رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يشعر العرب بألم شديد مع اقتراب موعد الانفصال بين شمال السودان وجنوبه، وينبغي أن يكون واضحاً ما هو المصدر الحقيقي للألم وسببه، فالأمر ليس عاطفيا فقط، ولا يتعلق بنهاية اطمئنان "قومي" إلى وجود بلد عربي شاسع المساحة غني بالموارد الطبيعية وكان يشكل في اللاوعي العربي احتياطياً استراتيجياً لـ"الأمة"، مصدر الألم ان العلل والأمراض التي اعتملت ودفعت بجنوبيي السودان إلى نشدان الانفصال هي نفسها في البلدان التي لا يشكل الانفصال أحد خيارات شعوبها وجماعاتها.
في أزمنة الاقتصاد المتأزم والثروات المبددة والعصبيات المتشنجة والسياسات المتحجرة، تبرز الحاجة إلى الحكم الرشيد كعامل حاسم في عقلنة السلطات ولجم الأهواء والأشخاص تغليباً لأولوية الصالح العام، فالحديث عن العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص عن التأهيل المهني وتنمية موارد التعليم والثقافة والطبابة وعن تطوير البنى القانونية ووسائل الإنتاج، ليس كلاما إنشائيا، وإنما هو في حد ذاته دعوة إلى العمل والانخراط في الحركة، لأن "الصالح العام"، لا يأتي من تلقائه، أو من فراغ، وإنما بمساهمة الجميع، بل يجب أن يستحق،أي خلل في المنظومة، أي إهمال أو ايثار أو شطط وفئوية، لابد أن تخلف جماعات مظلومة، منسية أو مضطهدة أحياناً، لا تلبث أن نشعر بأن ثمة تمييزاً يمارس ضدها، أو أنها مدعوة للرضوخ إلى إخضاع تتعرض له بسبب خصوصياتها الموروثة.
ما يؤسف له في حال السودان، والصومال من قبله، وربما العراق واليمن من بعده، هو تلك الهشاشة التي انتابت ثقافة "الدولة للجميع"، لذا تحتم مع استشراء التهروء فيها أن تعود الجماعات إلى توقعاتها لتتمكن من العيش والبقاء، المؤسف أكثر أنها بعد تقوقعها تحاول إيلاء دول أو دويلات على النمط الساقط ذاته، أي مبنية على عقلية التسلط من دون اعتبار كبير لواجبات السلطة جنبا إلى جنب مع حقوقها، ولا حقوق لها إلا في إطار سعيها إلى إنصاف جميع رعاياها بلا تمييز أو استفتاء.
لعل حالات السودان والعراق والصومال، ولا داعي لذكر سواها الآن، تذكر العالم العربي بأن دوله وشعوبه تعيد النظر، عن وعي كامل أو بدونه، في ظروف نشأتها وتكونها، ولذلك فهي كما ظهرت في أوضاع استعمارية وكان للقوى الخارجية دور أساسي في تطهيرها، تنتهز اللحظة التاريخية شبه الاستعمارية، الراهنة، لتشرع في ما تعتبره تصويبا لأوضاعها، شيء من بدايات القرن الماضي حتى منتصفه يستعاد الآن في تبرير نشوء الكيانات الجديدة، قد يعزو البعض هذه الظواهر إلى أن مرحلة الاستقلال ساهمت في توعية الجماعات بهوياتها وطموحاتها، وأيضا بمساهماتها وبما يحق لها لكن يجب ألا ينسى أبدا أن النمط الاستبدادي في الحكم كان العامل المرجح في فرز الجماعات، ويتحمل مسؤولية تفسخ المجتمع وعدم ارتباط جميع أبنائه بوطنهم، وبالتالي نفور البعض منهم ونقمته على استغلال مجحف لموارده، كثير من الدراسات والأبحاث أحال تلك المسؤولية بمجملها على القوة المستعمرة السابقة التي حرصت على تنصيب أنظمة تؤمن لها مصالحها وتدين لها بالاستمرار في السلطة، ثمة جانب حق في ذلك، ولعله مبرر ومفهوم في المراحل الأولى، اما ان تستمر الحال على ما هي عليه جيلاً بعد جيل، ورغم تغير الظروف وتقلب العهود وتراكم الوعي والمعاناة، فهذا مما يستعصي على أي فهم وإدراك لأبسط مغازي الاستقلال وبناء الدول.
