رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حوادث ووقائع تسمع بها أو تقرأ عنها، تجعلك تتساءل فجأة: كيف؟ فلا تجد إجابة بالطريقة التي ربما تريدها، وقد تترك البحث عن الموضوع أو تعيد الأمر إلى الزاوية الآمنة لك، التي إن لجأت إليها اطمأن قلبك، وسرت آمناً مطمئناً في حياتك، وكانت تلك الطمأنينة بمثابة طاقة شحن نووية لا تنفد، تعيش بها إلى ما شاء الله لك أن تعيش.
فما القصة؟
• يخرج نبي الله يونس - عليه السلام - من قريته، بعد أن مكث فيهم حيناً من الدهر يدعوهم إلى الله ولكن دون نتيجة، حيث كذبوه وتمردوا عليه حتى خرج من القرية، وبقية القصة المعروفة وأهم مشاهدها، ساعة أن التقمه الحوت، فيدخل جوفه، لتتعطل فوراً قوانين الهضم عند هذا الحيوان الضخم، كيلا يتأثر نبي الله يونس بن متّى، لحكمة أرادها سبحانه. مشهدٌ لا تفسير له في عالم القوانين والنواميس.
• يخرج نبي الله عُزير - عليه السلام - ذات يوم مع حماره، فيمر على قرية مهجورة خاوية على عروشها، فيتساءل بينه وبين نفسه ( أنّى يحي الله هذه بعد موتها ) فيموت من فوره بعد هذا التساؤل. ثم أحياه الله بعد مائة عام، فقام وقد شعر أنه نام أكثر من اللازم، حتى تبين له ما حدث وأدرك أن الله على كل شيء قدير. إنه فعلياً مشهد من مشاهد القيامة، لكن بقدرة الله يحدث هذا المشهد في هذه الحياة الدنيا. إن من يموت في الدنيا لا يعود ثانية إلا يوم القيامة، لكن أن يموت في الحياة الدنيا، ثم يعود من موته في نفس الحياة، فهذا مشهدٌ لا تفسير له في عالم القوانين والنواميس.
• يجتمع الناس بالآلاف لرؤية نبي الله إبراهيم الخليل - عليه السلام – يلقى جزاء ما فعل بأصنامهم، حيث تقرر حرقه في نار كبيرة، فيؤتى به – عليه السلام – وقد وثقت يداه بالحبال، وألقي بالنار، فيخرج بعد قليل ولم يحترق منه شيء سوى الحبال المقيدة بها يديه، في مشهد أذهل كل من كان حاضراً حينها، وأذهل من سمع بها لاحقاً إلى يوم الناس هذا.. كيف يتعطل قانون الحرق الخاص بالنار، فلا تُحرق سوى الحبال؟ مشهد لا شك أنه مذهل، بل مشهدٌ لا تفسير له في عالم القوانين والنواميس.
• نبقى مع خليل الرحمن وهو يمسك بيد ابنه إسماعيل – عليهما السلام - من بعد أن بلغ معه السعي، أي وصل الى السن الذي سيبدأ الأب يعتمد عليه في أموره ويكون عوناً له، فإذا وحيٌ من الله يأمره بذبح الابن ! ولك أن تتخيل شعور الأب، الشيخ الكبير وهو سائر لذبح ولده الوحيد الذي جاءه من بعد أن بلغ من الكبر عتيا. حتى إذا حانت ساعة الذبح، يتوقف قانون القطع في السكين، فلم تقطع رقبة إسماعيل – عليه السلام – بعد محاولات عدة، إلى بقية القصة المعروفة. مشهدٌ لا تفسير له في عالم القوانين والنواميس.
• مريم العذراء تحمل جنيناً مباركاً في رحمها دون أن يمسسها بشر، ويعرف الناس بولادتها فتدور علامات الاستفهام حولها، فتدع الوليد يتكلم الوليد، ويكون كلامه جواباً أخرس كل الألسنة، وأذهل كل من كان حاضراً يسمع، ومن سيسمع بعد ذلك إلى يوم القيامة.. إن حمل المرأة يتم وفق قانون معروف، لكن أن يحدث حمل يناقض هذا القانون، كحال مريم العذراء، فهذا أمر لم ولن يتكرر. مشهدٌ لا تفسير له في عالم القوانين والنواميس.
