رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

نوت الدوسري

مساحة إعلانية

مقالات

153

نوت الدوسري

أميون... بطريقة أخرى

11 سبتمبر 2026 , 02:00ص

كان للأمية يوما وجه نعرفه، شخص لا يقرأ، لا يكتب، ويقف أمام الكلمات عاجزا عن فكها. وكان السؤال بسيطا: هل تقرأ وتكتب؟ إن كانت الإجابة لا، عرفنا أين تبدأ المشكلة، وأين ينبغي أن يبدأ الحل. لكنني، في اليوم الدولي لمحو الأمية، وجدتني أتوقف أمام سؤال مختلف: ماذا لو كان بعض أميّي هذا العصر يقرأون ويكتبون؟ يحملون شهادات. ويتحدثون أكثر من لغة. ويملكون أحدث الهواتف. ويقرأون مئات الكلمات كل يوم. ومع ذلك، قد يقفون أمام هذا العالم الجديد بالعجز نفسه الذي كان يقف به إنسان الأمس أمام ورقة لا يستطيع قراءتها. فالأمية لم تختف تماما. ربما، تعلمت هي الأخرى كيف تتطور.

قديما، كانت ورقة لا تستطيع قراءتها كافية لأن تعطل أمرا من أمور حياتك. أما اليوم، فقد تكون شاشة. موعد انتقل إلى تطبيق. معاملة اختفت خلف منصة. فاتورة أصبحت إلكترونية. تذكرة تسكن داخل هاتف. ورمز صغير نوجه إليه الكاميرا، فيفتح لنا بابا لم يكن موجودا قبل سنوات. أشياء نفعلها اليوم بلا تفكير، لكنها ليست بهذه البساطة للجميع. فكم مرة ناولنا أب أو أم هاتفا وقال: "سوّها لي". نأخذ الهاتف نضغط هنا. نكتب هناك. ننتظر رمزا يصل في رسالة. ثم نعيد إليه هاتفه ونقول: "خلاص". بالنسبة إلينا، انتهى الأمر في دقيقة. لكن بالنسبة إليه، ربما حدث شيء آخر لم ننتبه إليه: العالم الذي يعرفه يتحرك كل يوم إلى مكان لا يعرف كيف يصل إليه. والغريب أننا نسمي ذلك "تسهيلا". وهو كذلك فعلا، لمن يعرف الطريق. أما من لا يعرفه، فقد تتحول الخدمة التي اختصرت علينا عشر خطوات إلى باب لا يعرف كيف يفتحه. وهنا لا يصبح السؤال: لماذا لم يتعلم؟ بل: هل تأكدنا، ونحن نسرع نحو المستقبل، أن أحدا لم يبق خلفنا؟

لكن الحكاية لا تتوقف عند من لا يجيد استخدام التكنولوجيا. فهناك مفارقة أخرى. قد يعرف شاب هاتفه أكثر مما نعرف نحن هواتفنا. يتنقل بين التطبيقات بسرعة، يصور، يعدل، ينشر، ويصل إلى أي معلومة تقريبا خلال ثوان. ثم تصله رسالة تبدأ بكلمة "عاجل"، فيعيد إرسالها. يشاهد مقطعا مبتورا، فيبني عليه موقفا كاملا. يقرأ عنوانا، ولا يقرأ الخبر. وهنا يظهر نوع آخر من العجز. ليس عجزا عن الوصول إلى المعلومة، بل عن معرفة ماذا نفعل بها بعد أن تصل.

فالمشكلة لم تعد دائما أن الإنسان لا يستطيع القراءة. أحيانا، المشكلة أنه يقرأ ويصدق كل شيء. ثم جاء الذكاء الاصطناعي، وأربك حتى الأشياء التي كنا نظن أننا نجيد قراءتها. صورة أمامنا، هل حدثت فعلا؟ صوت نسمعه، هل قال صاحبه تلك الكلمات؟ نص مرتب، واضح، واثق، هل معلوماته صحيحة؟ وفجأة، لم يعد السؤال: هل تستطيع أن تقرأ ما أمامك؟ بل: هل تعرف ما الذي أمامك أصلا؟ وهنا تصبح القراءة مهارة أكبر من فك الحروف، أن نتوقف، أن نشك قليلا، أن نسأل أكثر، من قال؟ ما المصدر؟ ماذا ينقص هذا المقطع؟ وماذا يوجد خلف هذا العنوان؟

لقد عشنا زمنا كانت فيه المعلومة بعيدة، نبحث عنها في كتاب، أو نسأل عنها شخصا يعرف. أما اليوم، فالمعلومة تعرف طريقها إلينا، تدخل هواتفنا، تظهر أمامنا، وتطلب منا، خلال ثوان، أن نصدقها أو نرفضها أو نشاركها. وكأن الاختبار لم يعد في الوصول إلى المعرفة، بل في النجاة من زحامها، ولهذا أفكر في أبنائنا، نفرح بأول حرف يكتبونه، وبأول كلمة يقرؤونها، ثم نطمئن كلما تحسنت القراءة عاما بعد عام. لكن الطفل الذي نعلمه اليوم كيف يقرأ كتابا، سيكبر في عالم سيقرأ فيه أشياء لم نخترها له، وستصل إليه معلومات لم يبحث عنها، وقد يحاوره ذكاء اصطناعي يعرف كيف يصوغ الإجابة قبل أن يعرف هو كيف يصوغ السؤال.

فهل يكفي أن نعلمه القراءة؟ ربما يحتاج جيله إلى أبجدية أخرى. أبجدية لا تبدأ بــ "أ، ب، ت"... بل بــ: من قال؟ ولماذا؟ وما الدليل؟ لأن محو الأمية في زمنه قد لا يعني فقط أن يعرف كيف يفتح باب المعرفة، بل أن يعرف أي الأبواب لا ينبغي أن يفتحها. وهنا تتغير فكرتنا عن التعليم نفسه. فنحن نتعامل مع الشهادة وكأنها إعلان انتهاء: درست. تخرجت، انتهى. لكن العالم لا يعترف بهذه النهاية، فهو يغير أدواته، ولغته، وأسئلته باستمرار. وما كنا نجيده بالأمس قد يصبح اليوم خطوة أولى فقط. لذلك، ربما لا يكون الجهل أن تواجه شيئا لا تعرفه، كلنا نفعل، الجهل الحقيقي أن تظن أنك لم تعد بحاجة إلى أن تتعلم.

في الثامن من سبتمبر، يذكرنا اليوم الدولي لمحو الأمية بمن لا يزال الحرف حاجزا بينه وبين المعرفة. وهي معركة لم تنته، ولا يجوز أن نفقد معناها الأصلي. لكن ربما يستحق هذا اليوم أن نلتفت أيضا إلى أنفسنا، إلى أمية لا تظهر دائما في الشهادات، ولا تمنع صاحبها من كتابة اسمه، ولا تمنعه من القراءة، ولا حتى من حمل أحدث هاتف، فقد يكون الإنسان متعلما جدا، بلغة عالم انتهى. وفي كل مرة نظن أننا وصلنا، يكتب العالم سطرا جديدا، لذلك ربما لم يعد السؤال: هل تستطيع أن تقرأ؟ بل: هل ما زلت قادرا على أن تتعلم؟ لأن من يتوقف عن التعلم، قد يستيقظ يوما أمام عالم يعرف حروفه كلها، ولا يعرف لغته. وربما نكون جميعا، أمام شيء لم نتعلمه بعد، أميّين... بطريقة أخرى.

مساحة إعلانية