ولعل هذه الحالات، وغيرها مما لا ينذر بالضرورة الآن بوجود بوادر انفصام أو توق إلى انفصال، تذكر أيضا خصوصا بأن استشراف تشظي الدول العربية لا يبدأ الآن بمناسبة الاستفتاء السوداني على تقرير المصير، وإنما بدأ قبل عقود، بعد مرور عشرين إلى ثلاثين سنة من حقبة الاستقلالات تحديدا في السبعينيات فهذا الزمن كان كافيا لاستبيان الوجهات التي اتخذتها الأنظمة في تدبير شؤونها، ولرؤية الثغرات والتمزقات المحتملة، وقد ذهب بعض مراكز البحث في الولايات المتحدة وأوروبا إلى رسم لسيناريوهات التقسيم وخرائطه، بل عمدت أحيانا إلى تصحيح توقعاتها وفقا للمتغيرات، وعندما اندلعت الحرب الأهلية منتصف سبعينيات القرن الماضي في لبنان، لم يعرف غالبية اللبنانيين لماذا وكيف طرح فريق منهم خيار التقسيم، وقد ساهم القتال في إقامة الجبهات وخطوط التماس التي راحت تتكرس كأنها حدود بين الكانتونات المرتقبة، ثم ان التهجر والفرز السكاني أديا إلى ما يشبه "التطهير الطائفي" للمناطق، وبعد غزو العراق واحتلاله، طرح مشروع "الشرق الأوسط الكبير"، وخرجت الخرائط من مكامنها ثانية لتشرح ما هو معني فعلا، ولم يتردد عدد من المسؤولين الأمريكيين في التصريح بأن الهدف هو إعادة رسم خريطة الشرق ما تمكن ترجمته بأن حدوداً ستتعدل وبلدانا ستخسر وحدة أراضيها الحالية.
منذ احتلالها العراق لم تكن واشنطن حريصة، في مجمل مواقفها السياسية، على تأكيد التزامها وحدة أراضيه ودولته، ولا يزال كثيرون يذكرون الاستهجان الذي قوبل به موقف لجوزف بايرن، النائب الحالي للرئيس الأمريكي قال فيه "إن تقسيم العراق هو أحد الحلول لمعضلات الحكم والأمن وللصعوبات التي تواجه إنشاء نظام جديد على أنقاض النظام السابق، واقع الأمر أن العراقيين المعارضين الذين وقفوا إلى جانب الغزو الأمريكي ناقشوا احتمالات ما بعد الاحتلال وتوصلوا مسبقا إلى قناعات بأن البلد لن يبقى كما كان، وإذ توصلوا إلى تفاهم مبدئي على "الفيدرالية"، فقد تبدى أن هذا مجرد اسم تقني لــ"التقسيم"، وبناء على ذلك أيدوا إلغاء الدولة السابقة بمؤسساتها وجيشها وشرطتها ليبدأوا عمليا من نقطة الصفر".
