رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

روضة مبارك راشد العامري

مساحة إعلانية

مقالات

180

روضة مبارك راشد العامري

وطن يضيء طريق العودة

11 سبتمبر 2026 , 02:00ص

في نهاية يوم طويل، حين تتجه السيارة نحو البيت، يسبقنا إليه شيءٌ من أرواحنا. نتخيّل الباب، ووجوه من نحب، وتفاصيل صغيرة تستحق العودة. وبين المكان الذي نغادره والبيت الذي ينتظرنا، يمتد طريقٌ نعبره كل يوم، حتى نكاد ننسى أن وراء وصولنا جهودًا لا نراها، وأيديَ لم نصافحها، وعقولًا فكّرت في سلامتنا قبل أن نمر.

أتأمل شوارع قطر؛ الضوء المنتظم في امتدادها، والأشجار التي تمنح المشهد رفقًا، والمسارات التي تقود الحركة، واللوحات التي تخبر العابر إلى أين يمضي. ويستوقفني هذا الجمال الهادئ، الجمال الذي يدخل حياتنا من باب الاعتياد، فيستقر فيها حتى ننسى أن نشكره.

على الخريطة تبدو الطرق خطوطًا تتقاطع. وفي حياة الناس، لكل خط حكاية: أمٌّ تتجه إلى عملها، وطالب يحمل صباحه إلى الجامعة، وأب يعود إلى أطفاله، ومريض يقصد موعده، وصديق يختصر المسافة إلى صديقه. من الشمال إلى الدوحة، ومن الخور إلى الوكرة، وفي الطرق الممتدة نحو دخان وسلوى، تتحرك حياة كاملة؛ بانتظارها ولهفتها وأرزاقها ومواعيدها.

وحين ننظر إلى اتصال طريق المجد بمحاور الشمال وسلوى ودخان والخور، ندرك كيف تُنسج الصلات بين مناطق البلاد. ما تسميه الهندسة شبكة طرق، نعيشه نحن قربًا بين البيوت، وإمكانًا أوسع للعمل والزيارة والوصول.

خلف هذا المشهد عملٌ تتكامل فيه اختصاصات وجهود. لوزارة المواصلات دورٌ في تخطيط شبكات النقل والطرق ومسارات المشاة والدراجات، وفي رسم احتياجات التنقل المستقبلية وربطها بنمو العمران. ولـهيئة الأشغال العامة «أشغال» جهودها في تنفيذ مشروعات الطرق وتطوير بنيتها وخدماتها وعناصر إنارتها وسلامتها. وبين التخطيط والتنفيذ، تتحول الخطوط على الورق إلى مسافات نعبرها في حياتنا اليومية.

ولوزارة البلدية والعاملين في الحدائق والنظافة نصيب من هذا الامتنان؛ لما يبذلونه في رعاية المساحات العامة ونظافتها وخضرتها. كما تستحق جهود لجنة الإشراف على تجميل الطرق والأماكن العامة بالدولة التقدير، بما حملته مشروعاتها من تشجير ومسارات للمشاة والدراجات ولمسات فنية، وبما جمعته من تعاون بين الجهات المختلفة. تلك التفاصيل تصنع ألفة المكان؛ شجرةٌ ننتظر اكتمال ظلها، ورصيفٌ يدعونا إلى المشي، ومساحةٌ نظيفة تريح العين.

وتحضر وزارة الداخلية، ممثلة في الإدارة العامة للمرور، بجهود تنظيم الحركة والتوعية وتعزيز السلامة. فخلف قواعد الطريق قيمةٌ إنسانية عميقة: أن تُصان حياة، وأن تقلّ المخاطر، وأن يعود كل عابر إلى من ينتظره. ويكتمل أثر هذه الجهود حين نقابلها بقيادة واعية، واحترام للمشاة، والتزام يحفظ لنا ولغيرنا حق الوصول الآمن.

ومع أسماء المؤسسات، أريد أن أشكر الذين لا تظهر أسماؤهم على لوحات المشاريع: المهندس الذي راجع تصميمًا، والفني الذي أصلح مصباحًا، والعامل الذي غرس شجرة، ومن اعتنى بنظافة شارع قبل أن يستيقظ أهله. أشكر فرق الصيانة، والمقاولين والاستشاريين، وكل من ترك في الطريق أثر إتقانه ثم مضى.

كم من جهدٍ يصبح خفيًا حين ينجح! نمر تحت الضوء فلا نسأل عمّن أبقاه مشتعلًا، ونستدل بلوحة فلا نفكر فيمن اختار موضعها، ونأنس بالخضرة ولا نعرف اليد التي تعهدتها. ولعل الإنصاف يبدأ حين نمنح هذه التفاصيل لحظة انتباه، ونرى أصحابها داخل الصورة الجميلة التي صنعوها.

في نظري، هنا يأخذ العمران معناه الأعمق: أن يشعر الإنسان بأن راحته تستحق التخطيط، وأن وقته يستحق العناية، وأن حياته تستحق كل ما يُبذل لحمايتها. وهنا تُقرأ التنمية في مشهد يومي قريب؛ في شارع يخدم الناس، وفي بيئة تحترم حاجتهم إلى الجمال والسكينة.

شكرًا لدولة قطر، قيادةً ومؤسساتٍ وكلَّ يدٍ أسهمت في عمرانها. شكرًا لمن مهّدوا الطريق، وأناروه، وزرعوا على جانبيه ما يسرّ القلب، وواصلوا رعايته بعد أن عبرناه.

وحين أصل إلى بيتي، وأقول لأهلي: «وصلت»، أتذكر أن لهذه الكلمة الصغيرة شركاء كثيرين.

لهم جميعًا، هذا الامتنان. ولِقطر محبةٌ تتجدد في كل طريق يعيدنا إلى أحبتنا.

مساحة إعلانية