رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
إضاءات مجتمعية
لقد حثَّنا دينُنا الحنيف على التحلِّي بكل خلق رفيع تتجلَّى فيه الفطرة السليمة والإنسانية الرحيمة التي تشعر بكل مَن حولها وتتألم لآلامهم، وتحاول التخفيف عن كل صاحب هَمٍّ أو ضيق أو انكسار أو شدة.
ومن هذه الأخلاق العظيمة جَبْر الخواطر؛ فتلك الصفة التي قَلَّما يُحسِنها وينفرد بها إلا الأصفياء الأنقياء أصحاب الأرواح الطيبة الحساسة التي تشعر بمن حولها في كل وقت وحين.
ومما يزيد هذه الصفةَ الجميلةَ (جبر الخواطر) جمالًا أن الجبر كلمة مأخوذة من أسماء الله الحسنى وهو اسم الله ((الجبار)) والذي بمعناه الرائع يَجبُر المنكسرين، ويحنو على المتألمين، فيُطمئِنُ القلبَ ويريحُ النفسَ؛ فهو سبحانه «الذي يَجْبُر الفقير بالغِنَى والسَّعة، والمريضَ بالصحَّة والعافية، ويجبر الفشلَ والتعسُّر بالتوفيق والنجاح، والخوفَ والقلق بالأمان والاطمئنان، فالله جبَّارٌ مُتَّصف بكَثرة جَبْره حوائج الخلائق». [تفسير أسماء الله للزجاج].
فالتحلِّي بجَبْر الخواطر يدلُّ على سمو النفس ورِقة القلب وسلامة الصدر. يجْبُر المسلم فيه نفوسًا كُسِرت وقلوبًا انفطرت وأجسامًا أرهقتها المتاعب والهموم والأوجاع، فما أجمل هذه العبادة وما أعظم أثرها في حياتنا اليومية؟!!
يقول الإمام سفيان الثوري: «ما رأيت عبادةً يتقرَّب بها العبد إلى ربه مثل جبر خاطر أخيه المسلم».
وتُظهِر لنا السنة النبوية العديدَ من المواقف التي جَبَر فيها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم خاطرَ أصحابه، فما كان عثمان بن عفان ينساها لرسول الله صلى الله عليه وسلم يوم تخلَّف عن بيعة الرضوان فوضع النبيُّ صلى الله عليه وسلم إحدى يدَيْه على الأخرى قائلًا: «وَهَذِهِ يَدُ عُثْمَانَ».
وما كان أبو ذر ينساها لرسول الله صلى الله عليه وسلم يوم تأخَّر عن الجيش، فلما حطَّ القومُ رحالهم ورأوا شبحًا قادمًا من بعيد وأحسن النبيُّ صلى الله عليه وسلم الظنَّ بأبي ذر أنه لن يتخلف أبدًا عن الجهاد، وأخذ يقول: «كُنْ أَبَا ذَرٍّ» فتمنَّى لو كان هو، وظل يقول: «كُنْ أَبَا ذَرٍّ» فكان أبا ذر حقًّا.
وما كانت عائشة تنساها للمرأة التي دخلت عليها في حديث الإفك، وظلت تبكي معها وتشاطرها حُزنها دون أن تتكلم بكلمة، بل ظلت تبكي لبكاء عائشة، ثم ذهبت.
وما كان كعب بن مالك ينساها لطلحة يوم أن ذهب إلى المسجد متهللًا بعد أن نزلت توبته؛ فلم يَقُم إليه أحد إلا طلحة، قام واستقبله فرِحًا لفرحه فاحتضنه وآواه بعد غيابٍ واقتسم معه سعادتَه، يقول كعب: «والله لا أنساها لطلحة».
كل هذه المواقف وغيرها الكثير التي تحثُّنا على جبر خواطر الوالد والوالدة والإخوة والأخوات والأهل والأبناء والبنات والأرحام والأصدقاء والرفقاء والزملاء وقتَ الشدائد والصعوبات وكذلك في وقت الرخاء.
فينبغي على كل منَّا في مكانه أن يحرص على جبر خواطر مَن حوله، حتى المعلم في مدرسته، والدكتور في جامعته، ما أجمل أن تجبر خاطر طالبك المتعثِّر بكلمةٍ طيبةٍ أو بإشادة أمام زملائه على صنيع خير يقدمه ولو كان يسيرًا! فجبر خاطر المتعثر يحثُّه على الاجتهاد حتى يصل للنجاح والتفوق.
تجبر بخاطر طلابك في مشاكلهم الدراسية وحتى الشخصية، هذه اللحظات لا تُنسَى على مدار العمر؛ لما فيها من الحنان والعطف والاحتواء لهذا النشء الصغير في مرحلة عمرية حساسة تحتاج إلى مزيد من جبر الخواطر في كل المواقف التي يمرون بها.
