رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
بعض الناس نحسب كلماتنا معهم جيدا، نفكر قبل أن نغضب، ونراجع أنفسنا قبل أن نقسو، ونسارع إلى إصلاح ما أفسدناه، لأننا نعرف، في مكان ما داخلنا، أنهم قد يرحلون. وهناك آخرون، لا نفعل معهم كل ذلك. نغضب براحة أكبر، نؤجل الاعتذار، ونرفع سقف توقعاتنا منهم كل مرة. ليس لأنهم أقل قيمة، بل ربما لأننا أكثر اطمئنانا إلى بقائهم.
وهنا تبدأ واحدة من أغرب المفارقات في العلاقات: نخشى خسارة البعض، فنحسن معاملتهم. ونأمن بقاء آخرين، فننسى أن نخشى خسارتهم. نحسب كلماتنا مع من قد يغلق الباب. ونتركها تخرج كما تشاء مع من نعرف أنه سيتركه مواربا. نلتمس العذر لمن اعتدنا منه التقصير. أما الذي اعتدنا منه الوعي، فتكبر هفوته في أعيننا: أنت بالذات؟ كأن الخطأ لا يقاس بما حدث فقط، بل بمن ارتكبه.
هذا لا يعرف. وذاك كان يجب أن يعرف. هذا طبيعته هكذا. أما ذاك، فوعيه نفسه يصبح حجة عليه. ولا يعني ذلك أن الوعي يعفي صاحبه من مسؤولية خطئه. لكن لماذا نمنحه، بسبب وعيه، مساحة أقل ليكون إنسانا؟
نطالبه أن يتفهم لأنه أعقل. وأن يبدأ بالصلح لأنه أنضج. وأن يتحمل لأنه أقوى. وأن يتجاوز، لأنه دائما كان يفعل. حتى تتحول أجمل صفاته، دون أن نشعر، إلى فاتورة يدفعها كل مرة. وعيه يصبح مطالبة بالمزيد. قوته سببا لنمنحه أقل. وصبره دليلا نستخدمه، لنطلب منه صبرا آخر. ولعل المثل الشعبي المصري اختصر هذه المفارقة بجملة بسيطة: اللي بيشيل... بيشيلوه.
فمن يحمل مرة، نثق بقدرته. ومن يحمل مرتين، نعتاد قدرته. ثم، دون أن نشعر، لا نعود نسأله إن كان قادرا على حمل المزيد. والذي بقي في كل مرة، ننسى أن نسأله كم كلفه البقاء.
والأغرب أننا قد نسمي ذلك ثقة. نقول: هو يفهمني. هي تعرفني. سيتجاوز. لكن هناك فرقا بين أن نطمئن إلى شخص، وأن نطمئن إلى بقائه أكثر مما ينبغي. فالأمان في العلاقات لا يعني أن أكون واثقا أنك لن ترحل مهما فعلت. الأمان الحقيقي، أن تكون واثقا أن بقاءك لن يجعلني أقل حرصا عليك. وهذا لا يحدث بين زوجين فقط. قد يحدث في بيت كامل. مع الابن الأكثر مسؤولية، فنحمله أكثر لأنه يفهم. ومع الأخ الذي يتنازل دائما، فننسى أن تنازله لم يكن واجبا. ومع الصديق الذي يبادر في كل مرة، حتى تصبح مبادرته شيئا ننتظره بدل أن نقدره.
وفي العمل، قد يصبح تميز الموظف هو الحد الأدنى المتوقع منه، بينما تتحول هفوته إلى سؤال: كيف حدث هذا منك أنت؟ وكأننا، كلما رفعنا شخصا في أعيننا، ضيقنا عليه مساحة الخطأ. وربما لا يكون الظلم دائما في حجم الخطأ أو الحساب عليه. أحيانا يكون في كمية الأعذار التي نوزعها حوله. لهذا عشرة أعذار. ولهذا عشرة توقعات. هذا نبحث عن ظروفه. وذاك نطالبه بأن يفهم ظروف الجميع. حتى يصبح الأكثر فهما، هو الأقل حصولا على التفهم.
