رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تحت عنوان "الفن ميدان" تعقد فعاليات فنية متعددة تبدأ بعرض لأحداث الميدان وأيضا جملة عروض تحت عنوان "كاذبون" تعرض للمفارقات بين أقوال أعضاء المجلس العسكري وبين الأفعال المعاكسة لهذه الأقوال، ويعقب العرض عرضا موسيقيا لفرقة "إسكندريلا"، وهي مجموعة من الشباب غنى أغنيات الثورة قبل وأثناء وبعد الثورة.
حضرت مصادفة فعالية لهم في ميدان عابدين، وعادت بي الذاكرة إلى ما شهده ميدان عابدين على مر عقود متتالية، فقد كان ميدان عابدين هو ميدان الثورة، فمنذ 130 عاما واجه أحمد عرابي الخديوي توفيق وهو على جواده، والخديوي إلى جواره قناصل الدول الأجنبية ليقول كلمته الشهيرة: لقد خلقنا الله أحرارا ولن نستعبد بعد اليوم. وذات الميدان احتلته دبابات الجيش المصري في يوليو 1952 وهي تحاصر القصر، وكان قصر عابدين هو قصر الحكم، وخرج الضباط الأحرار يومها وكانوا في سن الشباب وليس من أكل الدهر عليهم وشرب، خرجوا من شرفة القصر ليعلنوا مبادئ الثورة الستة.
هدمت ثورة يوليو سور القصر الخلفي، وأحالت حدائق القصر إلى مركز للشباب، وأعاد السادات بناء السور بعد توليه الرئاسة، كان هدم السور عنوانا لانحياز ثورة يوليو وإعادة بنائه عنوانا للانقلاب على الثورة.
تذكرت كتابات عبدالرحمن الأبنودي "وجوه على الشط" وهو يصور بقلمه وكلماته الحياة وأشخاصها على شاطئ القناة في منطقة السويس في أعقاب عدوان 1967 وأثناء حرب الاستنزاف، وتصورت أنه لو كان بعافيته لمشي بين الشباب الذي يتجمع ليسمع ويغني ويهتف، ولكتب "وجوه على الإسفلت" أو "وجوه الميدان".
وجوه مصرية شابة نضرة تراها العين ولا يخطئ الوجدان الإحساس بهم، وعندما تغني "إسكندريلا" أغنية "اتجمع العشاق في سجن القلعة .. اتجمع العشاق في باب الخلق" والتي مضى عليها قرابة نصف القرن، تجد الشباب يرددها وكأنهم عاشوا تفاصيلها، بينما سجن القلعة تحول إلى متحف، يغنونها بكل حواسهم ومشاعرهم وكأنها تجربتهم، وليست تجربة سبقتهم بخمسة عقود كاملة.
استمعت إليها معهم مبتسما، وكأني بنغم الثورة لا يموت، بل مازال حيا بيننا ينادي حي على الفلاح.
تذكرت مقدم مهندس كان زميلا باللواء الذي خدمت به، كان كلما التقاني بادرني بالبيت الأول منها، لنغنيها معا، وتذكرت مدرجات الجامعة بعد 1967 وهي تموج بموجات من الأغنيات الوطنية مع الشيخ إمام وأولاد الأرض ومحمد حمام وكانت هذه الأغنية في مقدمتها.
تيار الثورة مستمر عبر الأجيال، يخرج من القرى والمصانع والمدارس والجامعات ومن الطبقة المتوسطة وأبنائها هؤلاء الذين تفاعلوا مع أطفال الشوارع أثناء اعتصام مجلس الوزراء واخرجوا منهم مكنون الذكاء ليبدعوا فنيا ويتعلموا النحت والرسم ويصبحوا من شباب الثورة خلال زمن محدود، وليبدلوا الضياع بحلم جديد يعيشوه ويدافعوا عنه علهم ينالوه.
في الميدان الكل يحمل الكاميرات والتليفون المحمول يسجلون لبعضهم البعض هذه اللحظات، فلا أحد منهم يعلم متى سيفارقون بعضهم بعضا إلى السماء، ولكنهم يغنون وكأن الغناء هو وقود الثورة، وهو وقودها بالفعل.
تبدو الثورة في جينات التكوين المصري، فمصر في رباط منذ أن كتب التاريخ، والثورات والحركات الثورية مستمرة منذ توحيد القطرين الشمالي والجنوبي علي يد "مينا" حتى اللحظة التي نحياها. الثورة في الشعب المصري كحبة قمح غرست في طينها ورواها النيل، فهي تنبت سنابل ذهبية، لتعاود من جديد دورتها، تحفظ الحياة وتطعمها بأعداد مضاعفة من الحب. المصريون يتوارثون أغنيات الثور كحبة القمح التي تحافظ على جيناتها، وكل جيل يردد أغنيات من سبقوه من أجيال، فكل الأغنيات تحمل ذات الهموم، من طغيان وظلم واستبداد، وكل الأغنيات أداة توصيف لاذع للحال، وهي ذاتها مفتاح حشد وشحن وتحريض، لتنتهي الأغنيات بالأمل والطريق إليه.
