رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. سلوى حامد الملا

[email protected]

@salwaalmulla

مساحة إعلانية

مقالات

129

د. سلوى حامد الملا

الصديق عندما يغادر !

15 يناير 2026 , 12:26ص

• ليس كل من اقترب صديقا وأمينا.. بعضهم يقترب كما تقترب الريح من نافذة تحرك الستارة، يربك سكون المكان، يوهمك بالونس، ثم يرحل تاركًا وراءه برودة لا تُفسَّر. والموجع في الأمر أننا لا نتألم من الغياب وحده… بل من طريقة الغياب!

• أن يشيح أحدهم بوجهه دون سبب، دون كلمة تليق بسنوات القرب، دون تفسير يحفظ للروح كرامتها، وكأن المشاعر كانت تفصيلًا زائدًا لا يستحق حتى جملة وداع!.

• الصديق الحقيقي لا يُقاس بطول المعرفة ولا بكثرة الصور والرسائل، بل يُقاس بقدرته على حفظ مقامك. يُقاس حين تختلفان.. هل يظل محترما؟ هل يبقى عادلا؟ هل يبقى وفيا لمعروف؟ هل يختار الوضوح بدل لعبة الإشارات؟ لأن الصداقة ليست مزاجا يتقلّب، وليست حبلا يُشدّ ويُرخى بحسب الوقت والفراغ. الصداقة عهد إنساني صغير… لكنه ثقيل في الميزان.

• ثم هناك من يقترب لمصلحة… يقترب وهو يحمل في داخله دفتر حسابات. يبتسم بقدر حاجته، ويصغي بقدر ما ينتظر منك منفعة، ويظهر فجأة حين يريد سندًا أو بابًا أو واسطة أو فرصة. فإذا انتهت حاجته… خفت صوته، تباطأت رسائله، ثم اختفى كأنك لم تكن يومًا حضنًا للصبر ولا كتفا للثقة. هؤلاء لا يرون فيك إنسانا، بل «دورا» تؤديه في حياتهم؛ فإذا انتهى الدور… انتهى الود وغابت صفحات رحلة ذكريات وصداقة.

• والنوع الذي يوجع أكثر.. من يغادر بمزاجه. تجده قريبا أوقات، ومرات بعيد، ثم يعود دون اعتذار وكأن القلوب أبواب دوَّارة ومحطات انتظار وعبور. ينسى أن الروح ليست محطة انتظار، وأن العلاقة ليست تجربة مزاجية. ينسى أن بعض الكسور لا تُرى، لكنها تُقيم في الداخل طويلا؛ خدش صغير في الثقة يكبر مع الوقت حتى يصبح حذرا دائمًا.

• والروح المخلصة لا تُجيد هذا كله ولا تتقن مفردة ونطقها من قاموس الغدر. هي تعطي لأنها مؤمنة بأن العطاء والوفاء قيمة، وبأن المبادئ ليست ترتيب كلامات وجمل وهدايا مغلفة… بل سلوك ثابت ومبدأ للتعامل.. لذلك حين تُخذل لا تتألم لأنها أعطت، بل لأنها أعطت بصدق لمن لم يعرف معنى الصدق. تتألم لأنها كانت واضحة وصادقة وأمينة فقوبلت بالغموض والنكران، وكانت كريمة فقوبلت بالبرود وعدم التقدير، وكانت ثابتة فقوبلت بتقلّب لا يليق بالعلاقات الناضجة ولا بالمواقف التي كانت.

• تمر الأيام ونتعلم من تجارب الحياة بأن من يشيح بوجهه دون سبب يكشف عن ضيقه لا عن نقصك. ومن يقترب لمصلحة يكشف عن نظرته لا عن قيمتك. ومن يغادر بمزاجه لا يصلح لصحبة تُبنى عليها أيام.

• آخر جرة قلم:

الصداقة قيم روحية راقية وثبات نية… حفظ مقام وود… عدل وأمانة وحفظ للعلاقة وعمقها وقت الاختلاف… ووفاء لا يتغير ولا يساوم. وفي النهاية نحن لا نندم على صفاء نيتنا؛ نحن فقط نُحسن ترتيب الأبواب.. من دخلها بصدق فمكانه محفوظ، ومن دخلها لمصلحة فخروجه سلامة وراحة، ومن كسر شيئًا ورحل بلا سبب… فليعلم أن كرامة الروح ليست بابا يُفتح متى شاء.. وليس مزاجا يختار الوقت ليغادر.. الصديق الحق والصادق لا يعرف معنى إدارة الظهر ولا الغياب دون سبب..

مساحة إعلانية