• يقوم النبي الكريم – صلى الله عليه وسلم – من فراشه ليلاً ليرافق سيد الملائكة جبريل - عليه السلام - على دابة البراق، لتسري بهما من مكة إلى الأقصى في لمح البصر، ثم تعرج بهما إلى السماوات العلا، ويتوقف جبريل عند مقام معين، ليواصل النبي الكريم – صلى الله عليه وسلم – العروج إلى سدرة المنتهى، عندها جنة المأوى حتى يصل إلى مقام لم يصله مخلوق قط، فيرى من آيات ربه الكبرى. ثم يعود بعد ذلك إلى فراشه في بيته بمكة، والذي كان لا يزال دافئاً ! فأي عقل وأي منطق يمكن أن يستوعب هذا المشهد؟ فإن تسافر في ذلك الزمان من مكة إلى المسجد الأقصى وعلى ظهور الإبل، كان في العادة يستغرق شهراً ذهاباً وبالمثل إيابا، فكيف يسافر النبي الكريم – صلى الله عليه وسلم – وبحسب وصف الرحلة، ثم يعود إلى مكانه، في أجزاء من الثانية، أو في اللا زمن؟
كيف يرتفع إلى السماوات وما يعني ذلك الخروج من المجموعة الشمسية فالمجرة، ثم تليها مجرات ومجرات حتى يصل إلى حافة الكون وأبعد، في رحلة تستغرق ملايين السنين لبلوغها، على افتراض وجود مركبات تسير بسرعة الضوء؟ كيف يقوم بها النبي الكريم – صلى الله عليه وسلم – في دقيقة أو أقل وفق الحسابات البشرية؟ لا شك أنه مشهدٌ لا تفسير له في عالم القوانين والنواميس.
• مثال أخير نختم به سرد المشاهد الخارقة للنواميس والقوانين الكونية، هو مشهد فتية الكهف، الذين فروا بدينهم من ملك ظالم طاردهم ليس لشيء، سوى أنهم آمنوا بالله العزيز الحميد. فدخلوا كهفاً بعيداً عن المدينة، وكانوا سبعة وثامنهم كلبهم. وما إن استقروا في الكهف حتى نزلت عليهم السكينة، فناموا، ليس يوماً أو بعض يوم، بل ثلاثمائة وتسع سنوات !
وجه الغرابة والدهشة أن أجسامهم لم تتغير وتبلى، على عكس القانون المعروف الخاص بالأجسام البشرية التي تبلى وتتحلل بعد حين من الدهر قصير، بحيث لا يبق منها سوى عجب الذنب. أما أصحاب الكهف، فقد توقفت القوانين والنواميس مع أجسامهم مدة ثلاثة قرون وازدادوا تسعا. إنه مشهدٌ لا تفسير له في عالم القوانين والنواميس.
زبدة الكلام
الله سبحانه وتعالى حين يخرق قوانين وسنن الكون على شكل معجزات ليشاهدها الناس، أو أحياناً دون أن يشاهدها أحد سوى المعنيين بالحدث فقط، فإنما لحكم معينة. واحدة منها أن المعجزة أو الحدث غير المعهود للبشر، عبارة عن رسالة إلهية مؤيدة للرسول، بمعنى أنه مرسل من الله، وأنه لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحيٌ يوحى. ومنها، وهي الأهم من سابقتها، أن الله يفعل ما يشاء، وقتما يشاء، وأينما يشاء وكيفما يشاء.
إن من وضع القانون هو القادر على أن يخرقه. وإن خرق القوانين والسنن ليس بأكبر من خلق موجودات هذا الكون، الذي لا زال يتمدد ويتوسع، بل إن كل تلك المخلوقات ليست بأكبر من مشهد خلق الكون نفسه من لا شيء، أو مشهد الفتق العظيم أو ما نسميه بالانفجار العظيم.. والله سبحانه أكبر وأجل وأعظم.