حديث الانفصال مع بداية العقد الثاني للقرن الواحد والعشرين، ربما يدشن مرحلة عربية جديدة، لكنه يدق ناقوس إنذار أخير بأن أساليب الحكم والسياسة وإدارة شؤون الناس لا يمكن أن تستمر على حالها من دون أن تفضي إلى نتائج كارثية، فعدا السودان والعراق واليمن والصومال، هناك بضع حالات أخرى تعتمل والأصعب من الانفصال أن تكون هناك حالات احتقان داخلي محكومة بأن تعالج داخلياً قبل أن تنفذ إليها القوى الخارجية لتستغلها.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
سوبر مان، بات مان، سبايدر مان، وكل ما أضيف إلى "مان" من أفلام الخيال العلمي التي أنتجتها هوليود، كلها من مخرجات الحداثة، التي تغالي في قيمة الفرد، وتسرّب إلى الجماهير مفهوم الفرد المخلّص الذي ينقذ المجموع بعيدا عن الحل الجماعي. الركون إلى فكرة انتظار الفرد المخلص وأن شخصًا ما أو عدة أشخاص بيدهم الحل لكل أزماتهم ومشكلاتهم، هي آفة يكاد لا يخلو منها مجتمع من المجتمعات، وكلما تفاقمت أزمات مجتمع منها كلما ازداد تعلقا بفكرة الفرد المخلص، سواء كان هذا الانتظار والترقب ناتجا عن انتظار تقلبات المناخ السياسي التي يمكن أن تسفر عن ظهور شخصية تقود المجتمع إلى بر الأمان، أو كان هذا الانتظار والترقب متعلقًا بالنبوءات الدينية. لكن أين عمل المجموع؟ أين الحلول الجماعية؟ هنا يكون الخرق والتصدع الفكري. نعم لا نستطيع أن ننكر المسؤولية الفردية، ولا قيمة الجهد الفردي، فرب فكرة فردية عاشت الأمم والبشرية في ظل ثمارها، والمخترعات والاكتشافات تمت معظمها عن طريق أفراد، لكن هذه الجهود الفردية لم تكن لتؤتي ثمارها لو لم تجد حاضنة اجتماعية أو علميةوجهودا جماعية تقوم بها وتعمل عليها. حتى أنبياء الله ورسله، لم يأت أحدهم ليمسح على رؤوس الناس فيتغير وجه الحياة، بل بذلوا جهودهم من أجل إيجاد الثلة المؤمنة التي تقوم بأعباء تبليغ الرسالة بعمل جماعي يرتكز على منهج رصين. وفي سورة الكهف، نقرأ في خواتيمها قصة ذي القرنين، ذلك الملك الصالح الذي جاب مشارق الأرض ومغاربها، هذه القصة التي حكاها القرآن الكريم تحمل توجيهات إدارية قوية في معالجة الأزمات، أبرزها التوازن بين الحل الفردي والحل الجماعي، وعدم الركون إلى فكرة الشخص المخلص. يأتي ذو القرنين قومًا تمثلت أزمتهم في الهجمات والغارات الهمجية لقوم يأجوج ومأجوج، الذين يتدفقون من بين الجبلين فيعيثون في الأرض فسادًا. عندما عاينوا قوة وبأس ذلك الملك رأوا فيه الشخص المخلّص الذي يمكن أن يرفع عنهم ما هم فيه من معاناة، ومن أجل ذلك طلبوا منه حمايتهم على أن يجعلوا له جُعلًا من المال. الشاهد من القصة، أن ذا القرنين ترفّع عن أخذ المقابل، لكنه أشركهم معه في العمل، وجعلهم جزءًا من الحل لا الاكتفاء بوضعية المتفرج، فحدّد لهم خطة عملية يعملون عليها بأيديهم تحت مراقبته وإدارته ورعايته. أمرهم بجمع قطع الحديد ووضعها بعضها فوق بعض بين السدين، إلى أن يحاذي الحديد رؤوس الجبلين طولا وعرضا، ثم أمرهم بأن يضرموا فيه النار، حتى إذا اشتعل كله أمرهم بصب