رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
احتفلت جائزة الشيخ حمد للترجمة والتفاهم الدولي بمرور عشر سنوات على إنشائها.
وأعترفُ لكم في البداية بأنّني أنظرُ إلى هذا الحفل باعتباره لحظة تاريخيّة مؤسّسة، تُشعرني بفخرٍ كبيرٍ حينَ تلتمعُ في ذهني ونحن في فترة حضاريّة جدُّ حساسة من تاريخ ثقافتنا العربيّة بأنّني أشهد على «استئنافٍ حضاريّ» يتولّد من هنا، من الدّوحة كمركز عربي ودوليّ. فما نعيشه في هذا اليوم، وقد مرّت على إحداث جائزة الشيخ حمد للترجمة عشر سنوات، ليُعدُّ حدثًا مُجدّدا لنشاط الفكر العربي وهو يتفاعلُ مع الرصيد الإنساني للمعارف من خلالِ الترجمة.
•••
لنكن اليومَ صُرحاء وجديرين بالاعتداد بهذا المكسب، إنّنا نستعيدُ لحظةً مضيئة من تاريخ ثقافتنا العربيّة، وبقدر ما نُدرك مسؤوليّة تلك الاستعادة فإنَّنا نعي جيّدا التحديات التي تعيشها ثقافتنا وحضارتنا بشكلٍ أشمل، فليست «جائزة الشيخ حمد بن خليفة للترجمة والتعاون الدّولي» مجرّد حدثٍ عابرٍ في سماء الثقافة العربيّة بقدر ما هي انتصارٌ آخر للشخصيّة العربيّة التي لا ترى في هويّتها القوميّة انغلاقا على الذّات رغم ما تعانيه من عداءٍ معلنٍ ومُبطّن في الخطاب الثقافي الغربي، فهيَ لم تيأس من الحوار مع الثقافات الأخرى ولم تبخل بمدّ جسور التّواصل أيّا كانت الظروف، لذلك فالاستمرار في هذا المشروع الكبير هو من أبرز تجليات ديناميكيّة الشخصيّة العربيّة المعاصرة، وأحد عواملِ تجدّدها سيما وهيَ تجعلُ من اللّغة العربيّة لغةً مُحاورة للغات العالم.
•••
من الشيّق أن نعترفَ بأنَّ اقتران الجائزة باسم الشيخ حمد حفظه اللّه، علامةٌ دالّة على وضع رمزيّ في تاريخ قطر المعاصر وليسَ أمرا متعلّقا بتبجيل شخصيّة قياديّة كما هو شائع في كثيرٍ من الجوائز في العالم. ليسَ اقتران الاسم بالمسمّى لإضفاء سمة رسميّة على الجائزة، فما تستمدّهُ الجائزة من الاسم، يتجاوز ذلك بكثيرٍ. إنّنا نعلمُ رؤية سموّ الشيخ حمد للثقافة ودورها في نهضة دولة قطر، بل نُدرك كيفَ ينظر إلى الثقافة باعتبارها جزءا من عمليّة التنمية، ومحورا لتقدّم المجتمعات، فقبلَ عشر سنواتٍ انطلقت هذه الجائزة لتنبتَ في البيئة القطريّة التي مهّد طريقَ نهضتها سموّ الشيخ حمد الأمير الوالد، وعزّز بُناها صاحب السموّ الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدّى حفظهُ اللّه.
لقد آمن سموّ الشيخ حمد بدور الثقافة في التنمية، وليست الترجمة غير صمّام أمان للثقافة حيثُ تسمح لها بالانتشار بين الشّعوب وتجاوز حدود البلدان، وتحلّق بالمعارف في المكان والزّمان. لذلك فقد كان إطلاق الجائزة ضمن رؤيته الشاملة للثقافة وقدرتها على أن تروّجَ لقيم المجتمع القطري في انفتاحه على الأمم الأخرى.
