رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

عائشة ناصر جبر آل ثاني

- كاتبة وباحثة في علم النفس والفلسفة

مساحة إعلانية

مقالات

462

عائشة ناصر جبر آل ثاني

الصمود الاجتماعي في ظل التحولات الخارجية المفاجئة

13 مارس 2026 , 02:46ص

لوهلة، حين تحولت شاشات الهواتف النقالة إلى مصدر رئيسي لأخبار مفاجئة عاجلة، تراودت حينها على الأذهان أسئلة عدة لم تكن في الحسبان فقد كان من الطبيعي أن يتسلل شعور بالقلق إلى النفس، وذلك لأنه رد فعل إنساني أولي أمام مجهول مغلف بالتهديد في حين أن الأزمات الكبرى ما هي إلا لحظات كاشفة، تجبرنا على الانتقال من وجودنا اليومي المعتاد إلى تأمل أعمق في ذواتنا وفي المجتمع من حولنا، وهنا يتقاطع دور الفلسفة مع علم النفس؛ فالفلسفة تطرح سؤال "المعنى"، في حين يدرس علم النفس كيفية تعاملنا مع هذا السؤال تحت الضغط، وما حدث في الأيام التالية كان أعمق من مجرد رد فعل، بل كان تجسيداً لمعنى وجودي جماعي؛ فبدلاً من أن يتحول القلق إلى هلع، تحول إلى حالة فريدة من اليقظة والثقة، كاشفاً عن معدن الشخصية الحقيقي للمجتمع من مواطنين ومقيمين. ما شهدناه يتجاوز صمود الأفراد ليصبح ظاهرة مجتمعية، وهو ما يُعرف في العلوم الاجتماعية بالصمود الاجتماعي Social Resilience ويُعد عالم الاجتماع دانيال ألدريتش Daniel P. Aldrich من أبرز من تناولوا هذا المفهوم بحيث يرى أن قدرة المجتمع على التعافي من الصدمات لا تعتمد على قوته المادية فحسب، بل على قوة الشبكات الاجتماعية والثقة المتبادلة بين الأفراد. بعبارة أخرى، الصمود هو نتاج مباشر لرأس المال الاجتماعي الذي تم تشكيله وصقله عبر الزمن ليتغذى هذا الصمود الذي رأيناه في دولة قطر على مصادر قوة ملموسة تكونت خلال السنوات الماضية، وأظهرت:

أولاً- الثقة العميقة بحكمة القيادة القطرية: فلم تكن حالة الصمود خلال أزمة الحرب نابعة من فراغ، بل ارتكزت على إيمان راسخ بكفاءة وجاهزية مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية، بمعنى أن هذه الثقة ليست وليدة اللحظة، بل هي نتاج سنوات من بناء الدولة والتواصل الشفاف مع كافة أبناء المجتمع لكي تعمل كمرساة نفسية تمنع المجتمع من الانجراف نحو الخوف المفرط، ليذكرنا بذلك درس من التاريخ في العصور الوسطى ففي بغداد عاصمة الخلافة العباسية، لا تكمن قوتها الحقيقية في أسوارها المنيعة فحسب، بل في منظومتها وأساسها المعرفي الذي منحت بغداد صموداً حضارياً فريداً. كذلك الثقة التي أولاها الخلفاء، مثل هارون الرشيد وابنه المأمون، في العلماء والمترجمين والفلاسفة، وتأسيسهم لبيت الحكمة، قد خلق نظاماً معرفياً قوياً ليتضح هنا الايمان بقدرة العقل والعلم على مواجهة التحديات الصعبة مما جعل بغداد قادرة على قيادة نهضة علمية استمرت لعدة قرون إنها الثقة في العقل والمؤسسة المعرفية التي تُشكل حجر الأساس لأي صمود حضاري حقيقي.

ثانياً- قوة النسيج الاجتماعي: ففي الأوقات الصعبة لا يواجه الفرد الأزمة وحيداً، بل المجالس العائلية، ومجموعات التواصل الاجتماعي، كلها تحولت إلى شبكات دعم نفسي فوري يتم فيها تبادل الطمأنينة وتوحيد المشاعر ليبين هذا التكاتف تحول القلق الفردي إلى شعور جماعي بالوحدة في مواجهة الظروف الصعبة مؤكداً من خلاله أن قوة المجتمع تكمن في وحدة وترابط أفراده بمختلف أجناسه.

من هذا المنطلق لا يمكن أن نغفل مشهداً آخر من مشاهد الصمود ألا وهو ولاء المقيمين على هذه الأرض الطيبة عندما اختار البعض منهم البقاء، ورفضهم لمغادرة البلاد رغم الظروف الطارئة التي تمر بها، ما هو إلا أبلغ تعبير عن الانتماء والرغبة في المشاركة الوجدانية العميقة للوطن إيماناً منهم أن هذا الوطن هو أمنهم، ومستقبله هو مستقبلهم. إنهم جزء لا يتجزأ من قصة الصمود التي ستروى لاحقاً للأجيال القادمة فوجودهم يثري النسيج الاجتماعي القطري للدولة ويؤكد بذلك أن قطر وطنٌ يتسع للجميع.

ثالثاً- الهوية الوطنية كدرع نفسي اجتماعي: الأزمات الخارجية غالباً ما تعيد تعريف معنى كلمة "نحن" تمتزج الهوية الوطنية القطرية بالإحساس بالفخر لتراثها واعتزازها بالإنجازات الحديثة الذي يشكل درعا اجتماعيا قويا، لذلك الشعور بالانتماء لقصة نجاح وطنية يمنح الأفراد قاطنيها إحساساً بالمعنى والهدف الذي يتجاوز سلامتهم الشخصية ليحول الدفاع عن الوطن إلى دفاع عن الذات وقيمها.

فعلى المستوى النفسي على سبيل المثال، تمنح الهوية الوطنية الفرد شعوراً بمعنى الاستمرارية، لأنه يعي بدوره كونه جزءا من قصة أكبر تتجاوز حياته المحدودة، مما يقلل بذلك من وطأة القلق الوجودي، وأما على المستوى الاجتماعي، فتعمل الهوية المشتركة مثل الغراء الذي يربط الأفراد معاً، فتخلق حالة من "العقل الجمعي" الذي يفكر بهدف مشترك هو حماية الجماعة. في هذه الحالة، يصبح التهديد الخارجي ليس مجرد خطر، بل مناسَبة لإعادة تعريف هذه الرابطة المقدسة.

وفي الختام إن الصمود الذي أظهره المواطنون القطريون والمقيمون على أرضها من كافة الجنسيات ليس مجرد رد فعل دفاعي إنما مصدر قوة استراتيجي يجب فهمه بعمق والبناء عليه للمستقبل لأنه يمثل رأس مال اجتماعي ونفسي لا يقل أهمية عن أي ثروة مادية، كما أن دراسة هذه الظاهرة بعمق هو ليس من باب الفخر فقط، بل من أجل إمكانية تحويلها إلى سياسات وبرامج تعزز من هذه المناعة لدى الأجيال القادمة، وذلك لأن الأمم القوية لا تُعرّف بما تمتلكه فقط من ماديات، بل بما تستطيع أن تتحمّله من تغيرات مفاجئة.

مساحة إعلانية