لكن ما يمنح لنا بمحبة، لا ينبغي أن يتحول مع الوقت إلى حق مكتسب. التفهم ليس واجبا أبديا. والتنازل ليس طبعا يمكن استهلاكه بلا نهاية. والبقاء، ليس ضمانا. فالناس لا يغادرون دائما بالأبواب. أحيانا يبقون في المكان نفسه، ويبدأ شيء في داخلهم بالمغادرة. يبقى الإنسان، لكنه يقلل حديثه. يبقى، لكنه لا يعاتب كما كان. يبقى، لكنه يتعلم أن يحتفظ لنفسه بأشياء كان يأتي بها إلينا. يبقى في الصورة، وتغيب منه أشياء لم ننتبه إلى رحيلها.
وهنا ربما يكون أخطر ما في البقاء: أنه يخدعنا عن الخسارة. فننظر إلى وجود الإنسان ونطمئن، ولا نسأل ماذا بقي منه بعد كل مرة طلبنا منه أن يفهم. ولا كم مرة تجاوز لأنه أحبنا، لا لأن ما فعلناه لم يؤلمه. ولا متى تحول صبره، في أعيننا، من هدية، إلى شيء مضمون.
ربما لهذا يستحق الأقربون منا حرصا أكبر، لا أقل. فالذي لم يهدد يوما بالرحيل، لا يعني أنه لا يتعب. والذي يفهمنا دائما، لا يعني أنه لا يحتاج أن نفهمه. والذي سامح كثيرا، لا يعني أن علينا أن نمنحه سببا جديدا للمسامحة. لأن بعض الناس لا نخسرهم عندما يرحلون فقط، قد نخسر شيئا منهم وهم ما زالوا معنا.
وهذه ربما الخسارة التي يصعب ملاحظتها: أن يبقى الشخص، لكن تقل الأشياء التي كان يمنحنا إياها بحب. أن يبقى، لكن لا يعود إلينا بالطريقة نفسها. وأن نكتشف متأخرين أن ما حسبناه ضمانا، كان اختيارا يتجدد كل يوم. فلا تجعلوا أجمل ما في الإنسان حجة عليه. ولا وعيه سببا للقسوة. ولا صبره سببا لاختبار المزيد من صبره. ولا وفاءه شيئا نطمئن إليه حتى ننسى قيمته. فالبقاء لا ينبغي أن تكون له فاتورة... يدفعها دائما من بقي.
أميون... بطريقة أخرى
كان للأمية يوما وجه نعرفه، شخص لا يقرأ، لا يكتب، ويقف أمام الكلمات عاجزا عن فكها. وكان السؤال... اقرأ المزيد
273
| 11 سبتمبر 2026
أثقل من الحقيبة
في صباح الثلاثين من أغسطس، ستبدو الأشياء مألوفة. حقائب جديدة، دفاتر لم تكتب صفحاتها بعد، زي مدرسي أعد... اقرأ المزيد
183
| 26 أغسطس 2026
خلف الكواليس
انتهى الحفل، امتلأت مواقع التواصل بالصور، وتصدرت العناوين أسماء المتحدثين، وتبادل الناس مقاطع التصفيق، بينما بقي اسم واحد... اقرأ المزيد
207
| 19 أغسطس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حين تبنّى الأمير الوالد المغفور له بإذن الله صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، فكرة إنشاء قناة الجزيرة عام 1996، لم يكن يؤسس مجرد قناة إخبارية تضاف إلى قائمة أرقام الفضائيات، بل كان يضع حجر الأساس لمشروع إنساني ووطني وعروبي وإسلامي، يتجاوز حدود الجغرافيا، ويعيد للعربي حقه في أن يرى العالم بعينيه، ويسمع أخبار أمته بلغته، دون أن يبقى أسيرًا للرواية الغربية، يستجدي منها الحقيقة، أو ينتظر منها إنصافًا قد يأتي وغالبًا لا يأتي. ليس لأني قطري أقول إن الجزيرة أعادت للعقل العربي ثقته، وللمشاهد احترامه، وللإنسان البسيط مكانه المُغتصب. فلم تعد القضايا العربية مجرد أحداث ترويها عواصم العالم وفق مصالحها، بل أصبح للعرب منبر يحمل روايتهم إلى العالم، ويسائل الأقوياء، ويواجه الروايات المتناقضة، ويمنح