نحن مطالبون بالإيمان والتسليم التام أن الله حق، وأن ما يفعله حق، وإن لم تستوعب عقولنا المحدودة وقلوبنا، الحكمة من وراء بعض الحوادث الخارقة للسنن والقوانين الكونية المعروفة. وإن الثبات على هذا الإيمان التام واليقين الراسخ، هو التحدي الأكبر عند الإنسان. فليس شرطاً أن تؤمن بالذي يتوافق وعقلك وفهمك دوماً، وذلك لسبب وجيز هو أن عقل الإنسان - كما أسلفنا - مهما بلغ، فسيظل قاصراً ناقصاً محدودا، وإن الاعتماد عليه في مسائل الإيمان، قد لا يأتي بنتائج تسر صاحبه، لا في الدنيا ولا في الآخرة.
أبوبكر الصدّيق – رضي الله عنه – لم يرفض معجزة الإسراء والمعراج الخارقة لكل قوانين السرعة والجاذبية والضغط وغيرها، بل صدّقها من فوره، فصار صديقاً، في الوقت الذي ارتد عدد من الذين أسلموا في تلك الفترة، وهم يسمعون القصة من فم رسول الله – صلى الله عليه وسلم - وهذا هو الفرق بين الإيمان الراسخ العميق، والإيمان السطحي غير المستقر.. فاللهم إيماناً راسخاً لا يتزحزح ولا يتزعزع، واللهم ( ربنا لا تزغ قلوبنا بعـد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب ).
القتل بالضحك.. جريمة التنمر الصامتة
جراح اللسان أعمق من جراح السيوف، ليس كل جرح ينزف دماً، ولا كل ألم يصرخ صاحبه. التنمر آفة... اقرأ المزيد
126
| 15 مايو 2026
النور فى المشاركات الإستراتيجية
المشاركات الهادفة هي طريق النور لإنهاء النزاعات من خلال الوساطة الدبلوماسية المستمرة المثمرة والمستدامة لتقريب وجهات النظر لفض... اقرأ المزيد
90
| 15 مايو 2026
الإيمان.. صمام الأمان في زمن الأزمات
في عالم يزداد اضطرابًا يومًا بعد يوم، يجد الإنسان نفسه محاصرًا بين ضغوط العمل، تقلبات الأسواق، وأحداث لا... اقرأ المزيد
81
| 15 مايو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
د. عـبــدالله العـمـادي
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
لم يعد السؤال في الخليج اليوم متعلقًا بما تحقق من منجزات، بل بكيفية تقديم هذه المنجزات للعقل العام بصيغة واحدة، قادرة على تثبيت المعنى قبل الصورة، والهوية قبل التفاصيل. فالتكامل الذي يتقدم اقتصاديًا وتنمويًا، يحتاج في المقابل إلى إعلام يوازيه في القوة والاتساق، ويمنع تشتت الرواية بين المنصات وتعدد الزوايا. في هذا الإطار، استضافت العاصمة السعودية الرياض “ملتقى المكتسبات الخليجية”، بوصفه مساحة لإعادة التفكير في دور الإعلام داخل مشروع التكامل الخليجي، لا كمجرد ناقل للحدث، بل كعنصر يصنع الوعي المشترك ويعيد ترتيب العلاقة بين المواطن الخليجي ومنجزاته. فالملتقى الذي نظمته الأمانة العامة لمجلس التعاون بالتعاون مع جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج، ينطلق من سؤال مركزي: كيف يمكن للإعلام أن يعكس واقع المكتسبات الخليجية بوضوح واتساق، ويحوّلها إلى خطاب موحد يعزز الهوية المشتركة، ويوحّد الرسائل الإعلامية، ويدعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يواكب