رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

وجيدة القحطاني

• ناشطة اجتماعية

مساحة إعلانية

مقالات

519

وجيدة القحطاني

عشر ذي الحجة.. أيام مباركة لتطهير النفس

03 يونيو 2025 , 02:00ص

تمرّ على الأمة الإسلامية مواسم للطاعات، تحمل في طياتها فرصًا عظيمة لتزكية النفس والتقرب إلى الله، ومن أعظم هذه المواسم العشر الأوائل من شهر ذي الحجة، التي أقسم الله بها في كتابه الكريم: ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر: 1-2]، دلالة على عظيم فضلها ورفعة منزلتها.

وفي كل عام، ومع اقتراب هذا الشهر العظيم، تتجه أنظار المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها إلى مكة المكرمة، حيث يؤدي الحجاج مناسكهم في مشهد إيماني مهيب. ولكن بعيدًا عن مشهد الحجيج، فإن العشر الأوائل من ذي الحجة لا تقل أهمية لغير الحاج، فهي أيام عظيمة أقسم الله بها، مما يدل على علوّ قدرها ورفعة مكانتها.

في هذه الأيام المباركة، تتهيأ القلوب لتوبة صادقة، وتنشط النفوس في ميادين الطاعة، ويجد المؤمن في كل يوم منها فرصة لتطهير روحه من أدران الغفلة والذنوب.

إنها ليست فقط فرصة لجمع الحسنات، بل هي أيضًا فرصة نادرة للتطهر من الذنوب والآثام التي أثقلت أرواحنا على مدار العام.

العشر الأوائل من ذي الحجة هي أفضل أيام الدنيا، كما جاء في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم، "ما من أيامٍ العملُ الصالحُ فيها أحبُّ إلى اللهِ من هذه الأيام"، يعني: العشر [رواه البخاري].

تجتمع فيها أعظم العبادات: الصلاة، الصيام، الصدقة، الذكر، والحج.

وتطهير النفس لا يقتصر على ترك الذنوب الظاهرة فقط، بل يشمل مشروعًا إيمانيًا متكاملًا، يبدأ من أعماق القلب ويمتد إلى السلوك والمعاملة.

فأول ما ينبغي تطهيره هو القلب من الحسد، ذلك الداء القاتل الذي يُفسد الإيمان ويأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب.

ولعلاج الحسد، علينا بالإكثار من الاستغفار، والرضا بقضاء الله، والتأمل في نعمه علينا.

ثم يأتي الحقد، وهو نار خفية تحرق العلاقات وتؤجج الخلافات. لقد علّمني ديني أن العفو سبيل الشرف، وأن التسامح قوة لا ضعف، وقد قال الله تعالى:

{وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا}.

وإنني أحب أن أمد يدي لمن خاصمني، وأدعو كل من يحمل في قلبه غلًّا أن يسامح قبل فوات الأوان.

أما الظلم، فهو من أعظم الكبائر، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة".

في هذه الأيام المباركة، تعلو الأصوات بالدعاء، وتُرفع الأكفّ إلى السماء من قلوب مكسورة، وأرواح أنهكها الظلم، تتوجه إلى الله وحده، القادر العادل، في العشر الأوائل من ذي الحجة، تشكو قلة الحيلة وضعف النفس، وتناجيه:

"يا رب، أنت حسبي، وأنت نصيري، خذ لي حقي ممن ظلمني".

فيا من تظلم، ويا من تجحد المعروف، ويا من تتقوّى على الناس بسلطانك أو مالك أو منصبك أو لسانك، أما تخاف من دعوة مظلوم تصادف ساعة استجابة؟

قال النبي صلى الله عليه وسلم: "اتق دعوة المظلوم، فإنها ليس بينها وبين الله حجاب" [رواه البخاري ومسلم].

