رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

موزا محمد الكواري

باحثة دكتوراة في الاعلام الرقمي

مساحة إعلانية

مقالات

183

موزا محمد الكواري

الحياة التي نؤجلها ونحن ننتظر الوقت المناسب

11 أغسطس 2026 , 11:04م

كم مرة قلنا لأنفسنا:

«مو الحين… بعدين.»

بعد ما أرتاح.

بعد ما تتحسن ظروفي.

بعد ما أنتهي من مسؤولياتي.

بعد ما أجد الشخص المناسب.

بعد ما أستقر في عملي.

بعد ما تتغير أشياء كثيرة في حياتي…

نقول «بعدين» وكأن العمر ينتظر معنا.

نؤجل السفر حتى تأتي الفرصة المثالية، ونؤجل الفرح حتى تنتهي المشكلات، ونؤجل أحلامنا حتى نشعر أننا مستعدون، ونؤجل أنفسنا حتى يصبح لدينا وقت كافٍ لنعيش كما نريد.

لكن الحقيقة التي نكتشفها متأخرين هي أن الوقت المناسب الذي ننتظره قد لا يأتي بالشكل الذي تخيلناه.

فالحياة لا تقدم لنا دائمًا ظروفًا مكتملة حتى نبدأ.

قد يأتي النجاح ونحن متعبون، وقد يأتي الحب ونحن ما زلنا نتعلم كيف نثق، وقد تأتي الفرصة ونحن نشعر أننا غير مستعدين، وقد نضطر إلى البدء من جديد بينما في داخلنا خوف كبير من المجهول.

ومع ذلك نبدأ.

لأن بعض الأشياء في الحياة لا تحتاج أن تكون مستعدًا لها بالكامل، بل تحتاج فقط أن تكون شجاعًا بما يكفي لتخطو الخطوة الأولى.

أحيانًا لا يكون تأجيلنا للحياة بسبب الكسل، بل بسبب الخوف.

نخاف أن نبدأ ونفشل.

نخاف أن نغيّر فنخسر ما اعتدنا عليه.

نخاف أن نختار لأن الاختيار يعني أن نتحمل مسؤولية النتيجة.

نخاف أن نخرج من المكان الذي اعتدنا عليه، حتى لو لم يعد يشبهنا.

فنختبئ خلف جملة تبدو منطقية جدًا:

«ليس الوقت مناسبًا»

بينما الحقيقة أحيانًا:

«أنا خائف»

وهناك فرق كبير بين الاثنين.

المؤلم أننا لا نشعر بتكلفة التأجيل في بدايته.

عندما تؤجل حلمًا سنة، لا تشعر أنك خسرت سنة.

وعندما تؤجل قرارًا شهرًا، لا تشعر أن الشهر مرّ.

لكن السنوات لا تمرّ بصوت مرتفع.

تمضي بهدوء.

وفجأة تنظر خلفك وتكتشف أنك قضيت وقتًا طويلًا وأنت تستعد للحياة، بدلًا من أن تعيشها.

كنت تنتظر أن تصبح أقوى ثم اكتشفت أنك كنت تستطيع أن تصبح قويًا أثناء الطريق.

كنت تنتظر أن تثق بنفسك ثم اكتشفت أن الثقة كانت ستأتي بعد أن تبدأ.

كنت تنتظر الظروف المناسبة ثم اكتشفت أن الظروف المثالية لم تكن موجودة أصلًا.

الحياة ليست مشروعًا يجب أن يكتمل قبل أن نعيشه.

لن تأتي لحظة تختفي فيها كل مخاوفنا، وتنتهي كل مسؤولياتنا، وتصبح حساباتنا مرتبة، وعلاقاتنا مستقرة، ومستقبلنا مضمونًا.

دائمًا سيكون هناك شيء ناقص.

وهذا ليس عيبًا في الحياة.

هذه هي الحياة.

أن تمشي وفي يدك أشياء لم تُحسم بعد.

أن تضحك رغم وجود ما يقلقك.

أن تحلم رغم أنك لا تعرف كيف سيحدث الحلم.

أن تبدأ رغم أنك لا تملك كل الإجابات.

ربما حان الوقت أن نسأل أنفسنا سؤالًا مختلفًا:

ماذا لو لم يكن عليّ أن أنتظر؟

ماذا لو بدأت الآن؟

ماذا لو أخذت تلك الدورة التي طالما أجلتها؟

ماذا لو سافرت إلى المكان الذي أحلم به؟

ماذا لو قلت «أحبك» قبل أن يفوت وقتها؟

ماذا لو اعتذرت؟

ماذا لو سامحت؟

ماذا لو تركت المكان الذي يؤذيني؟

ماذا لو أعطيت نفسي فرصة أخرى؟

ماذا لو توقفت عن انتظار نسخة مثالية مني حتى أبدأ؟

هناك أشياء لا يمكن استعادتها عندما تمر.

الطفولة لا تعود.

بعض الأشخاص لا ينتظرون إلى الأبد.

بعض الفرص لها موسم.

وبعض الأحلام، إذا ظللنا نؤجلها طويلًا، تتحول من حلم إلى سؤال مؤلم:

«ماذا لو أنني بدأت؟»

وربما لهذا السبب لا ينبغي أن يكون أكبر ندم لدينا أننا حاولنا ولم ننجح.

بل أن نصل إلى نهاية الطريق ونحن نعرف أننا لم نحاول أصلًا.

لا تنتظر أن تصبح حياتك خالية من الخوف حتى تبدأ.

ابدأ والخوف معك.

لا تنتظر أن تضمن النتيجة.

يكفي أن تمنح نفسك فرصة.

لا تنتظر أن يفهمك الجميع.

بعض الطرق لا تحتاج إلى موافقة أحد.

ولا تنتظر أن يصبح كل شيء مثاليًا.

فالكمال الذي ننتظره قد يكون مجرد وهم جميل يسرق منا أجمل سنواتنا.

عِش ما تستطيع الآن.

افرح بما هو موجود، لا بما تتمنى أن يكون.

أحب من يستحق حبك.

قل ما تشعر به.

جرّب.

غيّر.

ابدأ.

وإذا لم تنجح، تعلّم.

وإذا تعثرت، انهض.

وإذا تغيرت رغباتك، غيّر طريقك.

فالحياة ليست أن تصل إلى المكان الذي رسمته في رأسك بدقة، بل أن تكون حاضرًا بما يكفي لتعيش الطريق.

وفي النهاية، ربما لا يكون السؤال:

«متى سيأتي الوقت المناسب؟»

بل:

«كم من حياتي سأؤجل وأنا أنتظر أن يأتي؟»

فلا تجعل «بعدين» تصبح اسمًا آخر لحياتك.

ابدأ الآن… فالعمر لا ينتظر النسخة المثالية من الحياة، ولا النسخة المثالية منك.

مساحة إعلانية