النحاس المذاب عليه حتى يزداد صلابة، فلا يستطيع المعتدون المرور من بين السدين أو تسلق هذا المرتفع الشاهق. كانت الفكرة فردية من قِبل ذي القرنين، لكن التنفيذ كان بأيديهم، ليخرج العمل في النهاية جماعيًا بامتياز، لا يقوم به فرد وحده مهما بلغت قوته، وتلك هي كلمة السر في عمليات النهوض أو مواجهة الأزمات. لقد استوقفنتني حكاية جاءت بها كتب الطبقات والتراجم عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال لأصحابه يومًا: تمنوا، فقال رجل: أتمنى لو أن هذه الدار مملوءة ذهبًا أنفقه في سبيل الله -عز وجل- فقال: تمنوا، فقال رجل: أتمنى لو أنها مملوءة لؤلؤًا وزبرجدًا وجوهرًا أنفقه في سبيل الله -عز وجل- وأتصدق به، ثم قال: تمنوا، قالوا: ما ندري ما نقول يا أمير المؤمنين؟ قال عمر: لكني أتمنى لو أن هذه الدار مملوءة رجالا مثل أبي عبيدة بن الجراح. لقد أدرك عمر قيمة الرجال والعمل الجماعي، فلم يتمن شخصًا مثل أبي عبيدة، ولكنه تمنى أشخاصًا وجمعًا مثل أبي عبيدة، فهكذا الأوطان تنبى بجهود جماعية، حتى وإن قادها الفرد وأرشدها وأنار لها الطريق. ومع كل حدث ساخن في المنطقة يعمد فئام من أمتنا إلى إسقاط نبوءات الساعة الواردة في النصوص النبوية وتنزيلها على الواقع بلا روية، وخاصة المتعلقة بظهور المهدي المنتظر، يستبشرون وهم قعود لا يبذلون ولا يعملون، كل بضاعتهم انتظار المخلص، لكنهم لا يعلمون أن المهدي لن يقود أمة من الكسالى الضائعين، بل يأتي ليحكم أمة عرفت الطريق، تحتاج فقط إلى من يكون رأسًا فيها.
8601
| 08 مارس 2026
تعيش منطقة الشرق الأوسط مرحلة شديدة الحساسية، حيث تتقاطع المصالح الدولية والإقليمية في مشهد معقد يجعل أي توتر قابلاً للتحول إلى مواجهة أوسع. ومع تصاعد التوتر بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، تجد دول الخليج نفسها في قلب معادلة أمنية دقيقة. فهذه المنطقة ليست مجرد مساحة جغرافية في خريطة الصراعات، بل مركز اقتصادي واستراتيجي يعتمد عليه العالم في الطاقة والتجارة والاستقرار الإقليمي. في مثل هذه الظروف، يبرز دور المؤسسات الوطنية التي تتحمل مسؤولية حماية الأمن والاستقرار. فوجود مؤسسات دفاعية قوية ومهنية يشكل أحد أهم عناصر حماية الدولة من التهديدات الخارجية، كما يعزز الثقة داخل المجتمع بأن أمن البلاد في أيدٍ قادرة على صونه. إن الجاهزية العسكرية والانضباط المهني لا يمثلان فقط قوة ردع، بل رسالة واضحة بأن أمن الدول الخليجية ليس أمراً يمكن العبث به أو استخدامه كورقة ضغط في صراعات الآخرين. غير أن الخطر الأكبر في أي تصعيد عسكري يتمثل في استهداف البنية التحتية المدنية. فالمرافق الحيوية مثل الطاقة والكهرباء والمياه والمطارات ليست أهدافاً عسكرية بالمعنى التقليدي، بل هي شرايين الحياة اليومية للمجتمعات. وعندما تتحول هذه المنشآت إلى أهداف في النزاعات، فإن النتائج لا تصيب الحكومات وحدها، بل تمس حياة الناس بشكل مباشر. فتعطّل هذه المرافق يعني اضطراب الاقتصاد، وتعطّل الخدمات، وتهديد الاستقرار الاجتماعي. لقد