رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كمْ كنتُ مبتهجاً حين علمت أنّ مجلس الشّورى الموقّر قد جعل من اللغة العربيّة والمحافظة عليها من أولى بنوده. وتضاعفت البهجة بدعوتي لحضور الجلسة الأولى والمشاركة فيها مع أخي وصديقي الأستاذ عبد العزيز بن عبد اللّه السبيعي وزير التربية الأسبق وأحد العارفين لهذه اللغة والمدركين لأهميتها والمسخّرين كلّ جهدهم للمحافظة عليها وتعزيز مكانتها، ونظر المجلس الموقّر في تفعيل قانون (7) لعام 2019 والمتعلّق بحماية اللغة العربيّة في بداية دورته رغم كثرة المهمات على جدول أعماله، ممّا يدلُّ وبشكل قاطع على إدراكه لأهمية اللغة العربيّة كعامل رئيسي في المحافظة على أمننا الثقافي.
وقد رأيتُ أنّ تسليط الضّوء في هذا المقال على بعض القضايا ذات العلاقة باللغة العربيّة في قطر حاجة مهمّة في هذه الآونة، إذ يعزّز ذلك تفاعل النخبة الثقافيّة مع توجّهات الدولة الرائدة في حماية اللغة العربيّة، وأعتقد أنّ اللغة العربيّة ليست شأنا خاصّا بالتشريعات فهي قضيّة مجتمعيّة، تؤمن بها الدّولة مؤازرة بإرادة شعبيّة في السّعي لحمايتها، وهي ليست شأنا متحفيّا يعود إلى زهْو بالماضي المجيد لأمّة ما وإنّما هي شأن وطني مرتبط بأمننا الثقافي.
لغة الدين والعلوم والحياة:
لقد كرّم اللّه عزّ وجلّ اللّغة العربيّة بأن جعلها لغةَ القرآن الكريم، ولذلك فنحنُ نُدرك أنّ هذا التّكريم يلقي علينا بمسؤوليّة رعايتها وحفظها والسّهر على نموّها واتّساع مداها بين النّاطقين بها وسائر الشّعوب، لأنّها تُعبّر عن معاشنا وتحمل آمالنا في تحقيق الخير للإنسانيّة. وهذا ما عبّرت عنه لغتنا في مختلف العصور حين حملت للبشريّة قيم الإسلام السّمحاء، ووهبتها العلوم والفكر والإبداع في شتّى المجالات، لأنّها لم تكن لُغة الدّين أو المعاملات فحسب وإنّما كانت لغة العلوم التي اهتدى بها العالم فحقّق التقدّم. ولم تكن اللغة العربية حبيسة مجالٍ ضيّق للتواصل بين أفراد المجتمع أو بين الشّعوب والأمم، بل أدّت أدوارًا أخرى فضلا عن تكوين شخصيّة الفرد وتشكيل هويّته الذّاتيّة، فهي وعاء المنجزات الحضاريّة والعلميّة للأمّة أيضا.
إنّ لكلّ لغة حياة، فهي تنمو وتحيا بفعل إصرار أبنائها على تطويرها في كلّ عصر حتّى تبقى مستمرّة مع الأجيال ومحافظة على مساهمات الأجداد. وقد أصاب اللّغة العربيّة ما أصاب الأمّة العربيّة الإسلاميّة من فتورٍ وتراجعٍ بعد أنْ أدّت دورها في عصور خلتْ كأحسن ما يكون الأداء في جميع المجالات، بدءًا بالحياة الفكريّة ومرورا بالحياة الاجتماعيّة وانتهاء بحركة الإبداع في جميع الجوانب. فلم يكتف العرب في السابق بالاستفادة من التراث اليوناني والإغريقي والهندي بل أجادوا في الإبداع من خلال لغتهم، فكانت اللغة العربيّة لغة علوم الطبّ والكيمياء والفيزياء والفلك والرياضيّات وغيرها من العلوم التي انتشرت مؤلفاتها وتداولها العلماء في الشّرق والغرب، وصارت لهم مرجعا يعتدّون به.
ولم تكن اللغة العربية مجرّد ناقلٍ أمينٍ للثقافة والعلوم اليونانيّة، فهي ليست عنصرا محايدا، بلْ أخذت عمليّة النقل بُعدا إبداعيًّا، فأضاف العلماء بصْمتهم على ما ترجموه، لأنَّ من يفكّر فإنّما يفكّر من داخل اللغة، وهذا دليل على أنّ العلاقة بين اللغة والثقافة في جدل مستمرّ، فالمعارف تغتني باللغة لأنّها حمّالة للقيم، ولا يُمكن تجريدها من تلك الحُمولة القيميّة التي تحملها عبر العقود والقرون لأمّة من الأمم، ولا سبيلَ إلى اعتبار اللغة نمطا صوتيّا خاليًا من القدرات الثقافيّة في بناء الفكر.