تتعرض الثورة في الفترة القادمة لأوقات فارقة، الكل يتحدث عن 25 يناير 2012، وكل يغني على ليلاه، وليست كل الألحان بنغمات الثورة، ثم تتوالى الأسئلة كيف سيكون حال لجنة المائة التي اخترعوها لوضع الدستور؟ ثم ماهية الدستور القادم، وأيضا إلى أين سيمضي انتخاب الرئيس؟ العشوائية أصابت العقول والأفعال والخيارات والكل يتحدث عن ذاته وليس عن مصر الوطن والشعب والثورة، وآخر ما كنا ننتظره أن يتولى "العشوائيون" أمرنا ولن نقول الجهلة ولا الخونة ولا المرابين السياسيين.
يبدو أن تعميد المجلس العسكري العشوائي لفكرة مجلس قومي يناقش ميزانية القوات المسلحة، هو عشوائية تتسم بالجهالة، فليست الأمور الجادة هكذا تطرح ويتم تناولها كأنها المضمون بينما هي أداة لرؤية متكاملة لعلاقة الجيش والدولة، وهذا التناول هو استمرار لنهج الاستجابة لحاجات لدى المجلس ولدى أدواته في المشهد السياسي أكثر منها حاجة لاستقرار الدولة المصرية التي يريدها الشعب ويحتاجها.
مصر في حالة فوضى عارمة في الخيارات السياسية بقدر ما تعم الفوضى الحركة في شوارعها.
إنهم يفككون الدولة إلى قطع فسيفساء صغيرة لمحاولة إعادة تشكيل صورة المجلس العسكري والتي استحالت إلى صورة "دوريان جراي" التي شكلتها كل موبقاته وجرائمه.
انتقلنا من الدستور أولا أم الانتخابات أولا، إلى الدستور أولا أم الرئيس أولا، ويطل البشري مهندس الانقلاب المستمر على الثورة ليعيد ترجيح الانتخابات قبل الدستور، دون إسهام بمدى حق كل الشعب في التوافق على دستور الأمة الذي ليس مجرد تعديل مادة تخص انتخاب الرئيس ولكنه رؤية تقنن النظام القادم بأبعاده الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وليس رؤية أغلبية اليوم التي يمكن أن تتحول إلى أقلية غدا، وهي التي تبادلت رسائل المحمول معلنة أنهم انتقموا لأنفسهم!
الدولة المصرية المفككة، وحكومات ما بعد الثورة العاجزة، والرئيس القادم من المجهول ولا يحمل غير نهج "صناعة الرئيس" دون مضمون، ومجلس عسكري يرى الشعب أنه لن يقبل برئيس من خارجه، كل هذا يجعل الريبة تتسلل إلى الشعب أن شيئا ما سيحدث في اللحظة الأخيرة خارج ما يرى.
يسود حديث الانتقام وأفعال تعود بمصر لأبعد من 14 قرنا إلى الوراء لزمن الجاهلية وأحاديث عن التجربة التركية غير آخذة في الاعتبار "الحالة المصرية". يدعون علينا أن التجربة التركية هي مجرد اللحظة التي يشهدونها وبداياتها هي بدايات وعيهم بها، ولم يدركوا أنها تجربة استمرت القرن العشرين كله تتراكم خلالها الأفكار والأحداث وتتفاعل لتنتج مجتمع هو أقرب إلى الغرب منه إلى الشرق.
إن تجارب الأمم غير قابلة للنقل، والثورات غير قابلة للتصدير، لكن حركة الأموال ومؤامرات لها مدارسها وأدواتها، تجمع بينهم "المصالح ومناطق النفوذ"، إن ظهور اسم "دحلان" كداعم لتنظيم الجهاد الإسلامي في سيناء أمر يطرح سؤال الريبة، ما الذي جمعهم معا؟ ويتردد حديث إنه الممول الرئيسي للجهاد الإسلامي في سيناء وهو التنظيم الذي أرسل رسالة للأمن في العريش للاستسلام وتسليم سيناء إليه ليحكمها.
يحدث هذا والانتخابات "المرتجلة"ومؤامرة اقتناص الثورة في مصر على أشدها، في ذات الوقت الذي تشوهت فيه العقيدة القتالية للجيش المصري رغم أن الزي العسكري هو ذات الزي ومازالت الرتب العسكرية هي ذاتها، ولكن دون أن تعبر عن مضمون "الوطنية المصرية" أو ترفع إعلامها.
قد يكون مقبولا أن تواجه الثورة والشعب معا حركة مضادة للثورة من عناصر النظام السابق والمرتبطة معه بمصالحها، ولكن الانقلاب على الثورة هو معادلة لم تكن في الحسبان واستغرقت زمنا طويلا لتتكشف أبعادها لدى العديد من عناصر الثورة.