•••
عندما نتحدّث عن «الاستئناف الحضاري» فإنّنا نقرُّ بوجود مقوّمات لهذا الاستئناف، وهيَ مقوّمات موضوعيّة، وإن كانت متشابكة مع ما هو ذاتي، فلو لم يكن الشيخ حمد مؤمنًا بدور الترجمة في إحداث التغيير الثقافي وبناء علاقات دوليّة متجدّدة وندية مع العالم، لما كانت الترجمة جزءا من هذه المقوّمات. فالعامل الذّاتي مهمّ في أيّ مشروع حضاري. لو لم يكن هارون الرشيد وابنه المأمون مؤمنيْن بمشروع «بيت الحكمة» لـمَا كانَ لهذا البيت أن يضيء أركانَ الحضارة العربيّة في الفترة العبّاسيّة. لذلك لا معنى للمشاريع التي تولدُ دونَ رغبة ذاتية في إنمائها، وكلّما كانَت للمشاريع إرادة ذاتيّة تتحلّى بالإيمان العميق برسالتها فإنّها تثبتُ في تُربة الواقع وتينعُ وتكبرُ مثل شجرة وارفة للمعرفة.
•••
ما تُقدّمه الجائزة للثقافة العربيّة وليسَ لمجال الترجمة فحسب، هو القدرة على بناء الجسور وليسَ بناء الجدران. وأمّا الترجمةُ فهي من لبناتِ هذه الجسور التي عرفتها الحضارات القديمة، وتعهّدتها الحضارة العربيّة الإسلاميّة في أزهى فتراتها. فقد عرف اليونانيّون أزهى مراحل عيشهم حين ترجموا كنوز العلوم والفنّ عن حضارات قديمة كالحضارة الفارسيّة والمصريّة القديمة، وعرفت الحضارة العربيّة الإسلاميّة أبدع لحظاتها حين تحوّلت الترجمة إلى رهان مهم من رهانات الدّولة العباسيّة، ولكنّ الكثيرين يُهملون لحظة مضيئة من تاريخ هذه الحركة الترجميّة، وهي اللّحظة الأندلسيّة، فقد اهتمّ المسلمون في الأندلس بترجمة الكتب والمؤلّفات العربيّة إلى اللّغة اللاّتينيّة والقشتاليّة حتّى عُدّت الأندلس مركزا من مراكز الترجمة وبلغت حركة التعريب أوجهها في القرن العاشر للميلاد بمشاركة الأساقفة الذين أسّسوا معاهد للترجمة في مدينة طليلطلة حيثُ تمّت ترجمة العشرات من المؤلّفات العربيّة التراثيّة في مختلف العلوم كالفلسفة والطب والتنجيم. ومن المهمّ التأكيد أنّ الترجمة في حضارتنا لا تقلّ شأنا عن أيّ نشاط علميّ آخر.
•••
وفي هذه السياقات الحضاريّة المختلفة ظلّت «بيتُ الحكمة» مثلَ المرجعيّة في الذاكرة الجماعيّة للمثقفين العرب، حتّى أنّني أتذكر أننا في 2010 بتوجيه من صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة اخترنا رمز «بيت الحكمة» في بغداد في أوج الخلافة العباسية، ليكون موضوع حفل «الدوحة عاصمة للثقافة العربية»، منذ ذلك الوقت كان الحلم المشروع لاستئناف حركة الترجمة العربيّة في صميم فكر ووجدان الشيخ حمد، لهذا لا نستطيع، ونحن نستذكرُ المحطّات المضيئة للترجمة في تاريخنا أن لا نصنّف «جائزة الترجمة» ضمن حلقات هذا التاريخ. من الإنصاف دائمًا أن نضعَ هذه الجائزة في صدارة المشروع الثقافي العربي، بعيدًا عن حالة التأزّم التي يعشها جزء من النخب الثقافيّة العربيّة التي انجرّ بعضها إلى تبخيس الذّات وإشاعة اليأس من إحداث التحولات بدل زرع الأمل. هكذا تعطينا الجائزة باستمرار وتيرتها ونجاحها من نسخة إلى أخرى أمل إحداث نقلة نوعيّة في تفكيرنا الثقافي ورؤيتنا المتجدّدة للثقافات الأخرى كلّما قامت الجائزة بتوسيع دائرة اللغات التي يترجم منها وإليها.
