رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كان للأمية يوما وجه نعرفه، شخص لا يقرأ، لا يكتب، ويقف أمام الكلمات عاجزا عن فكها. وكان السؤال بسيطا: هل تقرأ وتكتب؟ إن كانت الإجابة لا، عرفنا أين تبدأ المشكلة، وأين ينبغي أن يبدأ الحل. لكنني، في اليوم الدولي لمحو الأمية، وجدتني أتوقف أمام سؤال مختلف: ماذا لو كان بعض أميّي هذا العصر يقرأون ويكتبون؟ يحملون شهادات. ويتحدثون أكثر من لغة. ويملكون أحدث الهواتف. ويقرأون مئات الكلمات كل يوم. ومع ذلك، قد يقفون أمام هذا العالم الجديد بالعجز نفسه الذي كان يقف به إنسان الأمس أمام ورقة لا يستطيع قراءتها. فالأمية لم تختف تماما. ربما، تعلمت هي الأخرى كيف تتطور.
قديما، كانت ورقة لا تستطيع قراءتها كافية لأن تعطل أمرا من أمور حياتك. أما اليوم، فقد تكون شاشة. موعد انتقل إلى تطبيق. معاملة اختفت خلف منصة. فاتورة أصبحت إلكترونية. تذكرة تسكن داخل هاتف. ورمز صغير نوجه إليه الكاميرا، فيفتح لنا بابا لم يكن موجودا قبل سنوات. أشياء نفعلها اليوم بلا تفكير، لكنها ليست بهذه البساطة للجميع. فكم مرة ناولنا أب أو أم هاتفا وقال: "سوّها لي". نأخذ الهاتف نضغط هنا. نكتب هناك. ننتظر رمزا يصل في رسالة. ثم نعيد إليه هاتفه ونقول: "خلاص". بالنسبة إلينا، انتهى الأمر في دقيقة. لكن بالنسبة إليه، ربما حدث شيء آخر لم ننتبه إليه: العالم الذي يعرفه يتحرك كل يوم إلى مكان لا يعرف كيف يصل إليه. والغريب أننا نسمي ذلك "تسهيلا". وهو كذلك فعلا، لمن يعرف الطريق. أما من لا يعرفه، فقد تتحول الخدمة التي اختصرت علينا عشر خطوات إلى باب لا يعرف كيف يفتحه. وهنا لا يصبح السؤال: لماذا لم يتعلم؟ بل: هل تأكدنا، ونحن نسرع نحو المستقبل، أن أحدا لم يبق خلفنا؟
لكن الحكاية لا تتوقف عند من لا يجيد استخدام التكنولوجيا. فهناك مفارقة أخرى. قد يعرف شاب هاتفه أكثر مما نعرف نحن هواتفنا. يتنقل بين التطبيقات بسرعة، يصور، يعدل، ينشر، ويصل إلى أي معلومة تقريبا خلال ثوان. ثم تصله رسالة تبدأ بكلمة "عاجل"، فيعيد إرسالها. يشاهد مقطعا مبتورا، فيبني عليه موقفا كاملا. يقرأ عنوانا، ولا يقرأ الخبر. وهنا يظهر نوع آخر من العجز. ليس عجزا عن الوصول إلى المعلومة، بل عن معرفة ماذا نفعل بها بعد أن تصل.
فالمشكلة لم تعد دائما أن الإنسان لا يستطيع القراءة. أحيانا، المشكلة أنه يقرأ ويصدق كل شيء. ثم جاء الذكاء الاصطناعي، وأربك حتى الأشياء التي كنا نظن أننا نجيد قراءتها. صورة أمامنا، هل حدثت فعلا؟ صوت نسمعه، هل قال صاحبه تلك الكلمات؟ نص مرتب، واضح، واثق، هل معلوماته صحيحة؟ وفجأة، لم يعد السؤال: هل تستطيع أن تقرأ ما أمامك؟ بل: هل تعرف ما الذي أمامك أصلا؟ وهنا تصبح القراءة مهارة أكبر من فك الحروف، أن نتوقف، أن نشك قليلا، أن نسأل أكثر، من قال؟ ما المصدر؟ ماذا ينقص هذا المقطع؟ وماذا يوجد خلف هذا العنوان؟
لقد عشنا زمنا كانت فيه المعلومة بعيدة، نبحث عنها في كتاب، أو نسأل عنها شخصا يعرف. أما اليوم، فالمعلومة تعرف طريقها إلينا، تدخل هواتفنا، تظهر أمامنا، وتطلب منا، خلال ثوان، أن نصدقها أو نرفضها أو نشاركها. وكأن الاختبار لم يعد في الوصول إلى المعرفة، بل في النجاة من زحامها، ولهذا أفكر في أبنائنا، نفرح بأول حرف يكتبونه، وبأول كلمة يقرؤونها، ثم نطمئن كلما تحسنت القراءة عاما بعد عام. لكن الطفل الذي نعلمه اليوم كيف يقرأ كتابا، سيكبر في عالم سيقرأ فيه أشياء لم نخترها له، وستصل إليه معلومات لم يبحث عنها، وقد يحاوره ذكاء اصطناعي يعرف كيف يصوغ الإجابة قبل أن يعرف هو كيف يصوغ السؤال.
فهل يكفي أن نعلمه القراءة؟ ربما يحتاج جيله إلى أبجدية أخرى. أبجدية لا تبدأ بــ "أ، ب، ت"... بل بــ: من قال؟ ولماذا؟ وما الدليل؟ لأن محو الأمية في زمنه قد لا يعني فقط أن يعرف كيف يفتح باب المعرفة، بل أن يعرف أي الأبواب لا ينبغي أن يفتحها. وهنا تتغير فكرتنا عن التعليم نفسه. فنحن نتعامل مع الشهادة وكأنها إعلان انتهاء: درست. تخرجت، انتهى. لكن العالم لا يعترف بهذه النهاية، فهو يغير أدواته، ولغته، وأسئلته باستمرار. وما كنا نجيده بالأمس قد يصبح اليوم خطوة أولى فقط. لذلك، ربما لا يكون الجهل أن تواجه شيئا لا تعرفه، كلنا نفعل، الجهل الحقيقي أن تظن أنك لم تعد بحاجة إلى أن تتعلم.
في الثامن من سبتمبر، يذكرنا اليوم الدولي لمحو الأمية بمن لا يزال الحرف حاجزا بينه وبين المعرفة. وهي معركة لم تنته، ولا يجوز أن نفقد معناها الأصلي. لكن ربما يستحق هذا اليوم أن نلتفت أيضا إلى أنفسنا، إلى أمية لا تظهر دائما في الشهادات، ولا تمنع صاحبها من كتابة اسمه، ولا تمنعه من القراءة، ولا حتى من حمل أحدث هاتف، فقد يكون الإنسان متعلما جدا، بلغة عالم انتهى. وفي كل مرة نظن أننا وصلنا، يكتب العالم سطرا جديدا، لذلك ربما لم يعد السؤال: هل تستطيع أن تقرأ؟ بل: هل ما زلت قادرا على أن تتعلم؟ لأن من يتوقف عن التعلم، قد يستيقظ يوما أمام عالم يعرف حروفه كلها، ولا يعرف لغته. وربما نكون جميعا، أمام شيء لم نتعلمه بعد، أميّين... بطريقة أخرى.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5484
| 23 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4911
| 22 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3024
| 24 سبتمبر 2026