المظلوم حق الصوت بعدما اعتاد الآخرون الحديث نيابة عنه. ولأن الحقيقة ليست دائمًا موضع ترحيب، فقد دفعت قطر ثمن احتضان هذا المشروع. تعرضت لضغوط سياسية وإعلامية كبيرة ووصل الأمر إلى المطالبة بإغلاق الجزيرة بل والتدخل في خطها التحريري. لكن صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، أدرك أن استقلالية الجزيرة ليست تفصيلًا إداريًا يمكن التفاوض عليه، بل هي جوهر المشروع وروحه وسبب احترامه. ولعل أعظم ما في هذا المشروع أن استقلاليته لم تكن شعارًا يُرفع، بل مبدأ خُلق ليصمد أمام الضغوط والأزمات. وهنا تتجلى قيمة القيادة التي تدرك أن النفوذ الحقيقي لا يتحقق بإسكات الأصوات، وإنما بإتاحة المجال لها. ثم جاءت السنوات الأخيرة بما حملته من حروب وتحولات وتحالفات واضطرابات، لتضع الجزيرة أمام اختبار أكثر صعوبة. فالوصول إلى القمة إنجاز نعم، لكن البقاء عليها مسؤولية أشد وأثقل، فكيف حين تكون في مواجهة قوى تسعى إلى التحكم بالرواية، أو حجب ما لا تريد للعالم أن يراه؟ وهنا تبرز مسؤولية الاستمرار التي حملها حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى حفظه الله في صون الإرث الذي أسسه الأمير الوالد رحمه الله، والمحافظة على استقلالية هذا الصرح، رغم تعاظم التحديات وتبدل موازين القوى. فالإنجاز ليس أن تحمي المشروع حتى ينجح فحسب، بل أن تحمي مبادئه بعد أن يصبح مؤثرًا إلى الحد الذي يثير قلق القوى الكبرى. لقد أثبتت الجزيرة أن القوة الناعمة قد تبلغ من التأثير ما لا تبلغه أدوات القوة التقليدية. فالكاميرا التي تنقل مأساة طفل، والميكروفون الذي يحمل صرخة مظلوم، والصورة التي تفضح انتهاكًا، قد تغيّر وعي الملايين، وتفرض على أصحاب القرار مواجهة أسئلة كانوا يبقونها في الظلام. غير أن هذه المسيرة لم تُكتب بالحبر وحده، بل امتزجت بدماء صحفيين ومصورين ومراسلين قضوا وهم يؤدون رسالتهم، نحسبهم شهداء عند الله. وآخرين ما زالوا يواجهون الخطر، ويواصلون العمل بإيمان مهني بأن الحقيقة تستحق التضحية. ولكل من عمل خلف الشاشة وأمامها نصيب أصيل من هذا الإنجاز وهذا ما أكده الشيخ ناصر بن فيصل آل ثاني مدير شبكة الجزيرة في كلمته أمام حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى الأحد الماضي 1-11-2026. أما نحن القطريين وبعد ثلاثين عامًا يحق لنا أن نفخر بأن من أرضنا انطلقت تجربة إعلامية غيّرت وجه الإعلام العربي، وأصبح لها حضور وتأثير يتجاوز حدود الوطن. وهو فخر يشترك معنا فيه كل عربي وجد صوته، وكل إنسان وجد في الجزيرة نافذة لقضيته. إن الجزيرة ليست مجرد قناة تبث من قطر، بل مسؤولية تاريخية حملتها قطر، وأمانة مهنية دفع ثمنها رجال ونساء من أعمارهم ودمائهم. وفي ذكراها الثلاثين، لا نحتفي بثلاثة عقود من البث، بل بثلاثة عقود من الدفاع عن الإنسان والحق في أن يعرف، وأن يسمع، بل وأن يُسمَع. رحم الله مؤسس هذا المشروع العظيم، وحفظ الله من صان استمراره، ورحم من رحلوا وهم يحملون الحقيقة إلى العالم. فالجزيرة لم تكن يومًا مجرد شاشة، بل كانت، وما زالت، شاهدًا على عصر، وصوتًا للإنسان، ورسالةً أكبر من الحدود.