تحدث أحد قيادات الإخوان أن حزب الحرية والعدالة هو الجناح السياسي لجماعة الإخوان، تلك الجماعة المسكوت عن مبرر وجودها بعد أن حصل أعضاؤها على حزب سياسي، وإن كان حزب العدالة هو الجناح السياسي للجماعة، فما هي باقي الأجنحة التي لم يعلن عنها بعد؟
الخوف والريبة هما سمة العلاقة بين أطراف الأزمة والتهديد هو لغة الحوار بينهما. ولكن استمرار الثورة معلق بالأمل على حركة الشباب الذي لم ينس أغنيات الشعب للثورة طوال معاناته.
المؤسسة العسكرية ظلت ثلاثين عاما تحمي الانقلاب على الدستور، وهي اليوم تحمي حركة الاستيلاء على مصر والشعب والثورة بواسطة التنظيمات الدينية.
نحن مسلمون ومصر وطننا، والسؤال أي مصر يتحدثون عنها؟ أي مجتمع يريدونه؟ وأؤمن أن الإسلام ثورة في حد ذاته لتمكين الإنسان بالحرية من إعمار الأرض، ولم ين ثورة بإطلاق اللحى وتكفير الغير "فلا إكراه في الدين فقد تبين الرشد من الغي".
سمح الرسول صلى الله عليه وسلم بالهجرة إلى الحبشة لأن بها حاكما مسيحيا يسلم بوجود الله، ورأى الراهب بحتري قافلة فيها محمد الصبي وسأل عمه أن يعود به حماية له، فأين أنتم من هؤلاء؟ وبدأ محمد (ص) الفتوح للدعوة التي ما كان لها أن تستقر لولا بناء دولة العدل، وليس مجرد دولة الإحسان، عاهد محمد صلى الله عليه وسلم اليهود فخانوه، فلماذا تسقطون بندقية المقاومة الفلسطينية وتحيلونها إلى مشروع للإعمار والمقاولات.
فاقد الشيء لا يعطيه، الذي يرى الوطن حلبة صراع سياسي ويسقط مفهوم العدالة الاجتماعية ويرفع سيف التكفير ويستحل كل شيء وأي شيء للوصول إلى السلطة، يفتح أبواب الجحيم في مصر.
لا يصنع تاريخ الأمم حملة المباخر ولا يصنع تاريخها مؤامرات تحت عباءة الدين، فقد تجاوز العالم والمصريون والمسلمون السيطرة الكهنوتية على العقل تحت دعاوى التنظيمات بالدين كما تراه هي. استمرار لحملة لورانس العرب للإجهاض على الوجود العربي كله تحت دعاوى دينية مستحدثة.
تجاوز العالم أن يكون فرسان المعبد رغم وجود فرسان مالطا بيننا، أو جحافل تخرج من المساجد بعاطفة دون أن تدرك حقها في الحياة، وبعيدة عن صحيح الإسلام، تجاوز أن يكون هؤلاء هم صانعو الحياة، إنهم القاتلون الجدد، وأداة الدكتاتورية الدينية الجديدة في مصر.
إن نظرة على الوعي الشعبي بكل طوائفه في تونس الثورة، يحكم على التجربة المصرية بالفشل والخروج على الشعب.
ليس أمامنا سوى أن نشق طريقا ولو بالدم ثمنا للحرية الاجتماعية والسياسية وسط تضاريس تمحوا العقل وتعمل سياسية القطعان اعتقادا منها بإمكانية استبدال الوطن بجماعة أو مجلس أو أشخاص يقتلهم الشوق لكرسي الرئاسة ولو على أكتاف حاجات الشعب ومصالحه.
إن جماعات تقوم على تغييب العقل والإرادة تحت دعوى السمع والطاعة، تنتهي بالقطع إلى الانفجار الداخلي، لا كهنوت في الدين، ولا كهنة في السياسة، هكذا علمنا التاريخ.
ما يجري في مصر مقدمة لسيناريو أكثر عنفا حتى وإن بدا أنه بعيد ولن يطول الجميع.
حركة الواقع وجدلها والدم المسال فوق الإسفلت يقاوم كل محاولات إجهاض الثورة وغسيل المخ.
الشباب الذي يغني أغنيات الثورة ويحمل جيناتها المرية هو القادر على صناعة الغد إيمانا بربه ووطنه وحقه في الحياة.
وسيظل نغم الثورة أنشودة البقاء والحياة باقيا وسيمحون التاريخ في حركته كل من لا يحمل جيناته، فهو أصل التكوين المصري.