وقد تمتّعت اللّغة العربيّة بهذه القدرة الذّاتيّة على النموّ فعبّرت عن فكر أصحابها ونظرتهم للكون، وعن مجمل القيم التي بُني عليها المجتمع العربي الإسلامي. ذلك أنّ تعامل العلماء والمفكرين العرب مع اللغة زمن الازدهار الحضاري اتّسم بالحيويّة حتّى عدّت قضاياها من قضايا المجتمع نفسه، إنّها صارت لديهم شبيهة بالوطن، وما دام كلّ فرد لهُ الحقّ في وطن، فإنّ وطنه الأوّل هو اللّغة، ومن حقّه أن يتمتّع بخيراتها وأن يشارك في بنائها. أذكر مقولة شهيرةً للفيلسوف الألماني هيدغر حينَ قال:" إنَّ لغتي هي مسكني، هي موطني ومستقرّي، هي حدود عالمي الحميم ومعالمه وتضاريسه، ومن خلال عيونها، أنظر إلى بقيّة أجزاء الكون الواسع".
وإذا كانت اللغة هي المسكن والوطن فإنّها الوتد الذي يشدّ خيمة المجتمع وهويّته، وبالتالي يعزّز ترابط الأسرة التي لا يقلّ دورها بأيّ حالٍ عنْ دور الدولة في حماية اللغة العربيّة، فتلك الأسرة التي لا تسعى إلى طبع اللغة وحبّها والحرص على تعلّمها في أبنائها منذ النشأة إنّما هي مقصّرة في حقّ هؤلاء الأبناء وفي حقّ الأمن الثقافي للوطن. وإذا كانت هذه المهمة هي مهمّة الأسرة بصورة عامّة أبا وأمّا، فإنّ دور الأمّ هنا مميّز، فتلك الأمّ التي تترك الأطفال ضحيّة للمربيات اللواتي ينتمين إلى ثقافات أخرى، مع احترامنا لهذه الثقافات، إنّما تقصّر تقصيرا لا يغتفر في حقّ أطفالها.
إنّنا نسمّي اللغة التي يتعلّمها الأطفال في نشأتهم بـ"اللغة الأم"، ولا يُمكن للأمّ أنْ تسمحَ بالتخلّي عن اللغة العربيّة لصالح لغات أخرى لأنّ اللغة ليست مجرّد أداة تواصل وإنّما هي وسيلتها لتربية أبنائها وتعليمهم قيم وطنهم وتراث أجدادهم ونظرتهم للمستقبل.
اللغة لسان الهويّة:
يمرُّ مجتمعنا الخليجي بتحدٍّ كبيرٍ للمحافظة على انتمائه العربي، ونعلم أنّ حجر الرّحى في المحافظة على أمننا الثقافي هو اللغة العربيّة، فالانفتاح الاقتصادي سمح باستقطاب العمالة من جنسيّات مختلفة ورافقه انتشار للغات الأجنبيّة، وبقدر ما يعدُّ ذلك سمةً من سمات التنوع الثقافي فإنّ هذه اللغات أضحت تنافس اللغة الأم، وفي كثيرٍ من الأحيان تتغلّب عليها، ونلاحظ هيمنة اللغة الإنجليزيّة في أكثر من مجال، وحتّى في مستوى التداول اليومي في الحياة العامّة، وهذا ما يعبّر عن مأزق حقيقي ينبغي الانتباه إليه، ووضع خطط لمواجهته.
علينا أنْ نعيَ بأنّ الهويّة اللغويّة جزء مهم من الهويّة الوطنيّة فاللغة عامل مباشر في بناء الهويّة لأي مجتمع إنساني، لأنّ اللّغة ليست أداة للتعبير فحسب، ولا شأنا ظرفيّا للتواصل مع الشّعوب بلْ هيَ مسألة أمن قومي يساعد على الاستقرار النفسي والاجتماعي لكلّ أفراد الوطن الواحد. إنّ اللغة هي لسانُ الهويّة، لذلك فهي ليست شأنا فرديّا، بل شأن وطني وقومي. إنّنا نستدلّ على انتماء أيّ شخص من خلال تبيّن لغته، فتمييز الهويّات يسهل من خلال معرفة لغة المتكلّم.
