رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. أكرم عثمان

- مستشار ومدرب دولي في التنمية البشرية

مساحة إعلانية

مقالات

162

د. أكرم عثمان

رمضان.. حين يعيد الإنسان صناعة نفسه

06 مارس 2026 , 01:48ص

ليس رمضان شهراً عابراً في تقويم الأيام، بل هو محطة سنوية لإعادة تشكيل الإنسان من الداخل. إنه ليس مجرد امتناع عن الطعام والشراب، بل هو إعادة ترتيب للأولويات، وضبط للإيقاع الداخلي، ومراجعة شاملة للعادات والسلوكيات والأفكار والمشاعر. في زمن تتسارع فيه المتغيرات وتزداد فيه الضغوط، يأتي رمضان كمساحة هادئة يعيد فيها الإنسان اكتشاف ذاته، وصناعة نفسه وتشكيلها ويتصالح مع روحه، ويستأنف رحلته نحو الأفضل والأميز.

حين نتأمل طبيعة هذا الشهر نجد أنه يحمل في جوهره فلسفة التغيير العميق وترك عتبة الماضي وهفواته وأخطائه. فالإنسان الذي يستطيع أن يمتنع ساعات طويلة عن المباحات بدافع الإيمان والانضباط، قادر على أن يمتنع عن السلوكيات السلبية والعادات الضارة التي لا تنفعه وتتسب في بعده عن خالقه، إذا امتلك الوعي والعزيمة والإصرار على التغيير. الصيام تدريب عملي على الإرادة، وإعادة برمجة للسلوك، وتعويد للنفس على ضبط الرغبات وتأجيل الإشباع، وهذه في علم النفس من أهم ركائز بناء الشخصية المتوازنة.

في هذا الشهر تتجلى قوة الإرادة بصورة عملية يومية. الإنسان الذي كان يظن أنه لا يستطيع ترك عادة معينة يكتشف أنه قادر على ضبطها وتأجيلها لساعات طويلة دون جزع أو وجل. فالمدخن يمتنع، والغاضب يكظم غيظه، والمندفع يهدأ ولا يتهور، والمتكاسل ينهض لصلاة الفجر وقيام الليل دون تسويف أو أعذار وتأجيل. هذه ليست طقوساً شكلية عابرة، بل رسائل يومية يبعثها الإنسان إلى عقله الباطن مفادها أنه يملك القدرة على التحكم في ذاته. والسيطرة على ضعفها وهوانها بيقظة إيمانية تملأ نفسه بكل معاني القوة والمنعة لكسب الخير والأجر العظيم في هذا الشهر الفضيل ومع التكرار اليومي تتشكل قناعات جديدة، وتزرع بذور عادات مختلفة، وتتأصل سلوكيات رائعة وعظيمة، ويبدأ مسار داخلي جديد يتعمق شيئاً فشيئاً.

رمضان أيضاً مدرسة في إعادة تعريف النجاح. فالنجاح ليس في كثرة الإنجاز المادي فحسب، بل في القدرة على تهذيب النفس، وضبط اللسان، وتطهير القلب من الحسد والضغينة، وبناء علاقة أكثر صفاء وقرباً مع الله عز وجل ومن ثم مع الناس. الصائم الحقيقي لا يصوم عن الطعام فقط، بل يصوم عن الأذى والشر، عن الكلمة الجارحة المؤذية، عن تجنب النظرة المتعالية التي تتسم بالتواضع وحسن الخلق، وعن السلوك الذي يجرح إنسانية الآخرين، بل يثبت إنسانية التعامل وأخلاقية التصرف الحسن. في هذه المساحة الروحية يتعلم الإنسان أن قيمة وجوده تتجاوز مصالحه الشخصية والآنية، وأن صفاء القلب أعظم من أي مكسب عابر وسريع.

في نهاية المطاف، رمضان ليس مجرد موسم للعبادة فحسب، بل هو موسم لإعادة كتابة قصة حياتنا. هو فرصة لنراجع مسارنا، ونحدد رؤيتنا، ونسأل أنفسنا بصدق: من أريد أن أكون بعد هذا الشهر؟ فإذا كانت الإجابة واضحة، وكانت النية صادقة، وكانت المحاولة مستمرة، فإن التغيير يصبح واقعاً لا حلماً.

رمضان يعيد إلينا الإيمان بأننا نستطيع. نتمكن أن نترك ما يضعفنا، وأن نتمسك بما يرفعنا ويجل خطواتنا ومسارنا، وأن نبدأ من جديد مهما تراكمت الأخطاء والزلات. إنه شهر لا يغير التقويم فقط، بل يغير الإنسان ذاته، ويمنحه فرصة حقيقية ليولد من جديد أكثر وعياً، وأكثر نقاء، وأكثر قرباً من الله عز وجل.

مساحة إعلانية