الرئاسة .. طموح ورغبة أم مسؤولية؟
دارت عجلة استفتاء المصريين على الدستور الجديد، ويركن البعض إلى حسابات نسب الحضور والموافقة للقول بأن الشعب المصري... اقرأ المزيد
883
| 14 يناير 2014
تخوُّف مشروع لصديق... من يدير؟
كتب الصديق إلهامي الميرغني، وهو باحث في شؤون النقابات وتاريخها، منبها لتسلل عناصر الفساد قبل يناير إلى المشهد... اقرأ المزيد
637
| 07 يناير 2014
الشعب يواجه الإقطاع السياسي
ردد الجميع تعبير أن الدستور عقد اجتماعي يتوافق عليه أبناء الوطن وقواه الاجتماعية، وعندما واتتهم الفرصة اتخذوا منه... اقرأ المزيد
540
| 10 ديسمبر 2013
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم تعد أزمة مضيق هرمز حدثاً سياسياً أو عسكرياً بعيداً عن حياة الناس، فقد امتد أثرها إلى حركة السفن وتكاليف الشحن والتأمين وسرعة وصول البضائع إلى دول المنطقة. ومع استمرار الاضطراب، ارتفعت أسعار بعض السلع، وقد يمتد الارتفاع إلى سلع أخرى إذا طالت الأزمة. وجانب من هذا الغلاء له أسباب حقيقية، فعبور السفن في منطقة عالية المخاطر يرفع أقساط التأمين، وقد يدفع شركات الشحن إلى فرض رسوم إضافية. كما أن تأخر وصول البضائع يزيد تكاليف التخزين والتمويل، وقد يضطر المستورد إلى استخدام طريق أطول أو وسيلة نقل أكثر كلفة حتى يحافظ على توافر السلعة. لكن ارتفاع هذه التكاليف لا يعني أن تصبح أزمة هرمز مبرراً مفتوحاً لزيادة أسعار جميع السلع وبأي نسبة. فليست كل السلع تمر بالطريق نفسه، ولا تمثل كلفة الشحن النسبة ذاتها من سعر كل سلعة. كما أن بعض البضائع المعروضة حالياً وصلت إلى قطر قبل ارتفاع تكاليف النقل والتأمين. ومن هنا يظهر ما يمكن تسميته «غلاء هرمز»، أي الزيادة التي فرضتها الأزمة فعلاً. غير أن هناك فرقاً بين هذه الزيادة الحقيقية وبين استغلال الظروف لرفع الأسعار بما يتجاوز ارتفاع التكلفة. فقد يسارع بعض التجار إلى رفع الأسعار بنسب تتجاوز الزيادة الفعلية أو المتوقعة في تكلفة استبدال المخزون، أو يرفعون أسعار سلع لم تتأثر مباشرة، مستفيدين من توقع المستهلك أن كل شيء سيصبح أغلى. ولا يعني ذلك اتهام التجار والمستوردين عموماً؛ فكثير منهم يواجهون ظروفاً صعبة ويحاولون المحافظة على تدفق البضائع رغم ارتفاع المخاطر. لكن حماية التاجر الجاد لا تتعارض مع مساءلة من يستغل الأزمة لتوسيع هامش ربحه. والفاصل بين الحالتين هو قدرة التاجر على إثبات مقدار الزيادة التي تحملها فعلاً. وقد تحركت الجهات المختصة في قطر مبكراً لمواجهة آثار الأزمة. فدعت غرفة قطر، بالتعاون مع الهيئة العامة للجمارك، شركات الشحن والنقل إلى استخدام المسار البري عبر المملكة العربية السعودية ونظام النقل الدولي البري «TIR»، مع تخصيص مسار سريع وتسريع التخليص من خلال نظام النديب الإلكتروني. وفي الوقت نفسه، كثفت وزارة التجارة والصناعة رقابتها على الأسواق، فنفذت بين 28 فبراير و22 مارس 2026 نحو 50 ألف جولة تفتيشية طارئة، وضبطت منشآت مخالفة وأغلقت منشأتين، في رسالة واضحة بأن ارتفاع التكلفة لا يمنح أحداً الحق في استغلال الأزمة. كما تمتلك قطر قاعدة بيانات للأسعار، بعد إلزام المنشآت التجارية والصناعية بتسجيل أسعار السلع والخدمات وتحديثها إلكترونياً. وهناك أيضاً سلع وخدمات لا يجوز رفع أسعارها من دون موافقة الجهة المختصة. وبذلك تتوافر أدوات لمقارنة الأسعار قبل الأزمة وبعدها، وربط أي زيادة بفواتير الاستيراد والشحن والتأمين. إلا أن استمرار الأزمة يتطلب البناء على هذه الإجراءات، والانتقال من الاستجابة العاجلة إلى خطة أطول مدى. وينبغي أن تسير هذه الخطة في اتجاهين متوازيين: منع استغلال الأزمة داخل السوق، وخفض تكلفة وصول البضائع إلى قطر عبر الطرق البديلة. ففتح الطريق البري خطوة مهمة، لكن نجاحه لا يقاس بوصول البضاعة فقط، بل بالتكلفة التي تصل بها. فإذا كانت كلفة الطريق البديل مرتفعة جداً، فسيدفع المستهلك ثمنها في النهاية. لذلك من المهم مقارنة تكاليف الاستيراد