وإنّي أرى أنّ الصلة الجوهريّة بين اللغة والهويّة غير ذات اهتمام لشرائح اجتماعيّة واسعة في أيّامنا، عكس ما كان عليه الأمر في الزمن الاستعماري حيثُ كان الدفاع عن اللغة العربيّة جزءا من مواجهة محاولات الاستعمار في طمس الهويّة، ونعتقد أنّ بناء النهضة والتنمية للمجتمعات العربيّة هو معركة جديدة لا يُمكن أن تُخاضَ بعيدًا عن القضيّة اللغويّة. وإنّ التحديات التي نواجهها في مجتمعنا بالذّات تجعلنا أمام تهديدات كثيرَة تُضاعف منْ مسؤوليّتنا في المحافظة على اللغة العربيّة واعتبارها صمّام أمان لتفكيرنا وزادنا المعرفي وتصوّراتنا المستقبليّة بشأن تقدّم مجتمعنا.
ليكن في أذهاننا أنّ القضيّة اللغويّة مسألة استراتيجيّة لا تمسُّ قطاعا دونَ آخر، وهي لا تقتصر في قطر عن مطلب التّداول في الدّوائر الرسميّة أو الإعلاميّة، وإنّما تشمل كلّ القطاعات، فهذه اللغة التي عمّرت حوالي سبعة عشر قرنًا وهي محتفظة بنظامها الصوتي والصرفي والنحوي، لن تكونَ مجرّد وسيلة تواصل، بلْ هي كيانٌ قائم الذّات لا تُعرّف الهويّة دونه، وإن أضاعه العرب فقد أضاعوا هويّتهم التي بها يتميّزون عن سائر الأمم.
لذلك فاحترامنا للغة العربيّة يكسبنا احترام الآخرين لنا. وكلّما تشبّثنا بهذه اللّغة استطعنا المحافظة على هويّتنا التي لا تتعارض مع انفتاحنا على القيم المشتركة، بحيثُ يصبح الإنسان العربي مواطنا كونيّا باستخدامه للغته وليس بهجرها. فكلّ الشّعوب تحتفي بلغتها لأنّها علامةٌ فارقة على تمسّكها بخصوصيّتها دونَ إنكار اندماجها في ما هو مشترك في الثقافة الإنسانيّة.
الجمود مجرّد ظاهرة طارئة:
قد يمرُّ على اللّغة طورٌ من الجمود لأسباب عديدة ولكنّ لغتنا العربيّة تحمل في داخلها بذرة التحوّل، فهي لغةٌ غير منغلقة على نفسها، والدّليل على ذلك أنّها استضافت في كيانها مفردات من لغات أخرى منذ القدم، بحكم أنّ الثقافة العربيّة منفتحة وتقبل الحوار في داخلها، وهي ترى أنّ الآخر لا يقع في الخارج وإنّما هو جزء منها، تُحاورهُ وتستفيدُ منهُ وتُغنيه كذلك. ولهذا فاللّغة العربيّة حيّة وستبقى كذلك على مدى الزّمان، وكلّ المؤشّرات الدّوليّة تؤكّد استمراريّتها وبقاءها ضمن اللّغات المستقبليّة التي ستظلّ حيّة إزاء اختفاء لغات أخرى. وفي رأيي فإنّ جمود اللغة العربيّة في فترة من الفترات ليس غير طارئ، فمتى أدرك العرب دور لغتهم ومنزلتها بين سائر لغات العالم وتحدِّياتها الجديدة قياسا بتطوُّر العلوم وأنماط العيش، فإنهم قادرون على استعادة مكانتها وتجديدها، ومثلما أثرت العربيّة على مستوى المفردات والبنى اللغويّة في لغات أخرى في السابق فإنّها قادرة اليوم أنْ تلعبَ دوراً مماثلاً. لكنّ هذا التأثير لا يمكنُ أنْ يُستعاد إن لم نفحص منْ جديد واقع بيئتنا اللغويّة وننجح في الخروج من واقع التلوّث اللّغوي. وإنّنا لا ننكر مجهودات المؤسسات العلميّة اللغويّة التي تسعى إلى تطوير اللغة والخروج من أزمتها، ولكنّنا نلاحظ أنّ جملة هذه المجهودات مبعثرة وتفتقر إلى "التشبيك" فليست هناك خطة واضحة لتبادل البحوث اللغويّة بين الباحثين في المجامع اللغويّة، وتبدو المشاريع المعجميّة متناثرة أيضًا في الوطن العربي، ولا يوجد تنسيق بين المعنيين بها، وهذا يؤثّر سلبا على البيئة اللغويّة بالإضافة إلى اغتراب العربيّة في أكثر من مكان في الوطن العربي نظرا لهيمنة استعمال وتداول لغات أجنبيّة في الحياة اليوميّة العربيّة، ناهيك عن جنوح أنظمة تعليميّة كثيرة إلى تغليب اللغة الإنجليزيّة أو الفرنسيّة على اللغة الوطنيّة.