•••
في كلّ دورة تُضاف لغات جديدة إلى قائمة اللغات المعتمدة للترجمة حتّى غطت الجائزة خلال عشر سنوات 37 لغة حول العالم، ممّا يوسّع نطاق التفاعل الثقافي لأنّ التّواصل بين الثقافات يتجاوز المعرفة اللغويّة، فاللغة ليست غير جزء من قمّة جبل الجليد المغمور، وكثيرا ما نذهب إلى الاعتقاد بأنّ الترجمة مجرّد امتلاك للغة أخرى ونقل ما تعبّر عنه من معارف الآخرين، قد يكونُ ذلك بُعداً من أبعادها لكنّه ليسَ رسالتها العريقة. ومثلما تتطلّب الترجمة إلماما بثقافة اللغة المترجم منها وإليها فإنّ ما هو جوهري في الترجمة هو تحقيق التقارب بين الشّعوب وتبادل الثقافات بين الأمم. ومن مزايا الترجمة إنقاذ الثقافة الإنسانيّة من الضّياع والتّلاشي والحرق والإتلاف والتّهميش والإقصاء، فهي حافظة مستمرّة، بل أشبه بذاكرة صامدة في وجه الزّمن ودُعاة الانغلاق الفكري. وإنّنا لنذكر ما حدث لكتب ابن رشد وغيره من المفكّرين من حرق، ولولا الترجمة لضاعت الفلسفة الرّشديّة، ولما استطاعت الإنسانيّة أن تتطوّر على هذا النّحو السّريع، لأنّ الترجمة حافظت على ما ساهمت به الشّعوب من إبداعات في الفكر والفن والعلم.
•••
لا مبالغة إذا قلنا إن المترجمين من الأبطال المجهولين، ولا تقل بطولتهم عن بطولة الجنود في الميدان، لذلك تسعى الجائزة لتكريمهم وتقدير دورهم في التعارف بين الشعوب ونقل المعرفة بين الحضارات، ومد قنوات التواصل بين الأمم، إذ أعادت الجائزة المكانة الاعتباريّة للمترجم بل وفّرت له البيئة الإبداعيّة التي تدفعه نحو المساهمة في هذا المشروع الحضاري. لقد أصبحت الجائزة حاضنة للمترجمين وداعمة لهم وأصبحوا لها سفراء في كلّ مكان في العالم، فكلّ المترجمين الذين شاركوا في الجائزة إنّما خاضوا تجربة المشاركة وبعضهم خاض تجربة التتويج وفي جميع الحالات مثّلت الجائزة سياقًا ثقافيا عربيا جديدا للمترجمين المتمسّكين بالتزامهم التاريخي لأجل نقل المعارف للأجيال بأمانة ومسؤولية.
•••
تؤكد الجائزة مكانة اللغة العربية وتأثيرها كلغة حية متطورة، قادرة على التفاعل مع تحديات العصر والمساهمة في التطور الفكري والعلمي في القرن الحادي والعشرين، وتترجم التوجّهات الوطنيّة في تعزيز اللغة العربية هذا المسار، حيثُ لا يُمكن الحديث عن استئناف حضاري دونَ تأكيد حضور اللغة العربيّة وتجديدها، ونعتقد أنّ الجائزة تُساهم في هذا التجدّد الذي تعيشه اللغة العربيّة وهيَ تنقلُ آداب وعلوم الأمم الأخرى، بذلك تكون لغتنا معاصرة لأحوال معاشنا، ومعبّرة عن ذلك التفاعل الدّائم مع منتجات الحضارة الإنسانيّة. ذلك ما تهبهُ لنا الترجمة من إيمانٍ بأنّ العربية ليست لغة الماضي المجيد فحسب، بل هي لغة الحاضر والمستقبل وتحمل في طياتها قدرةً لا متناهية على الإبداع والتجديد.