عبر المسارات المختلفة، واختيار الطريق الأنسب لكل نوع من السلع. ومن المهم أيضاً منح الأولوية في النقل والتخليص للغذاء والدواء والسلع الأساسية، وتقليل فترات انتظار الشاحنات عند المنافذ؛ لأن كل يوم إضافي يرفع تكاليف النقل والتبريد والتخزين. ويمكن دراسة تخفيف بعض الرسوم مؤقتاً، متى ثبت أن ذلك سينعكس على السعر النهائي، لا أن يتحول إلى زيادة في هامش الربح. أما داخل السوق، فينبغي أن تركز الرقابة على العلاقة بين ارتفاع التكلفة وارتفاع سعر البيع. فإذا أثبت المستورد أن تكلفة وصول سلعة معينة ارتفعت بنسبة محددة، فمن الطبيعي أن ينعكس جزء من ذلك على سعرها. أما إذا ارتفع السعر بنسبة أكبر كثيراً، فمن حق الجهة الرقابية أن تطلب تفسير الفارق. وفي المقابل، يجب الحذر من تثبيت جميع الأسعار بصورة جامدة؛ لأن إجبار المستورد على البيع بأقل من تكلفته قد يدفعه إلى تقليل الاستيراد، فتتحول مشكلة الغلاء إلى نقص في السلع. فالرقابة الناجحة تقبل الزيادة المبررة، وتكبح الزيادة التي تستغل الأزمة، وتحافظ في الوقت نفسه على استمرار الإمدادات. لقد أثبتت قطر في أزمات سابقة قدرتها على تنويع مصادر الاستيراد وبناء مخزون إستراتيجي والمحافظة على استقرار الأسواق. والمطلوب اليوم هو تطوير الإجراءات الحالية إلى خطة مستمرة لطرق استيراد بديلة ذات تكلفة مقبولة، مع رقابة تمنع استخدام اسم هرمز لفرض زيادات لا تبررها الأرقام. إن مواجهة «غلاء هرمز» تقوم على مسارين لا ينفصلان: تسهيل وصول البضائع إلى قطر بأقل تكلفة ممكنة، ومنع تضخيم هذه التكلفة عندما تنتقل إلى المستهلك. وبهذا التوازن يمكن حماية المستهلك، ومساندة التاجر الجاد، والمحافظة على استقرار السوق في وقت واحد.
5286
| 13 سبتمبر 2026
ليس المطلوب أن نضع الحكم الوطني في منطقةٍ محرَّمة لا يجوز الاقتراب منها بالنقد، كما أن المطلوب، في المقابل، ألا يتحول الخطأ في قرارٍ تحكيمي إلى مبررٍ للنيل من الحكم أو التشكيك في قدراته ومكانته. وبين الموقفين مساحةٌ واسعة من الإنصاف، هي التي نحتاج إليها حين نتحدث عن حكامنا الوطنيين. الحكم جزءٌ من منظومة كرة القدم، يخطئ ويصيب، ويخضع قراره للتقييم كما يخضع اللاعب والمدرب والإداري. لكن الفارق أن تقييم القرار ينبغي ألا يتحول إلى محاكمة للشخص، خصوصًا حين يكون الحديث عن حكامٍ وصلوا إلى مستويات متقدمة، وأثبتوا حضورهم في البطولات الخليجية والقارية والدولية. وجود تقنية الـVAR منح المنظومة التحكيمية أدواتٍ أكثر دقة للمراجعة والتدقيق، لكنه لم يُلغِ الاجتهاد البشري، ولم يجعل القرار التحكيمي آليًا. فما زالت هناك قراءة للواقعة، وتقدير للحالة، وفهمٌ للقانون، ثم قرارٌ يتحمل الحكم مسؤوليته. ولذلك فإن حماية الحكم نفسيًا لا تعني إعفاءه من المسؤولية، وإنما تعني أن نختلف معه دون أن نهدم ثقته بنفسه. وهنا تأتي مسؤولية الإعلام والأندية والإداريين. من حق النادي أن يحتج، ومن حق الإعلام أن ينتقد، لكن من واجب الجميع أن يضعوا النقد في إطاره الصحيح، وأن تكون القنوات الرسمية هي الطريق الطبيعي للاعتراض، لا التصريحات التي تُقال تحت تأثير الانفعال. وفي تقديري، فإن النقد المقبول هو الذي يناقش القرار التحكيمي ويبيّن الخطأ وأسبابه، أما حين يتجاوز النقد القرار إلى التشكيك في الحكم وقدراته ومكانته، فإنه يفقد قيمته ويتحول من نقدٍ للقرار إلى إساءةٍ للشخص. وأرى أن مشروع الحكم الوطني لا يمكن أن يتطور من دون بيئة تمنحه الثقة، وفي الوقت نفسه لا تعفيه من النقد والمساءلة. فهو يحتاج إلى دعمٍ مستمر، وإلى نقدٍ يطوّر ولا يهدم، وإلى لجنة حكامٍ تؤكد ثقتها في حكامها وتدافع عن حقهم في الاحترام. نحن لا نطالب بأن يكون الحكم فوق النقد، بل نطالب بأن يكون النقد بحجم الخطأ، وأن تبقى كرامة الحكم محفوظة. فحكامنا الوطنيون ليسوا خصومًا لأنديتنا، بل شركاء في نجاح كرتنا، والاختلاف معهم لا ينبغي أن يجرّدهم من حقهم في الاعتزاز بما حققوه، ولا نحن من حقنا أن نتخلى عن الاعتزاز بهم.