تطلعات المرحلة ويستشرف مستقبلها. منذ بدايات التجربة الإعلامية الخليجية المشتركة، كان الرهان على بناء مساحة إعلامية تتجاوز الحدود إلى معنى الوحدة، وهو ما عمل عليه جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج عبر مسار طويل من التقريب بين الخطابات الإعلامية وصياغة مشترك مهني وثقافي يعكس وحدة الاتجاه الخليجي. ويظل مهرجان الخليج للإذاعة والتلفزيون أحد أبرز تجليات هذا المسار؛ فمنذ انطلاقه لأول مرة في الكويت عام 1980، لم يكن مجرد فعالية للاحتفاء بالإنتاج الإعلامي، بل منصة لتبادل الخبرات ورفع جودة المحتوى وتعزيز التقارب بين المؤسسات الإعلامية الخليجية. كما أسهم في تكريم نخبة من نجوم الفن والدراما في الخليج، باعتبارهم جزءًا من صناعة الوعي البصري والثقافي، وعنصرًا فاعلًا في تشكيل الذاكرة الجماعية للمجتمع. كما امتد الدور إلى البعد التوثيقي والمعرفي، عبر إصدار “نشرة المعلومات” في يوليو 1980، التي رصدت النشاط الإعلامي التلفزيوني خليجيًا وعربيًا وعالميًا من خلال التقارير الفنية والإخبارية والبرامجية والهندسية والإدارية. واستمر صدورها حتى تحولت لاحقًا إلى مجلة فصلية تعنى بتوثيق تطور العمل الإعلامي ومواكبة تحولات المشهد الإذاعي والتلفزيوني. ومع اتساع الإعلام الرقمي اليوم، لم يعد التحدي في إنتاج الرسالة، بل في قدرتها على البقاء متماسكة داخل فضاء سريع، تتعدد فيه المنصات وتتصادم فيه الروايات. وهنا تصبح قضية توحيد الرسائل الإعلامية الخليجية جزءًا من حماية الوعي العام، لا مجرد خيار مهني، في بيئة تعيد تشكيل الرأي العام لحظة بلحظة. على هذا الأساس، يبرز الملتقى كفرصة لإعادة ضبط البوصلة الإعلامية الخليجية نحو مزيد من الاتساق، وتعزيز الهوية المشتركة، ودعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يجعل الإعلام شريكًا في صناعة المعنى، لا مجرد ناقل له. وبرأيي أنه لا تُقاس قوة الإعلام بما يعرضه من أحداث، بل بما يثبته من معنى في الوعي، وبقدرته على تحويل المنجز إلى هوية، والهوية إلى إدراك مشترك.
3741
| 13 مايو 2026
ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة أعادت ترتيب القيم، حتى صار التافهُ مشهوراً، والمشهورُ التافه مؤثراً، والمؤثرُ التافه مرجعاً يُسمَع له ويُقتدى به. قبل 10 سنواتٍ فقط كان الإنسان يستحي أن يُرى في مواضع كثيرة مما نرى اليوم، وكانت بعض الأفعال تُخفى خجلاً وخوفاً، أما اليوم فقد أصبح كثيرٌ منها يُعرض على الملأ طلباً للتصفيق، وكأن الحياء صار ضعفاً، والوقار صار تخلّفاً، والصخب صار موهبةً ورسالة. لقد حوّلت ثقافة الترند الشهرةَ من ثمرةِ جهدٍ إلى ضربةِ حظ، ومن مكافأةٍ للكفاءة إلى جائزةٍ للإثارة. في الماضي كان العالِم يبني اسمه بسنواتٍ من التعب، والأديب ينضج ببطء، والفنان يتقن قبل أن يظهر، أمّا اليوم فيكفي أن يصرخ أحدهم أمام الكاميرا، أو يفتعل موقفاً سخيفاً، أو ينطق ببذاءةٍ بثقة، حتى