•••
من مزايا جائزة الترجمة تفاعلها مع مبادرة الأعوام الثقافية ودبلوماسيتنا الناعمة بصورة عامة من أجل تعزيز التفاهم الثقافي والتقارب بين الشعوب، وفي هذا التفاعل ما يؤكّد قدرة الجائزة على أن تكونَ قوّة ناعمة لدولة قطر، وشعاع ضوءٍ في درب الثقافة العربيّة التي باتت في أمسّ الحاجة إلى الوعي بشروط نهضتها، وما الترجمة غير ذلك القنديل المنير لمستقبل حضارتنا، بما تضخّه من معارف معاصرة في عروق ثقافتنا فتتجدّد وتتقدّم.
إنّني في غاية السّعادة وأنا أحلم مثل غيري من المثقفين العرب باستعادتنا لمجد حضارتنا، ونحن نقفُ متفائلين بثمار جائزة الترجمة واثقين من دورها الحضاري.
•••
في هذا اليوم تعود بي الذاكرة إلى موقف تاريخي سنة 2010 عندما التقيت بصاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني الأمير الوالد وأمير البلاد آنذاك حفظه الله ورعاه أعجبه شعار الدوحة عاصمة الثقافة العربية 2010 (الثقافة العربيّة وطنا والدوحة عاصمة) وقال لي سموّه: « نحن واثقون من أنّ الدوحة ستنجح هذا العام، ولكن طموحنا أن تكون الدوحة عاصمة دائمة للثقافة» وها هي الدّوحة الآن عاصمة من عواصم الثقافة بكلّ ما تعني الكلمة من معنى. وها هي عاصمتنا بمؤسساتها وصروحها الثقافية ودبلوماسيتها الناعمة تشعّ ثقافة وفنّا وتلعب دورا مميّزا في عالم العرب وفي كلّ مكان بقيادة صاحب السموّ الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدّى، حفظه اللّه ورعاه.
•••
وإنّني في غمرة هذه السّعادة والتفاؤل أود أن أتقدم بالشكر لفريق جائزة الشيخ حمد للترجمة والتفاهم الدولي، وأعبر عن تقديري العميق لجميع المترجمين والباحثين والأدباء الذين يساهمون بجهودهم القيمة في إثراء الثقافة العربية وثقافات العالم، فهم في ذروة العطاء الفكري والقلب النابض للتواصل الإنساني، ويجسدون القيم التي نسعى إلى ترسيخها في مجتمعاتنا.
وأود أن أشكر كل من ساهم في إنجاح هذه الجائزة على مدى السنوات العشر الماضية، هذه الجائزة التي تعزّز فيه التواصل بين الثقافات والشعوب والدول، وتمنحنا أمل الاستئناف الحضاري.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
بعد أن نظرنا إلى دور الأسرة، ثم وسَّعنا الدائرة لتشمل المجتمع بكل مكوناته، يبقى طرفٌ ثالث لا يمكن تجاوزه، بل ربما هو الأكثر قدرة على توجيه البوصلة إن أحسن أداء دوره: المؤسسات الرسمية وصنّاع القرار. ليس المقصود هنا جهة بعينها، بل منظومة كاملة تبدأ بالتعليم ولا تنتهي بالإعلام والثقافة والتشريعات والسياسات العامة. هذه الجهات لا تربي بشكل مباشر كما تفعل الأسرة، ولا تؤثر بشكل غير منظم كما يفعل المجتمع، بل تمتلك أدوات منظمة ومقصودة قادرة على صناعة الاتجاه العام. حين نتحدث