بنت دول الخليج خلال عقود طويلة بنية تحتية متطورة واقتصادات حديثة تعتمد على الاستقرار والانفتاح. ولم يكن هذا التقدم نتيجة الصدفة، بل جاء نتيجة سياسات تنموية واستثمارات كبيرة هدفت إلى تحسين مستوى الحياة للمواطنين وبناء مستقبل أكثر ازدهاراً. ولذلك فإن تحويل هذه الإنجازات إلى أهداف في صراعات إقليمية يمثل تهديداً حقيقياً لمصالح الشعوب التي تعتمد على هذه الموارد في حياتها اليومية. ومن المهم في هذا السياق فهم طبيعة العلاقات الإقليمية بواقعية. فالعلاقة بين إيران ودول الخليج ليست علاقة خالية من التوتر، لكنها أيضاً ليست علاقة صراع دائم لا يمكن تجاوزه. فقد شهدت هذه العلاقة عبر السنوات مراحل مختلفة من التوتر والتهدئة، وهو أمر طبيعي في العلاقات الدولية بين الدول المتجاورة. لكن تحويل الخلافات السياسية إلى صراع عسكري مفتوح قد يؤدي إلى نتائج لا يمكن السيطرة عليها. كما أن المشهد الإقليمي لا يخلو من محاولات بعض الأطراف استثمار التوترات القائمة لتحقيق أهداف سياسية واستراتيجية. ومن بين هذه الأطراف الحكومة الإسرائيلية بقيادة بنيامين نتنياهو، التي ترى في تصاعد المواجهة مع إيران فرصة لإعادة ترتيب التحالفات الإقليمية بما يخدم رؤيتها الأمنية والسياسية. غير أن دول الخليج تدرك أن الانجرار إلى صراعات واسعة قد يحمل مخاطر كبيرة على استقرارها الداخلي ومسارها التنموي. فهذه الدول استطاعت خلال فترة زمنية قصيرة بناء نماذج اقتصادية ناجحة ومجتمعات مستقرة نسبياً في منطقة تعاني من كثرة الأزمات. ولهذا فإن الحفاظ على هذا الاستقرار يتطلب سياسات متوازنة تقوم على الحكمة وتجنب التصعيد غير الضروري. إن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في اختيار طرف ضد آخر، بل في حماية مصالح الشعوب والحفاظ على استقرار المنطقة. فدول الخليج ليست بحاجة إلى أن تتحول إلى ساحة مواجهة بين القوى الإقليمية والدولية، بل إلى أن تواصل مسارها التنموي وأن تحافظ على أمنها واستقرارها بعيداً عن حسابات الصراعات الكبرى. كلمة أخيرة: الخليج ليس ساحة حرب، بل منطقة تسعى شعوبها إلى الأمن والتنمية والاستقرار. وحماية هذا الهدف تتطلب تغليب صوت العقل والحكمة على منطق التصعيد والمواجهة. فحين تكون مصلحة الشعوب هي البوصلة، يصبح الطريق واضحاً نحو مستقبل أكثر أمناً وازدهاراً للمنطقة بأسرها. [email protected]
4254
| 09 مارس 2026
-رغم مبادرات قطر الودية.. تنكرت طهران لمواقف الدوحة الإيجابية -قطر بادرت عام 2007 بدعوة نجاد كأول رئيس إيراني يحضر قمة خليجية - لا توجد دولة حرصت على فك العزلة عن إيران أكثر من قطر - شبابنا يديرون بكفاءة واقتدار وإصرار مهمة الدفاع عن قطر - الأمر المعيب المخيب.. توظيف خليتين لصالح «الثوري» الإيراني في قطر - الاختراق الاستخباراتي الإسرائيلي متوغل ومتغلغل في مفاصل الدولة الإيرانية لا يوجد نظام سياسي على سطح الكرة الأرضية أو دولة على الخريطة الجغرافية، حرصت على فك العزلة الدولية المفروضة على الجمهورية الإيرانية، وسعت لدمجها