4116
| 10 سبتمبر 2026
■أجمل ما يمكن أن يحققه سفير هو أن تنتهي مهمته ولا تنتهي علاقاته الإنسانية ■ العلاقات القطرية - التركية أصبحت أكثر مؤسسية ولها آليات واضحة للحوار والتنسيق ■6 سنوات في مهمتي الدبلوماسية شهدت زيارات رسمية ومواقف لا تنساها القلوب ■الإنجاز الذي أعتز به هو ترسيخ الثقة المتبادلة بين تركيا وقطر ■حين تدخل مجلساً قطرياً سرعان ما تتراجع الرسميات ويبدأ التعامل الإنساني المباشر ■أغادر قطر وقد أصبحت جزءًا أعتز به من حياتي الشخصية لا من مسيرتي الدبلوماسية وحدها ■ أستأذن اليوم هذا المجلس الكبير قطر قيادةً وشعباً .. بإذنكم تزدان المجالس القطرية بعادة عريقة، يعرفها كل من جَالَس أهل هذه الأرض الطيبة؛ فالضيف يدخل المجلس مرحبًا به، ولا تكون كلمة الاستئذان عند دخوله، وإنما عند انصرافه. يستقبله راعي المجلس بالبِشر قبل الكلام، ويُصبّ له الفنجان الأول بيده أو بيد أحد أهل الدار، وتفوح رائحة القهوة الممزوجة بالهيل قبل أن يبدأ الحديث. وطوال الجلسة، لا يفكر الضيف في الرحيل؛ يستمع حينًا، ويتحدث حينًا آخر، ويشارك القوم أحاديثهم وضحكاتهم، وحتى لحظات صمتهم، إلى أن يشعر أنه من أهل المجلس لا من عابريه. فإذا استشعر أن الوقت قد حان، هزَّ الفنجان بين أصابعه إيذانًا باكتفائه، ثم التفت إلى راعي المجلس وقال: «بإذنكم». هذا ما تعلمته من أهل قطر: أن الاستئذان ليس بداية انقطاع، بل ختام جلسة طيبة، وإشارة إلى أن الضيف لم يبرح المجلس إلا بعد أن اكتمل أُنسه فيه. واليوم، بعد ست سنوات جلست فيها في مجلس قطر الكبير، بقيادته وشعبه، لا أجد طريقة أليق من طريقتكم لأختتم بها هذه المرحلة. أستأذن اليوم هذا المجلس الكبير، قطر قيادةً وشعبًا، بعد أن أنست فيه ست سنوات كاملة، لم أشعر خلالها بأنني ضيف عابر، بل صار لي فيه مكان مألوف، ووجوه أعرفها وتعرفني، وذكريات تتجاوز حدود العمل والبروتوكول. وبصدق يليق بلحظة كهذه، يصعب عليَّ أن أختصر ست سنوات في كلمات قليلة. حين وطئت قدماي أرض الدوحة للمرة الأولى، كنت أعرف أنني قادم سفيرًا لتركيا لدى دولة شقيقة وصديقة، لكنني لم أكن أعرف أنني سأغادرها وقد أصبحت قطر جزءًا من ذاكرتي ومن حياتي الشخصية، لا من مسيرتي الدبلوماسية وحدها. لم تكن الدوحة طوال هذه السنوات مكانًا أؤدي فيه مهمتي فحسب، بل أصبحت بيتًا ثانيًا؛ دخلت مجالس أهلها، وشاركتهم أفراحهم وأحزانهم ومناسباتهم، ولمست عن قرب كرمهم ووفاءهم وصدق مشاعرهم. وأعتقد أن أجمل ما يمكن أن يحققه سفير هو أن تنتهي مهمته الرسمية في البلد المضيف، ولا تنتهي علاقاته الإنسانية. وقبل أن أمضي في سرد محطات هذه السنوات، أستأذنكم في أن أتوجه أولًا بالشكر: شكرًا لأهل قطر على محبتهم وكرمهم وثقتهم. سأغادر بعد انتهاء مهمتي سفيرًا لتركيا، لكنني سأبقى صديقًا لقطر وشعبها. * من العلاقة القوية إلى الشراكة الحقيقية حين أستعيد هذه السنوات، أرى أن أهم ما ميّزها هو انتقال العلاقة بين قطر وتركيا من مستوى العلاقات القوية إلى شراكة حقيقية متعددة الأبعاد. لم تعد العلاقة محصورة في السياسة أو الاقتصاد، بل امتدت إلى الدفاع والأمن والاستثمار والتجارة والتعليم والثقافة والسياحة والإعلام، فضلًا عن العلاقات الإنسانية بين الشعبين. والأهم أن هذه العلاقة أصبحت أكثر مؤسسية، ولها آليات واضحة للحوار والتنسيق، وفي مقدمتها اللجنة الإستراتيجية العليا، التي عقدت حتى اليوم إحدى عشرة دورة، ووُقّع في إطارها أكثر من 125 اتفاقية، من بينها 68 اتفاقية جرى توقيعها خلال فترة عملي. لكن الإنجاز الذي أعتز به أكثر من أي رقم هو ترسيخ الثقة المتبادلة. فالاتفاقيات تُوقّع، والمشاريع تُنفّذ، لكن