التعليم حصن اللّغة:
لا يمكن مناقشة مسألة اللغة العربية بعيداً عن التعليم في زمن العولمة المضطرب والمختلط، إذ التّعليم هو جوهر هذه اللّغة، ومن شأن تطويره أن يدعم مكانة اللّغة العربيّة بين الأجيال ويجعلها الأداة المناسبة للمساهمة في بناء الحضارة الإنسانيّة. ولذلك وجب علينا دعم التّعليم، ومن هنا تأتي نجاعة مبادرات دولة قطر في مشاريع التّعليم، حيثُ تُكسب اللّغة مكانتها المحوريّة وتجعلها أداة بناء مستقبل الإنسان لأجل رعاية القيم الإنسانيّة المشتركة. ومن الموضوعات الشّائكة المرتبطة بقضيّة اللغة والتعليم تتفرّع مشكلة تعريب العلوم التي لا تغني عن تعلّم أيّ طالبٍ لغة أجنبيّة، ولاشكّ فإنّ هذه المسألة ما تزال تتصدّر هواجس المختصين في الشأن التعليمي، وفي رأيي ينبغي أن ننظر إلى كيفيّة الاستثمار في اللغة لدى الناشئة أوّلاً، ومنح اللغة العربيّة جاذبيّتها المطلوبة لتحفيزهم على استخدامها بل والافتخار بها أيضًا، وذلك لا يقتصر فحسب على الترفيع في عدد ساعات تعليم اللغة العربيّة بل يتحدّد بتوسيع مجالات هذه اللغة لتكون لغة العلوم، وهذا طريقٌ شاقّ لكننا لا نرى أيّ موجب للتأخّر في السير فيه، فالتوفيق بين لغة هويّتنا وبين متطلّبات اقتصاد المعرفة والثورة المعلوماتيّة والثّورات العلميّة المتلاحقة أمر في غاية الأهميّة، بل هو أمر مصيري حتما.
اللّغة مقوّم ثقافي:
تُساهم دولة قطر في مشروع العقد العربي للحقّ الثقافي الذي انطلق في عام 2018 ويستمرّ إلى غاية عام 2027، وينصّ في مبادئه على أنّ اللّغة العربيّة عنصر موحّد للثقافة العربيّة ويهدفُ إلى استخدام اللّغة العربيّة في كافّة مناحي الحياة والمحافظة عليها والإسهام في بناء الأسس اللاّزمة للنّهوض بها.
وإذا كان العقد العربي للحقّ الثقافي قد أولى اللغة العربيّة مكانتها من المشروع الثقافي عامّة، فإنني أشير إلى أنّ الوعي بالقضيّة اللغويّة في القطاع الثقافي مازال يحتاج إلى مراجعات، حيثُ يفتقد خطابنا الثقافي في المسرح والسينما وغيرها من الفنون إلى حضور هذا الوعي أمام استسهال التعامل باللهجات العامية، وإن كنا نعتبر أنّ اللهجات العامية طاقة ثقافيّة فيها الكثير من الإبداع ويظهر ذلك في الشعر والغناء والمسرح وفي سيناريو الأفلام السينمائيّة وفي الدراما التلفزيونيّة، فإنّني أخصّ بالذكر ضرورة الابتعاد عن تغليب العامية في خطابنا الثقافي حول كلّ هذه الفنون، فلا يُمكننا أن نتناول هذه الفنون بالتحليل والنقد بالعامية أيضًا، وغالبا ما يناقش الإعلاميّون والمثقفون على السّواء القضايا الثقافيّة بالعامية، وهذا تقزيم من دور اللغة العربيّة، وممّا كنتُ أستغربه أنّ من المثقفين من يكتبون كتبهم وأبحاثهم ومقالاتهم بالعربيّة الفصحى إلاّ أنّهم حينما يناقشون قضايا ما يكتبون في وسائل الإعلام يتكلّمون بالعامية!
ذلك وجه من وجوه غربة اللّغة في خطابنا الثقافي، حينَ يكون المثقّف جزءا من المشكل.
اليوم العالمي للغة العربيّة
نحتفل قريبًا مع كلّ دول العالم باليوم العالمي للّغة العربيّة الذي ينظّم كلّ عام في الثامن عشر من ديسمبر، وهو التاريخ الذي اتّخذت فيه الأمم المتّحدة عام1973 قرارها بأن تكون اللغة العربيّة لغة رسميّة سادسة في المنظّمة. ولم تدّخر المؤسسات الثقافيّة والجهات الحكوميّة في قطر جهدا في الاحتفال بهذا اليوم، من خلال الفعاليات والندوات والحملات الإلكترونيّة على منصّات التواصل الاجتماعي.
