقعاتها، وللمدرسة كي تتذكر أن وراء كل درجة إنسانًا، وللمعلم كي يبدأ عامًا جديدًا وهو يعرف أن كلمة واحدة في وقتها قد تصنع فرقًا لا يظهر في كشف الدرجات.

وربما يكون السؤال الأهم في بداية هذا العام ليس: كم سيحصل أبناؤنا من الدرجات؟

بل: من نريد أن يكونوا عندما يغادرون المدرسة بعد سنوات؟

فإذا كانت المدرسة تعلّم أبناءنا كيف ينجحون في عام دراسي، فإن مسؤوليتنا جميعًا أن نساعدهم على أن يتعلموا كيف ينجحون في الحياة.

مساحة إعلانية