رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

نوت الدوسري

مساحة إعلانية

مقالات

27

نوت الدوسري

خارج التعميم

06 نوفمبر 2026 , 12:00ص

تخيلت للحظة أن لكل من يدخل المدرسة كشفا للسلوك. ليس للطالب وحده. ورقة صغيرة ترافق الجميع؛ يكتب فيها ارتفاع الصوت، والكلمة التي تجاوزت حدودها، والطريقة التي عومل بها الآخر، والموقف الذي كان يمكن أن ينتهي باحترام، لكنه لم يفعل.

تخيلتها فقط. ثم عدت إلى التعميم. قرأته، وتوقفت عند بنوده؛ عند الحقوق والمسؤوليات، وعند كل ما يحاول أن يرسم حدودا واضحة للسلوك داخل المدرسة؛ حماية للطالب، وحفظا لمكانة المعلم، وصونا لبيئة يفترض أن يتعلم فيها أبناؤنا الاحترام قبل أن نحاسبهم عليه.

وهذا جميل، بل ضروري. لكن شيئا واحدا ظل يلح عليَّ: لماذا نتذكر السلوك غالبا عندما يكون صاحبه طالبا؟ فالسلوك لا يرتدي دائما زيا مدرسيا. أحيانا يعلق بطاقة موظف. وأحيانا يجلس خلف مكتب. وأحيانا يقف في ممر، أو عند بوابة، أو يرد على ولي أمر، أو يختلف مع زميل. وقد يكون الخطأ مجرد نبرة. نبرة واحدة كفيلة بأن تجعل أبسط سؤال يبدو وكأنه تعد، وأبسط طلب يبدو وكأنه عبء، وأبسط خلاف يتحول إلى معركة صغيرة لم يكن لها أن تبدأ أصلا. ولست هنا أضع الطاقم المدرسي في قفص الاتهام، ففي مدارسنا من يترك في نفسك أثرا أجمل من الموقف الذي جئت من أجله. تدخل إليه وفي داخلك عتب، فتخرج وأنت تخجل من عتبك أمام رقي أسلوبه. ينصت دون أن يشعرك بأنك عبء، ويختلف دون أن ينتقص منك، ويؤدي ما عليه بطريقة تجعلك تشكره وكأنه فعل لك ما ليس مطلوبا منه. فبعض الناس لا يحتاجون أن يشرحوا لك معنى التربية، يكفي أن تتعامل معهم.

لكن في الجهة الأخرى، هناك من يعرفه المكان جيدا. هذه تعرف كيف تختار كلماتها معها. وذلك يعرف متى ينسحب من النقاش. والبقية يعرفون أن بعض الأبواب من الأفضل ألا تطرق كثيرا. وقد تعرف الإدارة أيضا. لا لأن السلوك خفي، بل لأنه تكرر حتى أصبح معروفا.

وهنا يحدث ما يستحق أن يوضع تحته أكثر من خط:

لا يتغير صاحب السلوك، يتغير المكان من حوله. هذه تتجنب. وذاك يصمت. وآخر يمرر الموقف، لا اقتناعا بأن ما حدث صحيح، بل لأن السلامة أحيانا في ألا تبدأ نقاشا تعرف مسبقا كيف سينتهي.

وبعد فترة، يصبح لسوء الأدب امتياز غريب:

الجميع يعرفه، والجميع يتحاشاه، وهو وحده قد يظن أن الجميع يحترمه. مع أن المسافة بين الأمرين شاسعة، فليس كل من صمت أمامك احترمك. ربما اختار السلامة من لسانك فحسب. والمشكلة أن المشهد لا يحدث خلف ستار، هناك من يراه.

طالب نطالبه كل يوم بأن يضبط انفعاله، وينتقي ألفاظه، ويحترم الآخر، ويتحمل نتيجة تصرفه. طالب قد لا يقرأ كل صفحات التعميم، لكنه يقرأنا جيدا. يقرأ نبرة الصوت، وطريقة الاختلاف، والوجه الذي نستقبل به الآخرين، والكلمة التي نقولها عندما نعتقد أنها ستمر بلا حساب.

ثم نقف أمامه لنشرح له السلوك الإيجابي. وهنا تبدو المفارقة أكبر من أي بند. كيف نطلب منه أن يخفض صوته، إذا كان الصوت المرتفع يمر أمامه بلا مساءلة؟ وكيف نقنعه أن الاحترام لا يتجزأ، إذا رآه يمنح لشخص ويسحب من آخر؟ فالطالب قد ينسى يوما ما رقم المخالفة، ودرجتها، والإجراء المترتب عليها. لكنه لن ينسى بسهولة كيف جعله أحدهم يشعر. ولن ينسى كيف رأى الكبار يعامل بعضهم بعضا. فالتربية ليست دائما ما نقوله لأبنائنا، أحيانا هي ما نفعله ونحن نظن أنهم لا ينتبهون.

لهذا، ربما لم يكن السؤال الذي بقي معي بعد قراءة التعميم: ما عقوبة هذا السلوك أو ذاك؟ كان أبسط من ذلك بكثير: لو كانت لنا جميعا كشوف للسلوك، فهل سنرضى أن يقرأ أبناؤنا ما كتب في كشوفنا؟ ربما عندها سنكتشف أن بعض البنود التي نطالب الطالب بحفظها لا تحتاج إلى شرح طويل. تحتاج فقط... ألا نعيش خارج التعميم.

مساحة إعلانية