عن طالب لا يقرأ، أو شاب لا يهتم بالشأن العام، أو جيل لا يمتلك أدوات التحليل، فإننا نتحدث أيضًا عن منظومة تعليمية قدّمت له المعرفة بشكل مجتزأ، أو بطريقة لا تُحفّز الفضول ولا تبني التساؤل. فالمناهج التي تُقدَّم كمواد للحفظ فقط، والاختبارات التي تكافئ الاسترجاع لا الفهم، تخرّج أفرادًا يجيدون الإجابة، لكنهم لا يجيدون التفكير. التعليم ليس كتابًا يُدرّس، بل تجربة تُبنى. وحين يُختزل في سباق درجات، فإنه يفقد جوهره. الطالب لا يحتاج فقط إلى معلومة، بل إلى سياق يفهمها فيه، وإلى مساحة يناقشها خلالها، وإلى بيئة تشجعه على أن يخطئ ويتعلم. أما حين يُربّى على أن الخطأ مرفوض، وأن الإجابة النموذجية هي الطريق الوحيد، فإنه يتوقف عن المحاولة أصلًا. ولا يتوقف الأمر عند التعليم، فالمؤسسات الثقافية، إن وُجدت، يجب أن تكون حاضرة في حياة الناس لا على هامشها. المكتبات، المراكز الثقافية، الفعاليات الفكرية… هذه ليست كماليات، بل أدوات لبناء الوعي. وحين تغيب، أو تصبح نخبوية لا يصل إليها إلا قلة، فإنها تفقد دورها الحقيقي. أما الإعلام الرسمي، فهو أمام اختبار دائم. هل يكتفي بأن يكون صوتًا ناقلًا، أم يتحول إلى منصة توجيه وبناء؟ هل يطرح القضايا بعمق، أم يكتفي بالعناوين؟ هل يُقدّم القدوات الحقيقية، أم يلاحق ما يطلبه الجمهور فقط؟ هنا تتحدد القيمة. لأن الإعلام حين يقرر أن يرتقي بالذائقة، فإنه يساهم في صناعة جيل، وحين يقرر أن يسايرها فقط، فإنه يعيد إنتاج المشكلة. ثم تأتي السياسات العامة، التي قد تبدو بعيدة عن هذا النقاش، لكنها في الحقيقة في قلبه. حين تُتاح فرص حقيقية للشباب للمشاركة، حين يشعر أنه مسموع، وأن له دورًا في صناعة القرار، فإنه يتفاعل. أما حين يُقصى، أو يُختزل دوره في التلقي فقط، فإنه ينسحب تدريجيًا من الاهتمام. الدولة لا تصنع الوعي وحدها، لكنها ترسم الإطار الذي يتحرك فيه الجميع. هي التي تضع الأولويات، وتحدد ما يُدعم وما يُهمّش، وما يُكافأ وما يُترك. وحين تكون الأولوية للعمق والمعرفة، فإن الرسالة تصل. وحين تكون للسطحية أو تُترك دون توجيه، فإن الفراغ يتمدد. المشكلة إذًا ليست في غياب جهة واحدة، بل في غياب التنسيق بين الجهات. أسرة تُحاول، ومجتمع يضغط في اتجاه آخر، ومؤسسات لا تكمل الصورة. النتيجة جيل يعيش التناقض، فلا يعرف أي طريق يسلك. إصلاح هذا الخلل لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى وضوح. أن تدرك كل جهة دورها، وأن تعمل ضمن رؤية مشتركة، لا جهود متفرقة. فالتربية تبدأ في البيت، وتتشكل في المجتمع، وتُصقل عبر المؤسسات. وإذا اختل أحد هذه الأضلاع، اختل البناء كله. الجيل القادم لا ينتظر من يُلقي عليه اللوم… بل من يُعيد ترتيب المشهد أمامه.
