رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

روضة مبارك راشد العامري

مساحة إعلانية

مقالات

147

روضة مبارك راشد العامري

أقدام الفطرة وحبر الحدود

07 سبتمبر 2026 , 02:00ص

حضرت مؤخرًا عرضًا لفيلم ثقافي تناول موضوع الهجرة، وقد أثار في ذهني جملةً من التساؤلات حول الفارق بين هجرة الكائنات الحية، التي تقودها الفطرة وتحكمها ضرورات البقاء، وهجرة الإنسان في عالمنا المعاصر، التي باتت تحاصرها الحدود والوثائق وشروط العبور.

ومن تلك التساؤلات وُلدت خاطرة، ثم اتسعت فكرتها حتى أصبحت مقالًا ومساحة للتأمل في العلاقة بين الإنسان والأرض والحدود وحق التنقل.

وقد استند المقال في بنائه الفكري إلى قوله تعالى في سورة الملك، الآية (15)، وقوله تعالى في سورة الحجرات، الآية (13)، وإلى ما قرره ابن خلدون في المقدمة من أن "الاجتماع الإنساني ضروري". كما استأنس بما أوردته الأمم المتحدة بشأن ارتباط الهجرة بتاريخ الإنسان منذ أقدم العصور، وبما تناولته دراسات حديثة حول تطور جواز السفر وترسّخ إلزاميته في السفر الدولي، ولا سيما بعد الحرب العالمية الأولى..

في البراري المفتوحة، تتحرك قطعان الجواميس كأنها جسد واحد؛ لا تحمل خرائط، ولا تتوقف عند خطوط رسمها أحد على التراب. وعلى ظهورها تحطّ الطيور الصغيرة في ألفةٍ عجيبة، فتأكل ما يعلق بجلودها، وتمنحها في المقابل إنذارًا مبكرًا من الخطر. لا اتفاقيات مكتوبة بين الطرفين، ولا أختام تثبت حق العبور؛ إنها الفطرة حين تدير شؤون الحياة بحكمة صامتة.

وبالفطرة ذاتها، بدأ الإنسان رحلته الكبرى. خرج من موطنه الأول يتتبع الماء والكلأ والدفء، وتعقّب أقدام الطرائد، وعبر الصحارى والجبال والأنهار. لم يسأله البحر عن جنسيته، ولم تطلب منه الصحراء إثبات محل الإقامة. كانت الأرض، قبل أن تتوزعها الأسماء، فضاءً واسعًا للبقاء والاكتشاف.

ولعل القرآن الكريم يوقظ فينا هذه الحقيقة حين يقول: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ﴾. فالمشي في مناكب الأرض ليس حركة أقدام فحسب، بل سعيٌ وراء الرزق والأمان والمعرفة والعمران.

ثم جاء الإنسان بالحبر والمسطرة، فقسّم الأرض إلى دول، والدول إلى حدود، والحدود إلى بوابات. ولم تكن الحدود في ذاتها شرًّا؛ فقد نشأت لتنظيم السيادة، وحماية المجتمعات، وترتيب الحقوق والمسؤوليات. لكن الخطر يبدأ حين يتحول التنظيم إلى إقصاء، والحماية إلى قسوة، والجواز من وثيقة تعريف إلى حكمٍ مسبق على قيمة صاحبه.

قال ابن خلدون في المقدمة: "الاجتماع الإنساني ضروري"؛ فالإنسان لا يعمر الأرض منفردًا، وإنما بالتعاون والتعارف وتبادل المنافع. وهذا المعنى يلتقي مع قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾. فالاختلاف لم يُخلق لتعلو جماعة على أخرى، بل لتتعارف الشعوب وتتشارك خبراتها، ويصبح التنوع بابًا للعمران لا ذريعةً للارتياب.

وما أشد المفارقة: يرفع الإنسان رأسه فيرى سربًا من الطيور يعبر الحدود التي يعجز هو عن اجتيازها. طائرٌ بلا وثيقة يصل إلى ضفة الأمان، وإنسان يحمل تاريخه وأحلام أطفاله قد توقفه ورقة ناقصة أو ختم غائب.

لسنا مدعوين إلى محو الحدود، بل إلى إعادة معناها الإنساني. أن تحمي الوطن دون أن تُهين الغريب، وأن تنظّم العبور دون أن تُجرّم الحاجة، وأن تتذكر الدول، وهي تمسك بأقلامها، أن الخطوط التي ترسمها على الخرائط لا ينبغي أن تتحول إلى جروح في أجساد البشر.

فالأرض تعرف وقع أقدامنا جميعًا، لكنها لا تعرف أسماء الحدود. وبين أقدام الفطرة وحبر السياسة يبقى الامتحان الحقيقي: هل نجعل القانون جدارًا يفصل الإنسان عن الإنسان، أم بابًا يحفظ الكرامة وينظّم اللقاء؟.

اقرأ المزيد

لسنا خزائن للماء ولا للمعرفة لسنا خزائن للماء ولا للمعرفة

﴿وجعلنا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾، قانونٌ إلهيٌّ عظيمٌ لا يقتصر على المادة، بل يمتد لروح الإنسان وفكره.... اقرأ المزيد

363

| 20 يوليو 2026

حين يصبح القائد وطناً حين يصبح القائد وطناً

في وداع صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني.. هناك رجالٌ يمرون في التاريخ، وهناك... اقرأ المزيد

207

| 13 يوليو 2026

بين دفتي الجغرافيا والمصير.. إعادة تعريف «البيت الخليجي» بين دفتي الجغرافيا والمصير.. إعادة تعريف «البيت الخليجي»

لم تعد الجغرافيا في القرن الحادي والعشرين مجرد حدودٍ ترسمها الخرائط، بل أصبحت مسرحًا لخيارات وجودية معقدة. في... اقرأ المزيد

270

| 09 يوليو 2026

مساحة إعلانية