الثقة بين الدول والشعوب هي التي تمنح كل ذلك ديمومته، وتتيح البناء عليه في المستقبل. ولم يكن هذا التقدم ليتحقق لولا ما لمسته من دعم واهتمام متواصلين من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، حفظه الله، ومن معالي الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية، وما وفَّراه من بيئة ساعدت التعاون بين بلدينا على التقدم والتوسع. وكانت وزارة الخارجية القطرية شريكًا أساسيًا لنا، وقام تواصلنا معها على الاحترام والثقة. وأخص بالذكر والتقدير سعادة السفير إبراهيم فخرو، الذي كان قريبًا منا ومتعاونًا وحريصًا على تيسير العمل، وله مني خالص الشكر على مواقفه الأخوية التي أعتز بها. كما أشكر كل مسؤول وموظف قطري تعاملت معه خلال هذه السنوات؛ فكثير من التفاصيل التي قد تبدو صغيرة في العمل اليومي، من كلمة طيبة إلى مساعدة في إنجاز أمر ما، تترك في نهاية المهمة أثرًا لا يُنسى. * زياراتٌ رسمية ومواقف لا تنساها القلوب شهدت فترة عملي زيارات رسمية رفيعة المستوى، من بينها الزيارات المتعددة التي قام بها فخامة الرئيس رجب طيب أردوغان إلى دولة قطر، وزيارات حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني إلى الجمهورية التركية. وكانت اللقاءات بين القائدين تعكس في كل مرة مستوى واضحًا من الثقة والصراحة والتفاهم، خصوصًا في الفترات التي شهدت فيها المنطقة تطورات صعبة وكانت الحاجة إلى التشاور والتنسيق أكبر. ومع ذلك، فإن ما يبقى في الذاكرة إلى جانب الاجتماعات والاتفاقيات هو كثير من اللحظات الإنسانية والعفوية التي أحاطت بهذه اللقاءات، وأظهرت حجم التقارب الذي تشكل على مدى سنوات بين قيادتي البلدين ومؤسساتهما. وقد بدأت مهمتي في الدوحة في ظرف عالمي بالغ الصعوبة مع جائحة كورونا، ولمست خلالها مستوى التعاون بين قطر وتركيا في وقت واجه فيه العالم كله ظروفًا استثنائية. ثم جاءت استضافة قطر لكأس العالم 2022، وكانت من المحطات المهمة التي عشتها هنا. شاركت شركات تركية عديدة في تنفيذ مشاريع مرتبطة بالبطولة، وأسهمت تركيا بخبراتها في دعم جوانب أمنية وتنظيمية، وكنا سعداء بالنجاح الذي حققته قطر في استضافة هذا الحدث العالمي. وحين وقع الزلزال المدمر في تركيا عام 2023، رأيت من قطر، قيادةً وشعبًا، تضامنًا ومساعدات تركت أثرًا عميقًا لدينا. وصلت فرق الإنقاذ والمساعدات والمستشفيات الميدانية، ووجدنا مشاعر تضامن صادقة من المجتمع القطري في واحدة من أصعب اللحظات التي مر بها شعبنا. وظل التنسيق بين البلدين، سياسيًا وإنسانيًا، حاضرًا خلال أزمة غزة، انطلاقًا من الحرص على تخفيف معاناة الفلسطينيين، والدفع نحو وقف إطلاق النار والوصول إلى حل عادل ومستدام. ومن المواقف المؤلمة التي أثرت فيَّ كذلك حادثة سقوط المروحية العسكرية القطرية، حيث كانت مشاعر الحزن والتضامن في تركيا صادقة وقريبة. وحين فقدت قطر صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، شاركنا في تركيا أشقاءنا القطريين حزنهم. فهناك لحظات تذكِّرنا بأن العلاقات بين الدول، مهما اتسعت ملفاتها السياسية والإستراتيجية، تبقى لها أيضًا أبعاد إنسانية يصعب اختزالها في البيانات الرسمية. * آفاقٌ رحبة: من متانة الدفاع إلى تجسير الثقافة والإنسان خلال هذه السنوات، تطور التعاون الدفاعي بين قطر وتركيا من التدريب وتبادل الخبرات إلى تعاون مؤسسي ومشاريع مشتركة، وصولًا إلى الصناعات الدفاعية ونقل التكنولوجيا، على أساس بناء قدرات مشتركة وليس الاكتفاء بعلاقة بيع وشراء. وشهد التعاون الاقتصادي بدوره نموًا ملحوظًا؛ إذ تعمل اليوم أكثر من ألف شركة تركية في قطر، ونحو 250 