17331
| 03 نوفمبر 2026
سافرت خلال الأشهر الماضية إلى سوريا عدة مرات، وفي كل مرة كنت أعود إلى الدوحة وأنا أشعر أن جزءاً من قلبي بقي هناك، وأن جزءاً آخر سيبقى هنا، في دوحة الخير، التي احتضنتنا طوال هذه السنين وأكرمتنا حتى أصبحت لنا وطناً ثانياً. مشاعر مختلطة يصعب وصفها بالكلمات، فكما عزّ عليّ فراق سوريا قبل اثنين وعشرين عاماً، يعزّ عليّ اليوم التفكير بمغادرة قطر، هذا البلد الكريم الذي أحببناه وأحبنا، وأكرمنا ووقف إلى جانب بلدنا وشعبنا وأهلنا في أصعب الظروف، ولم يتخلَّ عنا يوماً. وحين انتصر الشعب السوري، فرح أهل قطر بانتصارنا وكأنه انتصارهم، وربما أكثر منا، فقد كانوا شركاءنا في الألم والأمل، وسيبقون شركاءنا في الإنسانية والأخلاق والمبدأ، قبل أن يكونوا شركاءنا في البناء والإعمار، وهم أهل لكل خير ووفاء. خمسة من أبنائي وُلدوا في الدوحة، وكبروا على أرضها، وتعلّموا في مدارسها، وأحبوها كما يحب الإنسان وطنه. يعرفونها أكثر مما يعرفون وطنهم الأم، الذي لم يشربوا من مائه العذب بعد، ولم يتنسموا هواءه العليل. لكنهم سيفعلون ذلك قريباً بإذن الله، وسيكتشفون أن لهم وطناً ينتظرهم وأرضاً تمتد فيها جذورهم، وسيحملون معهم كل ما اكتسبوه في قطر من علم وتربية وقيم، بعد أن وفرت لهم أرقى فرص التعليم، حتى بلغوا بفضل الله أعلى درجات التفوق، ونالوا العلامات التامة مرات عديدة. سيبقى لقطر وأهلها الكرام فضل عظيم في أعناقنا جميعاً، وستبقى محبتهم في قلوبنا ما بقي فينا نفس. فبعض الأوطان لا تربطنا بها أوراق الإقامة والجنسية، بل تربطنا بها المواقف والذكريات والمحبة والوفاء. أما اليوم، فلا شيء لديّ أعلنه سوى الأمل الكبير الذي يحدوني بأن أكون ممن يساهمون في إعادة بناء بلدي، بعد أن عاد إلينا وطناً حراً، وكدنا نظن أننا فقدناه إلى الأبد. لقد آن الأوان أن نعود إلى سوريا، لا بقلوبنا ومشاعرنا فحسب، بل بعقولنا وخبراتنا وسواعدنا، لنساهم في إعادة بناء وطننا، رغم ما ينتظرنا من تحديات وتضحيات. فالعودة ليست قراراً سهلاً، لكن الأوطان لا تُبنى بحسابات الربح والخسارة، ولا يجوز أن ننتظر تحسّن الظروف لنعود، بل علينا أن نكون جزءاً من تحسينها بإذن الله تعالى. فسوريا اليوم تحتاج إلى أبنائها، إلى علمهم وخبراتهم وإخلاصهم، وإلى كل يد تستطيع أن تبني، وكل عقل يستطيع أن يبدع، وكل قلب يحمل لها الخير. وأتذكر اليوم مقالاً نشرته في جريدة الشرق القطرية في يناير 2024، قبل تحرير سوريا، بعنوان (لا بُدّ للطيور المهاجرة من العودة لموطنها)، وختمته بأملٍ كان يرافقنا طوال سنوات الغربة، بأن تتحرر سوريا ويزول عنها الظلم ويعود إليها أبناؤها المشتتون في أصقاع الأرض. وها قد حانت اللحظة التي طال انتظارها، بفضل الله تعالى، ثم بتضحيات شهدائنا الأبرار، وبطولات رجال سوريا الشجعان، وصبر شعبنا العظيم وتضحياته، لنعود إلى وطننا ونساهم في إعادة بنائه، وفاءً لمن بذلوا أرواحهم من أجله. وأؤمن أن من شرف الحياة أن يكون للإنسان موقف ومبدأ ودور في عمل الخير، وأن يترك أثراً طيباً في حياة الناس، دون انتظار مقابل. والأعمار بيد الله عز وجل، وأسأله سبحانه أن يبارك في أعمارنا وأعماركم جميعاً، وأن يستعملنا وإياكم في طاعته وخدمة عباده، وأن يكتب لنا الخير ويكرمنا بشرف المساهمة في نهضة بلدنا وإعادة بنائه. فلا بُدّ للطيور المهاجرة أن تعود إلى موطنها، وها قد آن أوان العودة، والحمد لله رب العالمين. شكراً قطر، على اثنين وعشرين عاماً من الكرم والمحبة والعمل والأمان، وعلى كل ما وجدناه بين أهلك الطيبين من مودة ووفاء. ستبقين وطناً عزيزاً في قلوبنا، نحفظ لكِ ولأهلك الجميل، ونحمل لكم الامتنان أينما كنا. اللهم احفظ قطر وأهلها، وبارك في سوريا وأهلها، وأدم بين البلدين وشعبيهما المحبة والأخوّة والوفاء، واجعل أيامهما عامرة بالخير والأمن والسلام.