4497
| 06 مايو 2026
في يوم حرية الصحافة العالمي، تبدو الصورة أكثر تعقيداً من مجرد احتفاء رمزي بمهنة يُفترض أنها تنقل الحقيقة، فالمعيار اليوم لم يعد في حجم ما يُنشر، بل في مساحة الأمان التي تُمنح للصحفي كي يكتب وينشر دون تهديد أو تضييق أو تبعات تطال حياته وحريته. الصحافة لم تعد مجرد مهنة لنقل الخبر، بل أصبحت في كثير من البيئات اختباراً يومياً لحدود القدرة على الاستمرار، فبين ضغط الواقع السياسي والأمني، وتعقيدات البيئة القانونية والإعلامية، تتقلص المسافة بين الكلمة وتكلفتها. في مناطق النزاع، تتجلى هذه الإشكالية بأقسى صورها. وفي فلسطين، وتحديداً في قطاع غزة، تشير تقارير "مراسلون بلا حدود" إلى سقوط عدد كبير من الصحفيين خلال التغطيات الميدانية في سياق العمليات العسكرية الإسرائيلية المستمرة على القطاع، في واحدة من أكثر البيئات خطورة على العمل الصحفي عالمياً، حيث يصبح نقل الصورة جزءاً من معادلة البقاء. وفي إيران، تعكس المؤشرات الدولية استمرار التحديات التي تواجه حرية الصحافة، مع تراجع ترتيبها العالمي في ظل قيود قانونية وإعلامية دفعت عدداً من الصحفيين إلى مغادرة البلاد أو تقليص نشاطهم، أو العمل تحت سقف من الحذر الشديد. هذه الوقائع لا تعكس أرقاماً مجردة، بل تشير إلى اتساع الفجوة بين الحق في المعرفة والقدرة على الوصول إليها، وتضع المجتمع الدولي أمام سؤال جوهري: كيف يمكن حماية الحقيقة إذا كان من ينقلها يعيش تحت تهديد دائم؟ إن جوهر القضية لا يتعلق فقط بحرية الصحافة كقيمة مهنية، بل بكونها حقاً إنسانياً أساسياً يرتبط بقدرة المجتمعات على الفهم والمساءلة واتخاذ القرار، وعندما يُستهدف الصحفي أو يُقيَّد، فإن المتضرر الأول هو حق الجمهور في المعرفة. في يوم حرية الصحافة العالمي، تبقى الحاجة ملحّة لتأكيد أن حماية الصحفيين ليست خياراً، بل ضرورة لضمان استمرار الحقيقة، وألا يُترك العالم في فراغ المعلومات أو في ظل رواية واحدة غائبة عنها التعددية والإنصاف.
4029
| 07 مايو 2026
كم مرة تغيّرت نظرتك لنفسك لأن أحدهم لم يمنحك القبول الذي تنتظره؟ وكم مرة شعرت أنَّ قيمتك ترتفع أو تنخفض تبعا لنظرة الآخرين؟ في زمن أصبحت فيه المعايير خارجية، ينسى كثيرون أن القيمة الحقيقية لا تستأجر من الآخرين، ولا تُمنح بقرارٍ من أحد، بل تُبنى من الداخل وتبقى رغم كل التقلبات. ولو سألنا عن ماهية القيمة المستأجرة، فسنجدها في أن يربط الإنسان قيمته برضا الآخرين، فيعيش أسير تقييماتهم، يعلو حين يُقبل، وينهار حين يُرفض، وهنا تحديداً يبدأ الصراع القاهر مع الذات، حيث تصبح الحياة سلسلة محاولات لإرضاء الخارج، بدل فهم الداخل. ولتوضيح الأمر ليبدو المشهد أكثر وضوحاً، هو أنَّ كثيرين يتأرجحون على سلّم تقييم الآخرين، دون وعي كافٍ بذواتهم، ما يجعلهم في حالة استنزاف دائم، رغم أنَّ كثيراً من تجارب الحياة لا يمكن السيطرة