شركة قطرية في تركيا، إلى جانب اتفاقية التجارة في السلع والخدمات والاستثمار «TEPA» التي تفتح مجالًا أوسع للتعاون. وطموحنا هو رفع حجم التبادل التجاري إلى خمسة مليارات دولار، بالتوازي مع مواصلة تنمية الاستثمارات المتبادلة وفتح مجالات جديدة أمام القطاع الخاص. وما أعتز به بقدر خاص هو ما تحقق في الثقافة والتعليم والسياحة، لأن الشعوب هي التي تمنح الاتفاقيات روحها واستمراريتها. تعاونَّا مع جامعات ومؤسسات تعليمية قطرية، واستفاد أكثر من مائة طالب من برامج المنح خلال هذه السنوات. وأعتز شخصيًا بمشروع المدرسة التركية الجديدة في قطر، الذي بدأنا العمل عليه استجابة لحاجة أبناء الجالية التركية، وأراه استثمارًا في الأجيال القادمة، وليس مجرد مشروع تعليمي. وما كان لهذا المشروع المهم أن يتقدم لولا الدعم الذي قدمته دولة قطر، وهو دعم نقدره لما يحمله من اهتمام بالتعليم وباحتياجات الجالية التركية المقيمة في البلاد. كما أصبحت السياحة جسرًا متينًا بين الشعبين؛ فهناك حضور قطري متزايد ومستمر في مختلف المدن والمناطق التركية، وفي المقابل ازداد اهتمام الأتراك بزيارة قطر والتعرف إليها عن قرب. وفي الملفات الإقليمية، أؤمن بأن قطر وتركيا تدركان أهمية إبقاء باب الحوار مفتوحًا عندما تضيق مساحات الحلول الأخرى. وقد تعاون البلدان في دعم جهود الوساطة والسلام في غزة وسوريا وأفغانستان وغيرها، انطلاقًا من مسؤولية تجاه شعبيهما واستقرار المنطقة. * رسالة إلى أهل الدار أما اليوم، وأنا أستعد للمغادرة، فأريد أن تكون كلمتي الأخيرة إلى أهل قطر. عشت بينكم ست سنوات، ودخلت بيوتًا ومجالس كثيرة، وأول ما يحضرني حين أفكر في هذه السنوات هو الكرم؛ لا كرم الضيافة وحده، بل كرم المشاعر أيضًا. حين تدخل مجلسًا قطريًا، سرعان ما تتراجع الرسميات، ويبدأ التعامل الإنساني المباشر. وكم من مجلس دخلته لا أعرف معظم من فيه، ثم خرجت منه وقد عرفت وجوهًا وأسماء وقصصًا، ونشأت علاقات استمرت بعد تلك الجلسة الأولى. ولمست في كثير ممن عرفتهم من أهل قطر حرصًا على حفظ الود وتقدير المواقف والعلاقات، وهي قيمة وجدتها قريبة جدًا من قيم المجتمع التركي. علمتني مجالسكم أن المجلس ليس مكانًا للجلوس فحسب، بل مساحة لفهم المجتمع وقيمه؛ فيه يتعلم الإنسان حسن الاستماع والاحترام والكرم، ويتعرف إلى الناس بعيدًا عن المكاتب والرسميات. فشكرًا لكم على محبتكم وكرم ضيافتكم، وعلى كل ما جعل من هذه السنوات تجربة ستبقى حاضرة في ذاكرتي. قد لا أتذكر بعد سنوات تفاصيل كل اجتماع أو ملف عملت عليه، لكنني لن أنسى الوجوه والبيوت والمجالس التي فتحت لي أبوابها. وحين يسألني أحد: ماذا ستأخذ معك من قطر؟ سأقول: سأحمل معي ذكريات الناس. فأجمل ما منحته لي هذه السنوات ليس منصبًا ولا مكانًا، بل صداقات وعلاقات إنسانية تركت أثرًا في حياتي. * إذنُ انصراف.. لا كلمة وداع وهكذا أستأذنكم في الانصراف، لا في الوداع. فالوداع يوحي بفراق تام، وأنا لا أشعر أن علاقتي بقطر ستنتهي بانتهاء مهمتي. سأغادر الدوحة حاملًا معي ذكريات وصداقات ومواقف ستبقى عزيزة عليَّ. فهذه الرحلة لم تكن مهمة دبلوماسية فحسب، بل مرحلة من عمري أصبحت فيها قطر جزءًا من ذاكرتي ووجداني. وأرجو أن أعود إليها دائمًا؛ لا بصفة رسمية بالضرورة، بل صديقًا يعود إلى مكان عرف فيه المحبة، وترك فيه أصدقاء سيبقون قريبين منه مهما باعدت المسافات. لذلك، وكما تعلمت من مجالسكم، لا أقول وداعًا. أرفع بصري إلى أهل الدار، وأقول ببساطة: بإذنكم. دمتم بخير، ودامت قطر وتركيا شقيقتين تجمعهما الصداقة والتعاون والوفاء. - سفير الجمهورية التركية في قطر
2778
| 14 سبتمبر 2026