وإذ يساهم هذا الاحتفال في تعزيز مبدأ تعدد اللغات والثقافات في الأمم المتّحدة بالذّات، ويسعى إلى تعريف العالم بالتاريخ المشرّف للغة العربيّة، فإنّ عمليّة توظيف هذه الخطوة الجيّدة من قبل العرب ما تزال دون المأمول، ذلك أنّ استخدامها في المنظّمة لم يترجم حقّا منزلتها الحقيقيّة. وباعتبار العلاقة التي تجعلني أحد أبناء الأمم المتّحدة التي عملت فيها سفيرًا في نيويورك ورأستُ منظّمات كمؤتمر الأمم المتّحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد) وترأست مؤتمرات ولجانا وكنت مندوبا في اليونسكو ومرشّحا لإدارتها، فقد كنتُ أُجلُّ الجهود التي قام بها رجالٌ قبلنا لتكون اللغة العربيّة لغة من لغات الأمم المتّحدة، وفي المقابل فإنّي أتألّم عندما تَجاهلَ الكثيرُ من المندوبين والمتحدّثين العرب لهذا الإنجاز لتكون بياناتهم ومداخلاتهم باللغات الأجنبيّة ممّا همّش الإنجاز وأضعف اللغة العربيّة في الأمم المتّحدة. لذلك فالعرب مقصّرون رغم الإنجازات السابقة ورغم حجم الأموال التي أنفقت في سبيل تعزيز حضور اللغة العربيّة ومن أجل أن تتحوّل إلى لغة مساوية لبقيّة اللغات المعتمدة في الأمم المتّحدة.
وبالإضافة لذلك فإنّني ألاحظ تفاوتًا في استخدم اللغات في الأجهزة الفرعيّة للأمم المتّحدة مثل صندوق الأمم المتّحدة للسكان، هيئة الأمم المتّحدة للمرأة، ومنظمة السياحة العالميّة، ومكتب الأمم المتّحدة المعنيّ بالمخدّرات والجريمة. كما تفتقر أغلب المنصّات الإعلاميّة الرسميّة الرقميّة إلى استخدام اللغة العربيّة، وهذا ما يحدُّ منْ مجال وصول الرسائل والمعلومات إلى الشّعوب العربيّة فيؤثّر بشكل سلبي على تفاعلهم مع برامج الأمم المتّحدة.
منْ أجل أفق جديد للغة العربيّة
إنّنا في قطر نمتلك الإرادة السياسيّة الكافية والقوانين الملائمة لتكون وضعيّة اللغة العربيّة أفضل ممّا هي عليه، وأرى من الواجب أنْ أقدّمَ بعضا من التوصيات التي من شأنها تطوير مكانة اللغة العربيّة، حتّى يكون تشخصينا ونقدنا مجديا، ومن هذه التوصيات:
- تفعيل القانون(7) لعام 2019 بتنفيذه وتحديد جهة تتابع هذا التنفيذ.
- أن يكون الاهتمام باللغة العربيّة من أولويّات السّاسة، لأنّ القضيّة اللغويّة مسألة سياسيّة قبلَ أنْ تكون قضيّة ثقافيّة. ولا سبيلَ إلى النهوض باللُّغة العربيّة إلاّ بوضع سياسة لغويّة وخطط لتنفيذها من خلال البرامج.
- تتعلّق السياسة اللّغويّة بدعم مكانة اللغة العربيّة من خلال سنّ القوانين ومن خلال إنشاء مؤسسات لحمايتها.
- إلزام المدارس الأجنبيّة بتخصيص حصص كافية لتدريس اللّغة العربيّة لطلابها.
- السّعي إلى الإعلاء من شأن اللغة العربيّة في التداول اليومي وفي التعليم وتشجيع المبادرات الثقافيّة والتربويّة والاجتماعيّة والإعلاميّة والمشاركة في تمويلها من قبل الهيئات ذات الصّلة.
- تطوير الوعي اللغوي لدى الإعلاميين من خلال إصدار "الدليل اللغوي" وتكثيف برامج التدريب لتحقيق الكفاية اللغويّة.
- التأكيد على دور الإعلام والمؤسسات الثقافيّة في أدائها وفي التوعية بأهمية اللغة العربيّة.