تُفتح له أبواب الشهرة، وتتهافت عليه الشركات، وتُسلّط عليه الأضواء. وهكذا انفصلت الشهرة عن الاستحقاق، فصار البريق يسبق العمق، والصوت يعلو على المعنى. والترند في جوهره لا يعرف خيراً ولا شراً، بل يعرف شيئاً واحداً: الانتباه. فالخوارزميات لا تفرّق بين احترامٍ وازدراء، ولا بين حكمةٍ وسخرية، فكل تفاعلٍ وقود، وكل ضجةٍ رصيد. لذلك ازدهر “اقتصاد التفاهة”، حيث ينتصر المحتوى الأسرع لا الأعمق، والأكثر إثارة لا الأكثر قيمة. ومع التكرار يبدأ التطبيع؛ فما كان صادماً بالأمس يصبح مضحكاً اليوم، ومألوفاً غداً، ثم يتحوّل إلى سلوكٍ يُقلَّد بلا تردد. وهنا تكمن الخطورة، فالانحدار لا يأتي دفعةً واحدة، بل يتسلّل خطوةً خطوة، حتى يعتاد الناس ما كانوا يستعظمونه. ولأن الإنسان ابنُ بيئته، خائفٌ من العزلة، صار كثيرون ينساقون خلف الترند لا اقتناعاً بل خوفاً من أن يكونوا خارج القطيع. حتى أصبح بعض الناس يذهب إلى مطعمٍ يعلم في داخله أنه عادي أو رديء، لكنه مزدحم لأن "الترند قال ذلك"، ويشتري سلعةً أو سلةً يدرك أنها لا تستحق، لكنه يخشى أن يبدو مختلفاً عن الآخرين. بل قد يفعل الإنسان أموراً لا يقتنع بها أصلاً، ويضحك على ما لا يراه مضحكاً، ويُصفّق لما لا يحترمه، فقط لأن التيار يمضي في ذلك الاتجاه. وهنا يتحول الفرد من صاحب رأي إلى صدى، ومن إنسانٍ يختار إلى إنسانٍ يُقاد. والأسوأ أن الكبار قبل الصغار دخلوا هذا السباق؛ فترى الأب والأم بل وحتى الجدّ يلهثون خلف الرقصة الرائجة والعبارة السطحية، وكأن الوقار عبءٌ يجب التخلص منه. وحين يفقد الكبير هيبته، يفقد الصغير بوصلته، وتسقط منظومة التربية من داخلها. هذه الترندات تسرق الحياء الذي كان سوراً يحفظ للإنسان كرامته وللمجتمع تماسكه. ثم تأتي الكارثة الكبرى: تهميش أهل العلم والأدب والأخلاق، لا لأنهم غائبون، بل لأن الضجيج أعلى من الحكمة، ولأن السوق يطلب الإثارة لا البصيرة. نحن بحاجة إلى تربيةٍ تُعلّم الطفل منذ صغره أن القيمة ليست في عدد المتابعين بل في مقدار الأثر، وأن الشهرة ليست مجداً إذا خلت من الخُلُق والمعنى. وبحاجةٍ أيضاً إلى أسرةٍ لا تُسلّم أبناءها للشاشة ثم تشتكي من ضياعهم، بل تُشاركهم الحوار، وتغرس فيهم شخصيةً تعرف كيف تقول "لا" حين يركض الجميع نحو العبث. كما أن أهل العلم والأدب مدعوون إلى دخول المنصات لا الهروب منها؛ فالساحة التي يتركها العقل يملؤها الضجيج. وليس المطلوب أن يتحولوا إلى مهرّجين، بل أن يُحسنوا عرض الفكرة بلغة العصر دون أن يتنازلوا عن جوهرها. فالكلمة العميقة لا يعني أن تكون معقدة، والرسالة الراقية لا يشترط أن تكون مملّة. إن المعركة الحقيقية ليست ضد تطبيقٍ أو منصة، بل ضد فراغٍ داخلي يجعل الإنسان يبحث عن قيمته في تصفيق الغرباء. وحين يمتلئ الإنسان بالمعنى، يقلّ افتتانه بالضجيج. فالحضارات لا يحفظها المال وحده، بل يحفظها وعيٌ يعرف الفرق بين من يبني العقول ومن يسرقها، بين من يصنع الإنسان ومن يصنع الترند.
