رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. م. جاسم عبدالله جاسم ربيعة المالكي

نائب رئيس المجلس البلدي المركزي (سابقاً)

مساحة إعلانية

مقالات

27

د. م. جاسم عبدالله جاسم ربيعة المالكي

الخليج بين كلفة الحرب وحق الشراكة في القرار

01 أبريل 2026 , 05:45ص

لم تعد الحرب الدائرة في المنطقة مجرد مواجهة عسكرية بين أطراف متصارعة، بل تحولت إلى حدث يعيد تشكيل مفاهيم النفوذ والسيادة والمصالح الاقتصادية في الخليج. الجديد في هذه المرحلة أن دول الخليج، رغم أنها لم تدخل الحرب ولم تكن طرفاً في قرار إشعالها، أصبحت تتحمل جزءاً مباشراً من آثارها الاقتصادية والاستراتيجية، وكأن الجغرافيا وحدها فرضت عليها أن تكون شريكاً في الخسائر، حتى قبل أن تكون شريكاً في القرار.

وهنا تظهر مفارقة سياسية لافتة؛ فالدول الكبرى حين تخوض صراعاتها تنظر عادة إلى الخرائط العسكرية، بينما تنظر دول الخليج إلى خرائط الموانئ والأسواق وخطوط الإمداد ومراكز الطاقة. ولذلك فإن الخسارة بالنسبة للخليج لا تُقاس فقط بما قد يقع من تهديد مباشر، بل بما يصيب حركة الاقتصاد من اضطراب وما يتسلل إلى الأسواق من قلق وما يتولد في الداخل من تساؤلات حول من يملك حق تقرير مستقبل هذه المنطقة.

في الحروب السابقة كان الحديث يتركز على أمن الحدود، أما اليوم فالمعادلة أصبحت أوسع بكثير؛ لأن الأمن الحقيقي في الخليج بات يبدأ من أمن الممرات البحرية، ومن استقرار حركة السفن، ومن ضمان استمرار تدفق الطاقة، ومن بقاء الأسواق العالمية مطمئنة إلى أن الخليج ما زال قادراً على إدارة موقعه الحيوي وسط أكثر مناطق العالم توتراً.

ومن هنا فإن مضيق هرمز لم يعد مجرد عنوان يتكرر في نشرات الأخبار كلما ارتفعت حدة التوتر، بل أصبح اختباراً سياسياً حقيقياً لفكرة الشراكة في القرار الإقليمي. فالمضيق الذي يمر عبره الجزء الأكبر من صادرات النفط والغاز الخليجية لم يعد قضية تخص الجغرافيا فقط، بل أصبح مرآة لمكانة الخليج في المعادلات الدولية. فإذا كان العالم كله يخشى تعطل الملاحة فيه، فمن الطبيعي أن يكون الخليج أول من يطالب بألا يُرسم مستقبله بعيداً عنه.

الجديد الذي لم يكن مطروحاً بهذا الوضوح من قبل أن دول الخليج لم تعد تنظر إلى المضيق فقط باعتباره ممر عبور، بل باعتباره امتداداً مباشراً لسيادتها الاقتصادية. وأي تفاوض دولي حول أمنه أو مستقبله دون حضور خليجي فعلي يعني عملياً أن المنطقة تدفع كلفة الحرب وتبقى خارج طاولة القرار، وهو أمر لم يعد مقبولاً في ظل النضج السياسي الذي وصلت إليه دول الخليج خلال العقود الأخيرة.

الحرب الحالية أيضاً كشفت جانباً آخر أكثر عمقاً، وهو أن الاقتصاد الخليجي أصبح أكثر حساسية تجاه القرارات العسكرية الخارجية. ففي كل مرة تتصاعد فيها لغة التهديد، ترتفع تكاليف التأمين البحري، وتُعاد حسابات الشحن، وتتحرك الأسواق وفق احتمالات الخطر، حتى لو لم تقع مواجهة مباشرة في المياه الخليجية نفسها. وهذا يعني أن الخليج يدفع يومياً ضريبة التوتر حتى عندما يلتزم الحياد.

لكن اللافت أن هذا الواقع قد يفتح أمام الخليج فرصة تاريخية لإعادة صياغة دوره السياسي، لأن من يمتلك هذا الوزن الاقتصادي العالمي لا يمكن أن يبقى فقط متلقياً للقرارات. فالعالم يحتاج إلى استقرار الخليج أكثر مما يحتاج الخليج إلى التوتر المفروض عليه، وهذا يمنح دوله مساحة أكبر للمطالبة بدور سياسي يوازي وزنها الاقتصادي الحقيقي.

ومن زاوية أخرى، فإن ما يجري اليوم يطرح سؤالاً مختلفاً: هل دخل الخليج مرحلة الدفاع عن حقه في أن يكون شريكاً في هندسة التوازن الإقليمي الجديد؟ لأن الحروب الكبرى غالباً لا تنتهي فقط بوقف إطلاق النار، بل تنتج ترتيبات سياسية جديدة، وإذا لم يكن الخليج حاضراً فيها منذ البداية، فقد يجد نفسه لاحقاً أمام نتائج تُفرض عليه كما فُرضت عليه كلفة الحرب نفسها.

ولهذا فإن القضية لم تعد فقط حماية منشآت أو تأمين موانئ، بل حماية مفهوم أوسع هو حق الخليج في أن يكون جزءاً من تعريف المستقبل السياسي للمنطقة. فالدول التي تتحمل آثار الحرب لا يمكن أن تُعامل كأنها هامش جغرافي، بل يجب أن تُعامل باعتبارها ركناً أساسياً في أي تصور للاستقرار المقبل.

كما أن التجربة أثبتت أن الحروب حين تطول، فإن من يربح فعلياً ليس الطرف الأكثر إطلاقاً للنار، بل الطرف الأكثر قدرة على حماية اقتصاده ومكانته وقراره السيادي. والخليج اليوم يمتلك هذه القدرة إذا أحسن تحويل موقعه الاقتصادي إلى حضور سياسي مؤثر، وقد تكون أهم نتيجة غير معلنة لهذه الحرب أنها دفعت الخليج إلى مرحلة جديدة من التفكير: مرحلة لم يعد فيها السؤال كيف نحمي أنفسنا فقط، بل كيف نمنع أن يُعاد رسم مستقبلنا بعيداً عنا. وهذه الزاوية بالذات ربما تكون هي العنوان الحقيقي للمرحلة المقبلة، لأن من يملك شريان الطاقة العالمي يجب أن يملك أيضاً حق المشاركة في رسم خرائط الاستقرار القادمة.

اقرأ المزيد

alsharq قطر والإمارات.. تنسيق من أجل الاستقرار وصون مصالح المنطقة

تأتي الزيارة الأخوية التي قام بها حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى،... اقرأ المزيد

57

| 01 أبريل 2026

alsharq يا للمهاجرين! يا للأنصار! فكيف نطفئ نار الفتنة؟

في لحظة يحيا بها عالمنا العربي على صفيح ساخن بسبب التوترات التي تشهدها المنطقة، برز صوت سعادة السيدة... اقرأ المزيد

33

| 01 أبريل 2026

alsharq الخليج بين كلفة الحرب وحق الشراكة في القرار

لم تعد الحرب الدائرة في المنطقة مجرد مواجهة عسكرية بين أطراف متصارعة، بل تحولت إلى حدث يعيد تشكيل... اقرأ المزيد

27

| 01 أبريل 2026

مساحة إعلانية