سياسياً مع محيطها الإقليمي، وبناء الثقة مع جوارها الخليجي، وكسر الطوق المفروض عليها، أكثر من قطر. ولا يمكن لأحدهم إنكار أن الدوحة كانت حريصة على ترطيب الأجواء، وتلطيف الأرجاء، وتخفيف حدة التوتر وخفض التصعيد، في المنطقة، وإزالة الاحتقان السياسي، ومعالجة الانسداد الدبلوماسي مع إيران. وتوجت قطر هذه التوجهات الودية تجاه إيران، عبر توجيه الدعوة لرئيسها الأسبق محمود أحمدي نجاد، لحضور قمة مجلس التعاون لدول الخليج العربية الثامنة والعشرين، التي عقدت في عاصمتنا القطرية يومي الثالث والرابع من ديسمبر عام (2007). وكان ذلك حدثاً سياسياً غير مسبوق، في تاريخ المجلس الأعلى الخليجي، بعدما أصبح الرئيس نجاد أول رئيس إيراني يحضر قمة خليجية عربية ويشارك فيها، وتسمح له الدولة المستضيفة قطر بمخاطبة ضيوفها، من قادة الخليج. وقد وصفت القمة يومها بأنها من أنجح القمم الخليجية، وأكثرها توهجاً سياسياً، ولمعاناً إعلامياً، وتميزاً دبلوماسياً، لأنها شكلت نسقاً جريئاً، ومنعطفاً جديداً، في علاقات دول مجلس التعاون مع إيران. وتم ذلك بفضل السياسة القطرية الواقعية، التي سعت ومهدت ودشنت فتح صفحة جديدة بين الخليجيين وجيرانهم الإيرانيين. وكان من أبرز نتائج تلك القمة أنها وفرت الفرصة للتقارب بين الرياض وطهران، وهذا تجلى في دعوة الملك عبدالله للرئيس الإيراني لأداء فريضة الحج وهو ما تم بالفعل. ولا أنسى الصورة التي تم التقاطها وجمعت خادم الحرمين الشريفين مع الرئيس الإيراني وهما يبتسمان، على هامش قمة الدوحة الاستثنائية. وخلال هذه القمة أيضاً، عقد الرئيسان: الإماراتي الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان ونظيره الإيراني اجتماعاً، بحضور صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، حفظه الله، ومتعه بالصحة والعافية والعمر الطويل المديد السعيد. ثم تحول الاجتماع إلى قمة ثنائية مغلقة بين رئيس الإمارات الراحل، رحمه الله، ونظيره الإيراني، لبحث المسائل العالقة بين البلدين. وطوال العقود والعهود الماضية، لم يصدر من قطر ضد إيران أي موقف عدائي أو خطاب عدواني، يشوش العلاقة الودية بين الدوحة وطهران. وكانت التصريحات الرسمية القطرية تتسم دوماً بالعبارات الأخوية، والمفردات الواقعية تجاه الجمهورية الإيرانية، بعيداً عن الوقيعة مع نظامها وشعبها وجمهورها. ومع تصاعد التعقيد بشأن البرنامج النووي الإيراني، كانت الدوحة دوماً حمامة السلام التي ترفرف بجناحيها، لإيجاد تسوية عادلة تحفظ للجمهورية الإيرانية مصالحها الاستراتيجية، وحقها في الحصول على الطاقة النووية السلمية. وفي كل تعقيد في هذا الملف المعقد، ووصول إيران إلى مرحلة العقدة الحرجة مع الإدارة الأمريكية، كانت قطر تحرص على التوسط، لتقريب وجهات النظر بينها وبين الولايات المتحدة. وكانت الدوحة تهدف من هذه السياسة المتوازنة إلى خفض التصعيد في المنطقة، وإزالة مسببات التعقيد، وعدم التعامل مع إيران بلغة التهديد والوعيد. وجاء هذا الموقف القطري احتراماً للعلاقات التاريخية