3915
| 30 أكتوبر 2026
سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين لهما امتداد راسخ في وجداننا الوطني، وحضور طاغٍ في صفوف جماهير كرة القدم، هما العربي والريان. فالناديان الكبيران بجماهيرِهِما وتاريخهما بعثا الروح في ملاعبنا منذ انطلاقة الدوري عندما حطما أسوار الجمود والتراجع والغياب عن البطولات فقدم فَريقاهما لجَمْهورَيْهِما ما أثلج الصدور، أداءً فنياً وروحاً قتالياً وتصميماً على استمرار الألق والتألق، فاندفع الجمهوران إلى الملاعب كالسيل الهادر باعثين فيها الحياة بعد سنواتٍ من غيابِها عنها. ويكفي دليلا على الحجم الضخم لهما ولجمهوريهما أن المباراة بدأت قبل انطلاق صافرة البداية بأيام حين تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مربعات خضراء يقوم فيها مشجعوهما وعشاقهما بالحملات التي تحث الجماهير على الحضور، وبالتحليلات للجوانب الفنية في أداء فريقيهما، وبمقاطع مصورة بإبداع ووعي لدعم اللاعبين نفسياً. الحديث عن الناديين ذو شُجُونٍ لأنـه يناقش جزءاً من وعينا الرياضي الـمرتبط بهما وببعضِ الأنديةِ الجماهيريةِ الأخرى. فقد كان حضورهما، طوال سنواتٍ، حضوراً كالغِـيابِ لا يليقُ بضخامةِ حضورِهِما في النفوسِ، مما أقفرَ الـملاعبَ التي صارت، كالجماهيرِ، تعيشُ على ذكرياتِ الأمجادِ الغابرةِ. وكان كثيرونَ يتوقعونَ للناديينِ الظهورَ بنفسِ الـمستوياتِ الفنيةِ الهزيلةِ، لكن الأحلامَ تجسدت واقعاً في القلعةِ العرباويةِ، وانتفضَ الأسدُ الرياني هادراً بزئيرِ صحوتـهِ، وإذْ بالـملاعبِ ترتعشُ فرحاً وهي تحتضنُ الأمواج الجماهيريةُ، العرباويةُ والريانيةُ، التي تلاطمَت فيها مُرجِـعَـةً إلى دورينا تَوَهجاً وأَلَقاً افتقدناهما حتى كادَ القُنُوطُ يُخَـيمُ على نفوسِنا. نحتاج لوقفة ندرس فيها الحالة المتقدمة، فنياً وجماهيرياً، للناديين. فهذه الحالة جديرة بأن تقرأ بتأنٍ لأنها تبين لنا الكيفية التي يتم بواسطتها الخلاص من العوامل المعطلة للتقدم في إدارة الأندية الكبيرة، وهو أمر يمكن استثماره في وضع رؤى يسترشد بها مستقبلاً، وتنعكس إيجاباً على الحركة الرياضية، بعامة، وعلى كرتنا، بخاصة. نحن واثقون من حضور جماهيري يعكس تواجد الناديين في شارعنا الرياضي، ومتأكدون من أن الفريقين سيقدمان أداءً مُبهراً يبعث الرضا في قلوب مشجعيهما، ولا نشك للحظة بأن الأحلام العرباوية والأسد الرياني سيرسمان لوحات فنية وأخلاقية رياضية تكون موضع فخر بلادنا ورياضييها. كلمة أخيرة: طالَ الغيابُ لكنَ العَوْدَ أحْمَـدُ، فهنيئاً لـملاعبِنا وجماهيرِ كرتِـنا بعودةِ العربي والريانِ ليَخُطا ملامح الـمجد الكروي من جديد.
3159
| 30 أكتوبر 2026