- تتحمّل مراكز الدّراسات والجامعات دوراً كبيراً في تسليط الأضواء على اللغة العربيّة وتساهم في اقتراح الوسائل لتعزيز مكانتها.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
أحد الجوانب الهامة التي بنيت عليها فلسفة الصيام في الإسلام، هو أنه عبادة تقوم على مبدأ اتخاذ القرار بمحض الإرادة، فهو العبادة الوحيدة التي تؤدى في الخفاء بعيدًا عن أعين الناس، وكل امرئ يمكنه أنه يظهر صيامه للناس ويأكل ويشرب كما يحلو له إذا ما توارى عنهم، ومن ثم كان رمضان بأيامه الثلاثين محضنا يعود الصائم على اتخاذ القرار، أو بمعنى آخر يقوي لديه الإرادة. الصائم طيلة شهر رمضان يتخذ يوميًا قرارًا جديدًا بأن يصوم، هذا التكرار اليومي للاختيار يعيد تشكيل الشخصية ويمنحها صلابة هادئة في تدريب النفس على أن تقول لا، حين ينبغي الرفض، ونعم، حين يستدعي الأمر الإقدام. وها هنا يقول صاحب وحي القلم: «وهنا حكمة كبيرة من حكم الصوم، وهي عمله في تربية الإرادة وتقويتها بهذا الأسلوب العملي، الذي يدرب الصائم على أن يمنع باختياره من شهواته ولذة حيوانيته، مصرا على الامتناع، متهيئا له بعزيمته، صابرًا عليه بأخلاق الصبر، مزاولا في كل ذلك أفضل طريقة نفسية لاكتساب الفكرة الثابتة ترسخ لا تتغير ولا تتحول، ولا تعدو عليها عوادي الغريزة». ما ينشده المرء من تعزيز الإرادة من خلال كتب التنمية البشرية وإدارة الذات، يجده دون عناء في هذه المدرسة السنوية المفتوحة، والتي يعد كل يوم من أيامها الثلاثين كبسولة لتقوية الإرادة واستعادة السيطرة على الذات، وتحرير القرار من أسر العادة. تعزيز الإرادة من خلال الصيام أعمق من وصف قمع الرغبات، فهو إدارة واعية لها، تظهر في الامتناع الطوعي الذي يزرع في النفس يقينًا نادرًا: أنا أستطيع. وهذه الجملة ينبثق عنها تغيرات جمة، فمن يستطيع ضبط حاجاته الأساسية على مدى نصف يوم أو يزيد، يمكن له أن يضبط غضبه ويكبح اندفاعه وينظم وقته ويدع فوضويته. الإرادة التي يكتسبها العبد بالصيام إرادة رحيمة، لا تقوم على القسوة مع النفس، بل على تهذيبها، هي ليست معركة مع الجسد لكنها حوار مع الجسد يتعلم من خلاله الإنسان أن يستمع إلى احتياجاته ويتفهمها دون أن يخضع لسيطرتها، وتلك هي كلمة السر في السلام الداخلي والصحة النفسية. ليس الصيام أداء بيولوجيا بقدر ما هو يقظة أخلاقية ضابطة لسلوك المرء، وهنا يتجلى البعد الحضاري للإرادة، فهي ليست صراعًا يخوضه المرء داخل جسده في صمت، بل هي سلوك في الفضاء العام يقوم على مبدأ ضبط النفس وترك الرفث والصخب والسباب، والتحلي بالسكينة والرحمة في المعاملة كما جاء في الحديث (فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني صائم). وتتسع فرصة تعزيز الإرادة من خلال الصوم، من خلال إحدى خصائص هذه المدرسة، وهي الجماعية، حيث يتشارك الملايين في تلك العبادة في التوقيت نفسه، والامتناع ذاته، أو بمعنى آخر يجد الصائم سندًا اجتماعيًا محرضًا على الاستمرار. هذا التشارك يخلق بيئةً داعمة للانضباط، ويجعل الالتزام أسهل. الإنسان بطبعه يتأثر بالجماعة، فإذا كانت الجماعة منضبطة، ارتفعت فرص نجاحه في الانضباط، وهكذا تتحول الإرادة الفردية إلى طاقة جماعية، ترفع مستوى الوعي والسلوك العام. وإن الصيام ليجود برسالة عميقة حول مفهوم الحرية، أن يكون المرء سيد قراره لا عبدًا لعادته، يتحكم في رغباته لا أن تتحكم فيه رغباته، بهذا المعنى يصبح شهر الصيام تحريرًا للإرادة من ربقة التلقائية وإعادتها إلى موقع القيادة. شهر الصيام فرصة عظيمة لترجمة المشاريع المؤجلة وجعْلها واقعًا، فالبعض يتخذ قرارًا مؤجلا بالإقلاع عن التدخين مثلا، أو صلة الأرحام التي قطعها، أو البدء في عمل ما، أو الحصول على دورات متخصصة، لا يمنعه من تحقيق ما يرنو إليه سوى ضعف الهمة والإرادة، فتأتي أجواء الصيام الداعمة للإرادة لتكون فرصة للبدء في تنفيذ ما تراكم من أحلام وطموحات. لكن ثمة شيئا ينبغي الانتباه له، أن مدرسة الصيام وكبسولات الثلاثين يومًا لا ينبغي النظر إليها على أنها تستبدل الإرادة بأخرى، أو بمعنى آخر هي دفعة قوية لكنها تحتاج إلى أن يستثمرها الصائم وينطلق منها في حياته بعد رمضان، وإلا وقف الصيام عند كونه تجربة موسمية مثيرة للحماس.