3690
| 12 مايو 2026
كتبت مرة قصة قصيرة عن مؤلف وجد نفسه على جبل الأوليمب، وحوله كل شخصيات قصصه ورواياته من النساء. حين أنظر حولي هذه الأيام أفكر، هل يمكن حقا الصعود إلى جبل الأوليمب، وأرى حولي كل من كتبت عنهم رجالا ونساء، ونعيش بعيدا عن هذا الصخب والعبث الذي لا ينتهي؟ وهل لن يندهش زيوس من وجودي، ويعطيني صندوق باندورا هدية، فأفتحه غير مدرك أنه ستنطلق منه كل الشرور، فهو الزعيم الأوحد! رغم ذلك تخايلني هذه الرغبة وأنا أرى المعارك العابرة، حولي تشغل مساحة أكبر من المعارك الحقيقية. نرى ما تفعله إسرائيل وأمريكا بمنطقتنا العربية، والمقاومة التي بها سيتغير حال البلاد، ولا أبتعد عن الكتابة عنها، لكنها تضيع بين المعارك الصغيرة. يريحني يقيني أن معاركنا مع العدو الصهيوني على صعوبتها، سيأتي اليوم الذي يتبخر فيه هذا العدو. ويشتتني ما أراه على السوشيال ميديا من معارك وألفاظ، لا تليق أبدا بكتابها، فقفز خيالي بصعود جبل الأوليمب. آخرها والذي شغل مساحة كبيرة جدا، الخلاف الذي وقع بين الشاعرة المصرية الرائعة نجاة علي، والكاتب والفنان خالد سليمان الناصري، صاحب دار المتوسط للنشر. تحدثت نجاة علي عن حقوقها المالية الضائعة مع الدار. أصدر خالد الناصري بيانا أوليا خانه التوفيق في ألفاظه، وهو يوضح خطأ الشاعرة، ثم عاد في بيان تالٍ يعتذر عن ألفاظ البيان الأول، ويوضح عدد النسخ التي طبعت، وما وصل الشاعرة من مال، لكن لم ينتهِ الأمر. تتالت الاتهامات والشتائم له، وبدت المسألة كأن مصر كلها ضده. ولأني أعتز جدا بالاثنين، الشاعرة نجاة علي وخالد الناصري، لم أساهم في النقاش. لم أقل حتى حقيقة علاقتي بدار المتوسط، التي هي مختلفة تماما. نشرت بدار المتوسط أربع روايات حتى الآن، لم تتأخر قط في دفع ما اتفقنا عليه، من مال أو نسخ لي من الكتاب. أقول هذا ليس دفاعا عن خالد الناصري، لكن نصيحتي لكل كاتب، أنه حين تختلف مع ناشر ما، قم بتغييره في صمت، والأهم أنه حين تنشر في دار نشر خارجية، اتفق على مبلغ نهائي تحصل عليه عند النشر، ولا تنتظر حسابا سنويا وتشغل نفسك بذلك. هكذا فعلت في السنوات الأخيرة مع دار المتوسط، ودار ماسكيلياني التونسية، وأخيرا دار جداول اللبنانية. في مصر مثلا لا تحاسبني سنويا على مبيعات أعمالي غير دارين للنشر، هما الشروق المصرية، والدار المصرية اللبنانية، فلديهما نظام دقيق لذلك، ثم إنهما ليستا بعيدتين عني. هذه المعركة بين الكتّاب وخالد الناصري، جاءت بعد معركة أخرى بين المصريين ولا تزال، حول مسألة "نظام الطيبات" في الغذاء والعلاج، الذي اخترعه الدكتور ضياء العوضي، والذي توفي رحمه الله. كم تتالت فيها من ألفاظ لا تليق بكتابها، رغم أن الرد العلمي أجمل. يغطي هذا كله على الحقائق الأولى بالحديث كما ذكرت، لكن الحمد لله أتذكر رواية "بعيدا عن الزحام المجنون" التي كتبها توماس هاردي، وصارت فيلما عظيما لجولي كريستي وتيرانس ستامب شاهدته سنوات الستينات. رغم موضوع الفيلم البعيد عن أحوالنا، يطاردني عنوان هذه الرواية دائما، حين تزدحم الدنيا من حولي بالبشر، والقضايا الفكرية العابرة. وأعرف يائسا أنه لن ينتهي بالابتعاد، حتى لو فعلت ما قاله سورين كيركجارد، الفيلسوف الوجودي، وبنيت سلما لا ينتهي إلى السماء. للأسف الصعود على جبل الأوليمب ليس متاحا لنا، رغم أن زيوس قد يكون أرحم، من هواة الشتائم والقذف على السوشيال ميديا.
1455
| 13 مايو 2026