كيف تستطيع أن تنام مرتاحًا، وقد جُرح فلان بسببك؟ كيف تهنأ وأنت تعلم أنك أسأت لفلان، وأخذت حقه، أو بهتّه، أو ظلمته في عرضه أو رزقه أو مكانته؟

أين الخوف من الله؟ وأين حساب الآخرة؟ وأين احترام حرمة هذه الأيام المباركة؟

تذكّر أن الأيام دُوَل، والقلوب بين يدي الله، وأن ما تزرعه اليوم من ظلم، قد تحصده غدًا في صحتك، أو رزقك، أو أحبّتك، أو في نفسك.

تذكّر أن من ظلمته قد يكون أقرب إلى الله منك، وأكثر صدقًا، وأن دعوته قد تقلب موازين حياتك.

فإن كنت ظلمت أحدًا، أو آذيته، أو استغبت، أو بهتّ، فهذه الأيام المباركة فرصتك: ارجع إلى الله بتوبة صادقة.

ردّ الحقوق إلى أصحابها، اعتذر بصدق، واطلب السماح.

وتذكّر أن ما عند الله لا يُنال بالظلم، بل بالعدل والإحسان.

من المؤسف أن يظن البعض أن فضل هذه الأيام مقصور على الحجاج فقط. كلا، فغير الحاج أمامه أبواب واسعة من الخير: الصيام، خاصة يوم عرفة، والتكبير والتهليل، والصدقة، وصلة الأرحام، وتلاوة القرآن، بل وحتى الكلمة الطيبة والبشاشة في وجه الناس.

هذه الأيام، يكثر فيها الذاكرون، والمتصدقون، والمستغفرون، ولكن هناك من هو في ركن بعيد، لا يملك لا مالًا ولا لسانًا، ولا نصيرًا... يملك فقط دمعة صادقة، ودعوة تنطلق من قلب منكسر، يرفع يديه في ليل عرفة، أو فجر يوم مبارك، ويقول: "اللهم إنهم آلموني، وظلموني، فأنصفني يا أعدل العادلين".

إنني أحب هذه الأيام لأنها تعيد إليَّ صفاء القلب ونقاء النية، وتمنحني فرصة لأكون إنسانًا أفضل، وأؤمن بأن من يغتنمها، سيكون بإذن الله من الفائزين في الدنيا والآخرة.

في هذه الأيام، نحن أحوج ما نكون لقلوب نقية، وضمائر حية، وتوبة نصوح.

اتقوا الله في عباده، وراقبوا خالقكم، قبل أن يأتي يوم لا ينفع فيه ندم، ولا يُقبل فيه اعتذار.

فالمظلوم قد سلّم أمره لله، والدعاء سهام الليل لا تخطئ، وإن تأخر وقتها.

اللهم طهر قلوبنا من الحسد والغل والحقد والظلم، واغفر لنا تقصيرنا، واجعلنا ممن يُنصف لا يظلم، ويعفو لا يؤذي، ويخشاك في كل حال.

اللهم وفقنا في هذه الأيام المباركة لعملٍ ترضى به عنا، وبلغناها ونحن في أحسن حال، واجعلنا من عتقائك من النار.

اقرأ المزيد

alsharq ضبابية المشهد الإيراني: بين الانقسام التكتيكي ووحدة القرار

يبدو المشهد الإيراني اليوم للوهلة الأولى وكأنه يعيش حالة من الانقسام الداخلي الحاد، لكن القراءة الأعمق تكشف أننا... اقرأ المزيد

171

| 28 أبريل 2026

alsharq نداء القلوب

تهفو الأرواح في هذه الأيام المباركة إلى رحاب الطهر، حيث تتجلى عظمة الخالق في أبهى صورها. مع اقتراب... اقرأ المزيد

81

| 28 أبريل 2026

alsharq العقل التبريري

العقل في أصل خلقته ميزان، به يُعرف الحق من الباطل، وبه يُهتدى إلى سواء السبيل، وهو في طبيعته... اقرأ المزيد

111

| 28 أبريل 2026

مساحة إعلانية