2898
| 01 مارس 2026
في العلاقات بين الدول يظل مبدأ حسن الجوار خط الدفاع الأول للاستقرار، فجوهر هذا المبدأ واضح ومباشر، الخلاف السياسي لا يبرر تهديد أمن الدولة المجاورة، ولا تحويل التوترات إلى مواجهات عسكرية، وعندما تُستبدل لغة الحوار بالصواريخ والطائرات المسيّرة، فإن المشهد يتغير من خلاف دبلوماسي إلى خطر إقليمي مفتوح. حسن الجوار ليس بالضرورة التطابق في المواقف، بل يعني احترام الحدود والسيادة والامتناع عن أي تصرف يعرّض المدن أو المنشآت الحيوية للخطر. فلكل دولة الحق في أن تشعر بالأمان داخل أراضيها، وأن تحمي بنيتها التحتية وسكانها من أي استهداف مباشر أو غير مباشر. هذه قاعدة بديهية في العلاقات الدولية، لأنها تمس حياة المدنيين قبل أن تمس الحسابات السياسية. ما فعلته إيران من قصف منشآت داخل قطر، واستخدام صواريخ وطائرات، لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد رسالة سياسية. استهداف البنية التحتية أو المرافق الحيوية يمثل تصعيدًا عسكريًا يضع المنطقة أمام احتمالات حرب خطيرة، فحين تُطلق الصواريخ وتنطلق الطائرات، لا تُصيب هدفًا ماديًا فحسب، بل تُصيب معها الثقة والاستقرار والأمن الإقليمي. الأخطر من ذلك أن مثل هذه الانتهاكات تجر دول الجوار إلى دائرة حرب المواجهة المباشرة وقد تتوسع سريعًا لنطاقات لا حد لها. فالهجمات بالصواريخ أو الطائرات لا تبقى ضمن إطار ثنائي، بل تفرض على الدول المجاورة اتخاذ إجراءات مقابلة، وهكذا تتحول حادثة واحدة إلى سلسلة ردود أفعال متلاحقة، قد تدفع المنطقة بأسرها إلى حافة مواجهة دامية. المنطقة الخليجية شديدة الترابط سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا، أي تصعيد عسكري فيها يكون شرارة تحرق الأخضر واليابس. المنشآت المستهدفة ليست مجرد مبانٍ، بل مراكز طاقة واتصالات ومطارات وخدمات تمس حياة الملايين. وعندما تُستهدف، تتأثر سلاسل الإمداد، وتضطرب الأسواق، وتتراجع الثقة في استقرار الإقليم. وهذا ما يجعل أي عمل عسكري يتجاوز الخلاف السياسي ليصبح تهديدًا عالمياً مباشراً. من حق أي دولة أن تختلف مع جارتها في الرؤية أو التحالفات أو المواقف الإقليمية، لكن ليس من حقها البتة أن تنقل هذا الخلاف إلى مستوى استخدام القوة وحرب مفتوحة. فالصواريخ لا تحل النزاعات، والطائرات لا تبني جسور تفاهم. بل على العكس، هي أدوات ترفع منسوب القلق، وتزيد احتمالات سوء التقدير، وتفتح الباب أمام سيناريوهات يصعب احتواؤها. إن استمرار مثل هذه التصرفات يضع قطر ودول الجوار أمام معادلة صعبة إما القبول بواقع أمني مضطرب، أو الدخول في سباق تصعيد لا يخدم استقرار المنطقة. وفي الحالتين يكون الثمن باهظًا على الجميع. لذلك فإن التمسك بمبدأ حسن الجوار لم يعد خيارًا أخلاقيًا، بل ضرورة إستراتيجية لتجنب الانزلاق إلى حرب لا يريدها أحد. وختامًا استهداف المدن والمنشآت بالصواريخ والطائرات لا يمكن تبريره تحت أي خلاف سياسي وتحت أي ذريعة مهما كانت. بل إنه يمثل خطوة تدفع المنطقة نحو حافة مواجهة أوسع. الحفاظ على الأمن الإقليمي يبدأ باحترام سيادة الدول وحدودها، وبتغليب لغة التهدئة على منطق القوة. دون ذلك، يصبح الجوار ساحة صراع بدل أن يكون إطارًا للتعايش والاستقرار.
