رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

نوت الدوسري

مساحة إعلانية

مقالات

153

نوت الدوسري

خلف الكواليس

19 أغسطس 2026 , 10:47م

انتهى الحفل، امتلأت مواقع التواصل بالصور، وتصدرت العناوين أسماء المتحدثين، وتبادل الناس مقاطع التصفيق، بينما بقي اسم واحد غائبا. ليس لأنه لم يعمل، بل لأنه عمل حتى لم يعد أحد ينتبه إلى وجوده.

في صباح اليوم التالي، كانت القاعة نظيفة، والكراسي في أماكنها، والأجهزة أعيدت إلى مخازنها، والستارة أغلقت كما لو أن شيئا لم يحدث. لم يسأل أحد: من أعاد كل شيء إلى مكانه؟ ربما لأننا اعتدنا أن نلتفت إلى المشهد بعد اكتماله، وننسى أولئك الذين يقضون وقتهم في ترتيب التفاصيل التي لا يراها أحد.

لكن الغريب أن الكواليس ليست مكانا كما نظن، إنها حياة. فكل إنسان يحمل في داخله قصة لا يعرفها الآخرون، ومعركة لم يشهدها أحد، وأياما تظاهر فيها بالقوة بينما كان يجاهد حتى لا ينكسر. قد ترى شخصا يضحك من قلبه، ولا يخطر في بالك أن تلك الضحكة جاءت بعد ليلة طويلة من مقاومة القلق. وقد تصافح إنسانا يبدو واثقا، بينما كان قبل دقائق فقط يحاول أن يقنع نفسه بألا يستسلم. وقد تقرأ مقالا في دقائق، فتظن أن كاتبه وجد كلماته بسهولة، بينما وراء كل سطر صفحات لم ترضه، وبدايات انتهت في سلة المهملات، ومحاولات لم يسمح لها أن ترى النور، لأنه كان يبحث عن كلمة تستحق أن تبقى. فنحن لا نرى إلا النسخة الأخيرة. أما كل ما سبقها، فيبقى غالبا خلف الكواليس.

وربما لهذا نظلم كثيرا من الحكايات حين نحكم عليها من نهايتها. نرى الناجح بعد أن وصل، ولا نعرف عدد المرات التي عاد فيها إلى نقطة البداية. نرى الإنسان قويا، ولا نعرف كم مرة جمع نفسه بعيدا عن أعيننا. نرى بابا فتح لأحدهم، ولا نعرف كم بابا أغلق قبله. ثم نفعل شيئا أكثر قسوة، نقارن كواليس حياتنا... بمشهد الآخرين الأخير. فننظر إلى ما وصلوا إليه، وننسى أننا لم نر الطريق. والمشكلة ليست في أننا لا نعرف ما يحدث خلف الكواليس، بل في أننا نتصرف أحيانا وكأنها غير موجودة.

نحسد نتيجة لا نعرف ثمنها. ونحكم على إنسان من موقف لم نعرف ما سبقه. ونستكثر على أحدهم نجاحا لم نشهد سنوات انتظاره. وربما لو رأينا من حياة الآخرين ما لا يظهر في الصور، لأصدرنا أحكاما أقل، ومنحنا أعذارا أكثر.

فبعض ما سميناه برودا، كان إرهاقا. وبعض ما حسبناه قوة، كان محاولة أخيرة للتماسك. وبعض من ظننا أن الحياة اختارتهم بسهولة، كانوا فقط يعرفون كيف يخفون ما دفعوه مقابل الوصول. لكن للكواليس وجها آخر. فأحيانا، لا نكون نحن أصحاب الحكاية أصلا، بل نكون جزءا من كواليس حكاية شخص آخر.

كلمة قلتها ثم نسيتها، وبقيت معه. فرصة فتحتها لأحدهم دون أن تعرف إلى أين ستقوده. رسالة كتبتها في لحظة عابرة، فوصلت إلى إنسان كان يحتاجها في تلك اللحظة. أو حتى ابتسامة لم تعن لك الكثير، لكنها جاءت لقلب كان يخوض معركته بصمت.

نحن لا نختار دائما اللحظات التي نصنع فيها الأثر. ولا نعرف متى يصبح حضورنا في حياة أحدهم نقطة فاصلة. وربما لهذا لا تقاس قيمة الإنسان بعدد المرات التي وقف فيها تحت الضوء، بل بما تركه في حياة الآخرين، حتى حين لم يكن أحد ينظر إليه.

نحن نعيش في زمن يحب الصورة الأخيرة. النتيجة. المنصة. الاسم. لحظة الوصول. لكن الحياة لا تحدث كلها هناك. جزء كبير منها يحدث في المساحات التي لا يصفق لها أحد. في محاولة لم تنجح، لكنها علمتنا. في يد امتدت لنا ولم تظهر في الصورة. في شخص آمن بنا قبل أن يصبح لدينا ما يثبت أننا نستحق ذلك الإيمان. وفي أيام لم يكن فيها أحد يشاهدنا. ومع ذلك أكملنا.

وربما لهذا لا يخبرنا التاريخ بكل الأسماء، فبعض الأسماء لا تظهر في الصور، ولا تحفظها العناوين، لكنها تبقى في قرارات اتخذناها، وفي شجاعة وجدناها، وفي طرق اخترناها، وفي النسخة التي أصبحنا عليها.

وفي النهاية، ربما لم يكن السؤال يوما: من وقف على المسرح؟ ولا: من نال التصفيق؟ بل: كم حكاية حكمنا عليها لأننا لم نر منها إلا المسرح؟ وكم شخصا يقف خلف المشهد الذي نسميه اليوم حياتنا؟ أشخاص قد لا نتذكر أسماء بعضهم. وقد لا يعرف بعضهم أصلا ماذا فعل بنا. لكن شيئا منهم بقي فينا.

لذلك، في المرة القادمة التي تنظر فيها إلى مشهد مكتمل، لا تنظر طويلا إلى من يقف في المنتصف. انظر قليلا إلى الأطراف. فربما كان أهم من في الحكاية، ذلك الذي لم يظهر في الصورة أصلا.

مساحة إعلانية