رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

نوت الدوسري

مساحة إعلانية

مقالات

195

نوت الدوسري

ما وراء الممر

30 يوليو 2026 , 01:00ص

ليست كل الأخبار تُقرأ، بعضها يعيد ترتيب العالم في داخلنا. ولهذا، لم يكن غريبا أن يعود اسم ممر بحري إلى الواجهة مرة بعد أخرى، كلما اشتد التوتر ثم هدأ قليلا، وكأن العالم كله يحبس أنفاسه في انتظار ما ستقوله الأمواج. لكن الحقيقة أن البحر لم يكن يوما أكثر ما يستحق التأمل. فالذي تغير حقا، لم يكن البحر. بل الإنسان.

هناك فرق كبير بين أن تعرف مكانا على الخريطة، وأن تشعر بأنه أصبح قريبا منك. لسنوات، كانت أسماء كثيرة تمر في نشرات الأخبار، نعبرها كما نعبر الكلمات العابرة، دون أن تترك فينا أثرا. لكن بعض الأسماء لا تبقى على الورق. تغادر الخرائط، وتدخل تفاصيل الحياة. ليس لأنها اقتربت منا جغرافيًا، بل لأن العالم لم يعد يسمح لأي حدث أن يبقى بعيدا بما يكفي. ربما لهذا لم تعد المسافات تقاس بالكيلومترات. بل بالأثر. فقد يكون المكان على بعد آلاف الكيلومترات، لكن أثره يقف على باب بيتك في اليوم نفسه.

ومنذ أشهر، والمنطقة تتأرجح بين التهدئة والتصعيد. يهدأ الخبر قليلا، ثم يعود. ويهدأ القلق، ثم يجد سببا جديدا ليعود. ومع كل موجة جديدة، بدا لي أن أكثر ما تستنزفه الأزمات الممتدة ليس الاقتصاد، ولا السياسة، ولا حتى الأعصاب، بل الوقت. فالإنسان لا يعيش أيامه كما كانت. يمضي إلى عمله. ويجلس مع أسرته. ويخطط للغد. لكن شيئا في داخله يبقى واقفا، ينتظر. وكأن الزمن نفسه أصبح يعيش على خبر عاجل. ولهذا، فليست كل الأزمات تقاس بما أحدثته، بل بما تركته عالقا في داخل الإنسان.

ولعل هذا ما يدعونا إلى إعادة النظر في معنى الاستقرار. فالاستقرار ليس غياب الأزمات عن العالم. وليس أن تظل البحار هادئة. ولا أن تتوقف الأخبار عن الركض. الاستقرار الحقيقي، هو أن يبقى الإنسان قادرا على أن يعيش يومه كاملا، دون أن يسرقه انتظار الغد. فالأزمات الممتدة لا تسرق أيامنا، بل تسرق قدرتنا على عيشها كاملة. ولهذا، فإن الأوطان لا تحمي الإنسان بحدودها فقط. بل بما تمنحه له من شعور بالأمان، وثقة بالمستقبل، ويقين بأن الحكمة قادرة على أن تجد طريقها، مهما ارتفع ضجيج الأحداث.

ومع كل عنوان عاجل، ينشغل العالم بالسؤال: ماذا سيحدث للممر؟ لكنني كنت أفكر في سؤال آخر. ماذا يحدث للإنسان، كلما طال وقوفه بين الطمأنينة والترقب؟ هناك، لا تتغير الخرائط. بل تتغير نظرتنا إليها. ولا تضيق البحار. بل تضيق المسافة بين الخبر وقلب الإنسان. وعندها، لا يعود الزمن يقاس بالساعات، بل بعدد المرات التي نؤجل فيها طمأنينتنا إلى إشعار آخر.

ثم أدركت، أننا كنا ننظر إلى الممر الخطأ. فالخرائط كانت تشير إلى البحر، بينما كانت الممرات الحقيقية ترسم في مكان آخر. هناك، حيث يعبر الخبر إلى العقل. ثم يعبر من العقل إلى القلب. ثم يعبر من القلب إلى تفاصيل يوم كامل. عندها، لا يعود السؤال: هل سيغلق الممر؟ بل يصبح: كم أغلق الانتظار في داخل الإنسان؟ وكم من نافذة فتحها الوعي؟

لعل الممر لم يكن يوما مجرد شريط يفصل بين ضفتين. بل امتحانا هادئا، يذكرنا بأن العالم، مهما اتسع، لا يعيش أحد فيه وحده. وأن الطمأنينة ليست عادة اعتدناها، بل نعمة لا ندرك قيمتها إلا عندما يعلو ضجيج العالم.

وحين هدأ صخب الأخبار قليلا، لم أعد أفكر في البحر. ولا في السفن. ولا في الممر. كنت أفكر، كم مرة نظن أن الأزمات تغير العالم، بينما هي، في الحقيقة، تغير علاقتنا بالزمن. فلا يصبح الغد موعدا ننتظره، بل سؤالا نترقبه. وربما لم يكن العالم ينتظر ما سيحدث في البحر، بقدر ما كان ينتظر أن يعود الزمن إلى إيقاعه الطبيعي. فالإنسان لا يخشى الأخبار بقدر ما يخشى أن يعيش طويلا، دون أن يعرف متى تنتهي. ولهذا، لم يكن ما وراء الممر بحرا. ولا سفنا. ولا خرائط.

كان زمنا... تأخر في العبور.

اقرأ المزيد

الأب.. ظِلٌّ لا يميل الأب.. ظِلٌّ لا يميل

هناك كلمة إذا نُطقت، اعتدل لها القلب قبل اللسان، وارتجف لها الوجدان قبل أن يفهمها العقل. كلمةٌ تحمل... اقرأ المزيد

138

| 31 يوليو 2026

أدب الحوار ونهي الشريعة عن صخب الصوت أدب الحوار ونهي الشريعة عن صخب الصوت

وهم علو النبرة يُخطئ من يظن أن ارتفاع الصوت أثناء الحوار هو وسيلة لإثبات الحجة أو أداة فعالة... اقرأ المزيد

168

| 31 يوليو 2026

حصص التربية الرياضية بالأندية حصص التربية الرياضية بالأندية

الرياضة محور أساسي من محاور العملية التعليمية، يقول تعالى في سورة البقرة آية 247 (قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ... اقرأ المزيد

120

| 30 يوليو 2026

مساحة إعلانية