1620
| 04 مارس 2026
المشهد يتكرر كل يوم جمعة، وهو مؤلم بقدر ما هو محرج. الجدة تجلس بفرحة تنتظر أحفادها. يدخل الطفل، بملامحه الخليجية السمراء وعينيه الواسعتين. تسأله الجدة بلهفة وحنان: "شلونك يا وليدي؟ بشرني عن دراستك؟". ينظر الطفل إليها بجمود، ثم يلتفت لأمه سائلاً بلسان أعوج: "Mom, what is she saying?". فتتدخل الأم، وهي تضحك بخجل لتغطي الموقف، لتقوم بدور "المترجم" بين حفيد وجدته، وكأننا في اجتماع للأمم المتحدة، لا في صالة منزل خليجي! دعونا نضع هذا المشهد تحت مجهر "الثقافة والهوية" لنفهم أين الخلل. هل الخلل في أن الطفل يتقن الإنجليزية؟ قطعاً لا. فإتقان اللغات الأجنبية هو من أقوى أدوات "الثقافة المعاصرة"، وهو سلاح ضروري لتأمين مستقبله الوظيفي والعلمي في سوق عمل عالمي. وسعي الآباء لإدخال أبنائهم مدارس دولية هو سعي محمود لـ "جودة التعليم". إذن، أين الكارثة؟ الكارثة ليست في "كسب" لغة جديدة (وهذا تطور)، بل في "خسارة" اللغة الأم (وهذا طمس للهوية). نحن لا نربي جيلاً "عالمياً" كما نوهم أنفسنا، بل نربي "أجانب" بملامح خليجية، لأننا سمحنا لـ "الأداة" (الإنجليزية) أن تأكل "الأصل" (العربية).. اللغة ليست مجرد كلمات تترجم. اللغة هي "وعاء القيم". عندما يفقد طفلك اللغة العربية، هو لا يفقد "المفردات" فقط، بل يفقد "الشفرة الهوياتية" التي تربطه بمجتمعه وبدينه. كيف ستشرح له معنى "السنع" بالإنجليزية؟ كيف سيفهم معنى "المروءة"، و"الحشمة"، و"الفزعة"، و"صلة الرحم"؟ هذه مفاهيم ليس لها مرادف حقيقي في قواميس الغرب، لأنها نبتت من أرضنا وديننا. عندما يقول "Hi" بدلاً من "السلام عليكم"، هو لا يغير كلمة بكلمة، بل يستبدل "دعاءً بالسلام والرحمة" (قيمة) بـ "تحية عابرة" (عادة). الطفل الذي يكبر ولسانه "مكسّر"، ينشأ وفي داخله "كسر" في الهوية. يشعر بالغربة في مجالس الرجال لأنه لا يفهم نكاتهم ولا أمثالهم. يشعر بالملل عند سماع القرآن لأنه لا يتذوق بلاغته. يتحول تدريجياً إلى "سائح" في بلده؛ شكله منا، لكن عقله وروحه معلقة بثقافة أخرى. المعادلة الذهبية: لسانان لوظيفتين نحن لا ندعو - حاشا لله- للانغلاق. الإنجليزية اليوم هي "لغة العلم والعمل" (ثقافة)، ومن الضروري إتقانها كـ "مهارة" (Skill). ولكن العربية هي "لغة الوجود والانتماء" (هوية)، ومن الواجب الحفاظ عليها كـ "روح" (Soul). الخطر هو أن تتحول الإنجليزية من "لغة عمل" إلى "لغة أم" داخل البيت. أيها الآباء والأمهات.. "المدارس" ستعلمهم الإنجليزية والعلوم، هذه مهمتها (الثقافية)... لكن "العربية" و"الدين" و"السنع" هي مهمتكم أنتم، وهي مسؤوليتكم الحصرية التي لا تقبل التفويض (الهوياتية).. لا تقطعوا "الحبل السري" الذي يربط أطفالكم بتاريخهم. تحدثوا معهم بالعربية في البيت. اقرأوا لهم قصص الأنبياء. اجعلوهم يحفظون الشعر. لا تجعلوا طفلكم يحتاج إلى "مترجم" ليفهم دعوات جدته له، فتلك الدعوات هي أغلى ما سيحمله معه في رحلة الحياة. فاللغات يمكن تعلمها في أي عمر كـ "مهارة"، لكن "الانتماء" إذا كُسر في الصغر.. لا يجبره شيء في الكبر......
1041
| 04 مارس 2026