والحضارية والثقافية واعترافاً بالواقع الجغرافي الذي يربطنا بها، باعتبارها من دول الإقليم. ولا يوجد جدار يفصل بينها وبيننا، لأنها تشترك مع دول المنطقة بروابط عديدة، أبرزها إطلالتها على أطول ساحل خليجي يمتد شرقاً ويتواصل شمالاً على طول الخليج العربي، أكرر الخليج العربي. ورغم كل هذه المواقف القطرية الودية، تنكرت طهران لمواقف الدوحة الإيجابية واستهدفتها بصواريخها الباليستية ومسيراتها الانقضاضية وطائراتها الحربية. وها هي تواصل عدوانها الغاشم على قطر، وتستهدف المؤسسات المدنية ومرافق الطاقة الحيوية والمنشآت الصناعية، وكأنها تريد تعطيل الحركة والحياة والحيوية والنشاط في البلاد وترويع العباد! ولكن، بفضل الله، ورعاية الله، وعناية الله، وحماية الله، وإرادة الله، وفضل الله، ومشيئة الله، نجحت منظومتنا الدفاعية، المتنوعة، والمتعددة، في إسقاطها، بعدما تصدت لها بكفاءة واقتدار وإصرار، نتيجة الجاهزية العالية، واليقظة الأمنية الوافية. وقد أشارت الى ذلك وزارة الدفاع، عندما قدمت ملخصا لإجمالي الهجمات منذ بدء العدوان الإيراني، مؤكدة أنها رصدت عددا من الأهداف الجوية والصاروخية، وتم التصدي بنجاح لمعظمها. وقد أكدت الوزارة أنه تم التصدي بنجاح لطائرتين مقاتلتين من طراز «SU-24»، و«3» صواريخ كروز، و«98» صاروخا باليستيا من أصل «101»، و«24» طائرة مسيرة من أصل «39»، وهذه نسبة تعد ممتازة جدا في عالم التصدي للهجمات العدوانية. وما زالت إيران- للأسف- تواصل استراتيجية العدوان على الجيران دون أي حرص على حسن الجوار، ودون إظهار أي مؤشر على عدم انتهاك سيادة الجار. والمعيب المخيب أن توظف إيران «خليتين» داخل قطر، تعملان لصالح الحرس الثوري الإيراني! وتكلفهم بالقيام بمهام تجسسية، لجمع المعلومات عن المنشآت الحيوية والعسكرية في الدولة واستهدافها بأعمال تخريبية، باستخدام الطائرات المسيرة. وكل هذا يتم بتخطيط من ذلك الذراع الإيراني العدواني المسمى «الحرس الثوري». والمؤسف أن إيران باتت تطلق نيرانها على جيرانها، وتوجه عدوانها على كل الاتجاهات الخليجية، وتهاجم بصواريخها ومسيراتها جميع الجهات العربية في الإقليم الخليجي، وتعتدي على من لا ينبغي الاعتداء عليه، من الجيران الإقليميين، دون أن تتوجه بعدوانها على عدوها الحقيقي، الذي يخطط لإسقاط نظامها السياسي! ودون أن تستهدف مسؤولاً صهيونياً واحداً، ودون أن تصيب وزيراً إسرائيلياً وحيداً، من أولئك الذين يعيثون فساداً بجواسيسهم، ويعبثون في الداخل الإيراني، بلا رقيب أو حسيب. وهذا هو الأمر العجيب، المتمثل في حجم الاختراق الاستخباراتي الإسرائيلي، المتوغل والمتغلغل في مفاصل الدولة الإيرانية! وبعيداً عن أعداء إيران المعروفين، الذين يخططون لإزالة نظامها من الخريطة السياسية، وفي مقدمتهم نتنياهو، وايتمار بن غفير، وسموتريتش، ويسرائيل كاتس وزير العدوان الإسرائيلي، وغيرهم من قيادات حكومة التطرف الصهيوني، ومن يقف خلفهم، هناك في واشنطن، ويدعمهم لوجستياً وعسكرياً، واستخباراتياً. فإنني أتساءل، بحجم مساحة الجمهورية الإيرانية: لماذا هذا العداء الإيراني لدول الخليج العربي؟ لماذا هذا العدوان الصاروخي الغاشم المتواصل من إيران على عواصم وحواضر الجيران؟ لماذا أصبحت صناعة الأزمات وإثارة الخلافات وإشعال الصراعات الإيرانية مع دول المنطقة منهجاً إيرانياً؟! ومنذ نجاح الثورة الإيرانية، في إسقاط النظام «الشاهنشاهي» عام (1979)، لم نلمس بادرة إيرانية حقيقية، تعكس رغبة طهران، في إقامة علاقات متكافئة مع دول الخليج تقوم على الاحترام المتبادل ومبادئ حسن الجوار. والأمثلة كثيرة،،،،،،، والملاحظ، إمعان إيران في افتعال الأزمات مع دول الخليج العربية، والسبب أن من يمسكون مقاليد السلطة، المتسلطة هناك، في الجمهورية الإيرانية، ويحكمون البلاد، ويتحكمون في قرارها يعتقدون أنه لا يمكنهم إيجاد حلول لمشكلاتهم مع الغرب والولايات المتحدة، إلا عندما تكون علاقاتهم مضطربة مع جوارهم الإقليمي، وتسودها حالة طوارئ مزمنة. وهذا يدفعهم إلى خلق بيئة من الصراعات والصدامات والتهديدات الموجهة إلى جيرانهم والاعتداءات المتكررة على جوارهم الإقليمي، حتى لو لم تكن مسببات كل ذلك غير موجودة. ثم يأتي عباس عراقجي وزير خارجية إيران ويطلق تصريحاً يخلو من الدبلوماسية، وزعم بأن بلاده قامت بإبلاغ قطر مسبقاً بالهجمات التي استهدفتها! وما من شك أن هذا الادعاء يعني محاولة تمرير وتبرير العدوان. وهو محاولة يائسة بائسة لخداع الرأي العام، عبر اللجوء إلى «الكذب الاستراتيجي». وهذا يؤدي إلى تقويض الثقة في تلك الشخصية التي تفتقد إلى المصداقية. وهكذا، تتصرف إيران الآن بأسلوب طائش أهوج أخرق أرعن، من خلال عدوانها المتواصل على دول الخليج. وهي بهذا الفعل العدواني أشبه برجل أحمق يشعل النيران في مساكن جيرانه، التي تجاور بيته، ليثبت للمراقبين ضرورة إطفاء ألسنة النار المشتعلة في منزله. وحتى يتم إطفاء الحريق الإيراني فلتعلم إيران وشعبها وجمهورها أننا في دول الخليج العربية، التي تستهدفها بصواريخها، لم نستهدف قادتها وضباطها ورموزها في القطاعات السياسية، والعسكرية، والأمنية. ولم ندمر مواقعها الحيوية، وبنيتها التحتية. ولم تنطلق من محيطنا العربي، رصاصة واحدة، باتجاه الجمهورية الإيرانية، التي سعينا لإيجاد الحلول لمشكلاتها، فلماذا هذا العداء؟ تعالوا إلى كلمة سواء. نعم.. تعالوا يا جيراننا إلى كلمة سواء. وأكررها ثانية وثالثة: تعالوا إلى كلمة سواء. وأتوجه إلى الله عز وجل بهذا الدعاء: اللهم إنا نستودعك قطر، أميرها وشعبها، أرضها وسماءها، برها وبحرها، أمنها واستقرارها، وسلامتها، وسكانها، والمسكونين بحبها، الأوفياء لها. اللهم من أراد بها شراً، رد كيده في نحره، وانصر قواتنا المسلحة، في جميع القطاعات وسائر التشكيلات العسكرية، وكل من يعملون في أجهزتنا الأمنية. وانصر شبابنا الذين يديرون بكفاءة واقتدار وإصرار مهمة الدفاع عن قطر عبر منظومتنا الدفاعية. اللهم سدد ضرباتهم الموجهة نحو الأهداف المعادية، من الصواريخ والمسيرات والطائرات. وأسقط كل عدو يستهدف وطننا قطر.
1269
| 07 مارس 2026