إلى أصحاب المواقع الإدارية وذات المسؤولية وإلى كل راعٍ أن يراعي حق رعيته، ما أجمل أن تتحلى بجبر الخواطر أيها المسؤول والمدير والوزير والقائد؛ تجبر بخاطر كل مَن تحت إدارتك في العمل بالوقوف معهم في مشكلاتهم والمطالبة بحقوقهم، وكذلك بمواساتهم في همومهم وأحزانهم، تفقُّدُك للغائب وسؤالك عن المتأخر لِمَ تأخر لعل حدث له مكروه لا قدر الله!، زيارتك للمريض... كل هذه المواقف من جميل جبر الخواطر والإحساس بمن حولك وشعورك الطيب بالسؤال عن أحوالهم، والسعي في رفع الظلم عنهم ورفع معنوياتهم.
إلى رب الأسرة... أيها الأب، ما أجمل هذه الصفة في الآباء! جبرك لخواطر أبنائك وبناتك في إخفاقهم وتعثرهم والمواقف الصعبة التي يمرون بها في حياتهم الدراسية والشخصية ودعمك لهم يُقوِّيهم، وله أثر عظيم على مستقبلهم. جبرك بخاطر زوجتك بعد تعبها من أجل خدمتك ورعاية أبنائك من حُسن العشرة وجميل المودة بين الزوجين، وكذلك لك أيتها الأم في جبر خاطر الزوج من المشاكل التي يعاني منها في العمل أو في الحياة بشكل عام، كوني له مثل خديجة رضي الله عنها مع النبي صلى الله عليه وسلم. ورسالتي إلى كل من أساء إلى أي إنسان أو ظلمه أو آذاه سواء من الناحية المادية أو المعنوية؛ اجبر بخاطر من أسأت إليه وظلمته، واعتذر وقت الاعتذار ولاتكابر، وارجع إلى الله وتب إليه وتحلى بهذه الخصلة الراقية والعبادة العظيمة. فلنحرص جميعًا على جبر خواطر مَن حولنا من الأهل والأرحام والجيران والزملاء وكل شخص يحتاج منا إلى جبر خاطره حتى لو كنا لا نعرفه معرفة شخصية، فهذه قُربة إلى الله تؤجَر عليها، ولا تدري ماذا تفعل بصاحبها، ربما تبعث فيه روح التفاؤل وتساعده على القيام بعد الانكسار ومواصلة مشواره من جديد، فالكلمة التي تخرج من القلب لا شك تصل للقلب.
◄ دعاء:
اللهم إنا نسألك جبرًا ليس بعده انكسار، فأنت الجبار الذي بيده جبر المنكسرين والحيارى والتائهين في دروب الحياة. اللهم جَمِّلنا بهذا الخُلُق الجميل، واجعلنا لخواطر عبادك من الجابرين... اللهم آمين.
الدبلوماسية القطرية الامتياز الأول
تقوم دولة قطر، بقيادة حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، بدور محوري... اقرأ المزيد
441
| 17 يونيو 2026
اليقين بالله أساس الصبر والصمود
ما أثمن القلوب التي يملؤها اليقين وما أسعدها في هذه الحياة الدنيا! فاليقين بالله تعالى يُعدّ من أعظم... اقرأ المزيد
573
| 10 يونيو 2026
الوعي المجتمعي
إن جوهر الوعي المجتمعي هو إدراك الأفراد لمسؤولياتهم تجاه أنفسهم بالمقام الأول لينعكس تحملهم للمسؤولية بشكل سليم على... اقرأ المزيد
1029
| 14 مايو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4680
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3324
| 02 أكتوبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم سؤالًا مشروعًا يحتاج إلى إجابة واضحة. فدولة صغيرة بعدد سكانها مثل قطر لا يمكن أن تكتفي بالكوادر الوطنية وحدها لتغطية كل التخصصات والمهن، ومن الطبيعي أن تستعين بالمقيمين والوافدين لسد النقص، خصوصًا في الوظائف التي قد لا يقبل عليها المواطن لاعتبارات مهنية أو ثقافية. لكن ما يحدث في الواقع أن بعض الوزارات والجهات الحكومية، بحكم القوانين والإجراءات التنظيمية، لا تستطيع التعاقد المباشر مع المقيمين رغم وجود حاجة فعلية لهم، فتضطر إلى اللجوء لشركات توظيف خاصة تقوم بدور الوسيط؛ فتوقّع العقود مع الموظفين ثم تعيرهم للوزارات، لكنها تقتطع من رواتبهم أحيانًا ما يقارب النصف تحت مسمى “عمولة” أو “رسوم إدارية”. وهنا يبرز الخلل: الوزارة تدفع ميزانيتها كاملة، والشركة تستحوذ على النصيب الأكبر، والموظف، الذي يقوم بالعمل فعليًا، لا يحصل إلا على النصف أو أقل، في بلد ترتفع فيه تكاليف المعيشة. فيبقى السؤال: كيف يعيش؟ وكيف يعيل أسرته؟ وكيف يدرّس أبناءه؟ والمفارقة أن كل جهاز حكومي لديه أصلًا إدارة متكاملة للتوظيف والموارد البشرية، تضم موظفين مختصين ومؤهلين للقيام بمهام الاستقطاب والاختيار والتعيين. فما الحكمة إذن من وضع التحكم في يد طرف ثالث، بينما الجهة الحكومية مؤهلة وقادرة على القيام بمهامها؟ ولماذا يُترك الموظف والمجتمع ليتحملا الكلفة، بينما المستفيد الأكبر هم أصحاب هذه الشركات؟ والأكثر إثارة للتساؤل أن شركات التوظيف التي تدور في هذا المجال محدودة ومعروفة، وهنا يحق للناس أن يسألوا: من أصحاب هذه الشركات؟ ومن المستفيد من بقاء هذا الباب مفتوحًا؟ وهل نحن أمام تنظيم إداري يخدم المصلحة العامة، أم أمام منفذ ربحي يستفيد منه قلة على حساب حاجة الدولة وجهد الموظف؟ وهذه العقود لا تظلم الموظف في الراتب فقط، بل تمتد إلى حقوقه الأساسية؛ فقد يُخصم من راتبه إذا مرض رغم تقديم شهادة طبية معتمدة، لأنه لا يتمتع بإجازات مرضية أو سنوية مدفوعة، ولا بضمانات وظيفية واضحة، ولا زيادات سنوية، ولا مكافأة نهاية خدمة، بل قد يتأخر راتبه أحيانًا إلى ما بعد بداية الشهر. والأخطر أن بعض الجهات الحكومية تستفيد من خبرات وكفاءات تعمل داخل مؤسساتها وتتحمل مسؤوليات كبيرة، لكنها تتركها تحت رحمة مكاتب وشركات وسيطة، تحقق أرباحًا عالية من جهد الموظف وخبرته، بينما يتحمل هو وحده مخاطر الخصم وعدم الاستقرار والاستبدال. ومن الناحية الشرعية والأخلاقية، فإن هذا النوع من العقود يثير تساؤلات جدية؛ فالوسيط من حقه أن يأخذ أجرًا معلومًا ومحددًا مقابل خدمته، لكن أن يتحول الأمر إلى اقتطاع مستمر من راتب الموظف طوال سنوات خدمته، فهذا يقترب من شبهة أكل أموال الناس بغير وجه حق، ويفتح بابًا واسعًا للاستغلال. والمسؤولية هنا لا تقع على الشركة وحدها، بل تشمل أيضًا الجهة الرسمية التي سمحت بهذا النموذج أو تغاضت عنه. أما من ناحية التخطيط، فالمنطق يقول إن الهدف من هذه الإجراءات هو إعطاء الأولوية للمواطن، وهذا هدف مفهوم ومشروع، لكن لا يجوز أن يتحول الأمر إلى التفاف إداري يرهق المقيم، ويضر بصورة العدالة، ويكلف الدولة أحيانًا أكثر مما لو تم التعاقد المباشر بشفافية ووضوح. نحن لسنا ضد التعاقدات، ولا ضد القطاع الخاص، ولا ضد ربح الشركات، لكننا ضد أن يكون الربح على حساب كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. فالكفاءة والخبرة ليست سلعة في مناقصة، والإنسان ليس رقمًا في فاتورة شهرية، يتم الاستغناء عنه أو استبداله متى انتهت الحاجة إليه. الحل ليس معقدًا: التعاقد المباشر مع المقيمين في الوظائف التي لا يتوافر لها مواطنون، ضمن عقود واضحة تحفظ الحقوق، مع تقييد دور شركات الوساطة بحيث تكتفي بأجر مقطوع ومعلوم لمرة واحدة، بدلًا من الاقتطاع الدائم من رواتب الناس. وهذا المقال موجّه إلى وزارة العمل، وديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، ووزارة المالية، وديوان المحاسبة، ومجلس الشورى، وكل جهة معنية بمراجعة عقود التوظيف، وحماية المال العام، وصون حقوق العاملين. فالمسألة في جوهرها تحتاج إلى مراجعة قانونية وشرعية وإدارية، حتى يكون التوظيف في قطر قائمًا على العدل لا على الالتفاف، وعلى الاستقرار لا على الاستغلال، وبما يحفظ حق الدولة، وحق الشركة، وحق الموظف، لأن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة يبدأ من احترام الإنسان وخبرته واستقراره.
1185
| 01 أكتوبر 2026