عليها، لذلك، فإن استعادة القيمة من الداخل ليست رفاهية فكرية، بل ضرورة نفسية، تعيد للإنسان توازنه، وتحرره من عبء تقييم الآخرين. ولا تقف هذه الفكرة عند حدود التأمل النظري، بل تمتد إلى ما تؤكده الدراسات النفسية الحديثة، إذ تشير أبحاث إلى أن ربط تقدير الذات بعوامل خارجية—كالمظهر أو القبول الاجتماعي أو الإنجاز—يجعل الإنسان أكثر عرضة للقلق والاكتئاب، مقارنةً بمن يستندون إلى ما يُعرف بـ تقدير الذات الداخلي القائم على القيم الشخصية والمعنى، والتي لا تتأثر وفق نظرة الآخرين التي يصدرونها إلينا وفق الموقف أو وفق أمزجتهم. هذا التفريق ليس جديداً، فقد ميّز كارل روجرز أحد مؤسسي المدرسة الإنسانية في علم النفس بين "الذات الحقيقية" و"الذات المشروطة"، موضحاً أن الإنسان كلما عاش وفق شروط الآخرين طلبا للقبول، ابتعد عن ذاته الأصلية، ودخل في حالة اغتراب نفسي قد لا تبدو واضحة للعيان، لكنها تُستنزف شيئاً فشيئاً. وفي السياق ذاته يذهب نثانيل براندين الذي تحدث عن الأركان الستة لتقدير الذات، أن الذات لا تبنى من خلال ما نحصل عليه من اعتراف خارجي، بل من خلال شعور داخلي بالكفاءة والاستحقاق، يتشكل عبر ممارسات عملية يومية تهدف إلى تعزيز الثقة والقيمة الذاتية، كالعيش بوعي، تقبل الذات، تحمل المسؤولية الذاتية، توكيد الذات، العيش بهدف، والنزاهة الشخصية، وأنَّ إيمان الإنسان بقدرته على التأثير في مجريات حياته هو أحد أهم مصادر التوازن النفسي، هذا الإيمان لا يُمنح من الخارج، بل يتشكل عبر التجربة، والتكرار، وتحمل المسؤولية، بمعنى آخر، القيمة لا تُستورد من الخارج بل الشخص هو مصدرها. وهنا يتضح جوهر المسألة ويكشف أنَّ المشكلة ليست في المحيطين بنا، بل في المكان الذي نضع فيه أنفسنا بالنسبة لهم، حين تصبح نظرة الآخر مرآتنا الوحيدة، نفقد القدرة على رؤية أنفسنا بوضوح، وحين نُعلّق قيمتنا على قبول متقلب، نُدخل أنفسنا في معادلة خاسرة؛ لأن هذا القبول الخارجي أو المعتمد على الآخرين بطبيعته غير ثابت، ولا يمكن التحكم فيه. فالسؤال من نحن بدون القيمة الممنوحة لنا من الخارج!؟، وماذا يبقى منَّا عندما يغيب تصفيق الآخرين؟، فالإجابة الصادقة على هذا السؤال هي بداية التحرر من القيمة المستأجرة، لأن الإنسان الذي يعرف نفسه، لا ينتظر تعريفا من أحد، ولن يعتمد على نظرة الآخرين له. هُنا عليك أن تُذكّر نفسك، باستمرار، أنَّ قيمتك لا تُقاس بحجم الإعجاب الذي تحصده، ولا بعدد الألقاب التي تحملها، بل بمدى صدقك مع ذاتك، وبالدور الذي تؤديه في محيطك مهما بدا هذا الدور صغيراً، فالأثر الحقيقي لا يُقاس بضجيج الفعل، بل بما يتركه من معنى. ختاماً.. قد لا تستطيع التحكم في كيف يراك الآخرون، لكنك تملك بيدك أن تختار كيف ترى نفسك، وهذه في حقيقة الأمر الأكثر صعوبة، لكنها الحقيقة التي تستقر في عمق الوعي متوسدة عقولنا وتمتد إلى جنبات حياتنا.
1938
| 05 مايو 2026