رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. م. جاسم عبدالله جاسم ربيعة المالكي

نائب رئيس المجلس البلدي المركزي (سابقاً)

مساحة إعلانية

مقالات

96

د. م. جاسم عبدالله جاسم ربيعة المالكي

دول الخليج والمنظومة الجديدة للدفاع

30 مارس 2026 , 05:45ص

يمكن النظر إلى المرحلة الراهنة باعتبارها نقطة تحول استراتيجية في مفهوم الأمن الخليجي، لأن التحديات التي فرضتها البيئة الإقليمية لم تعد تشبه ما عرفته المنطقة في العقود الماضية. فمصادر التهديد تغيرت، وأدوات التأثير توسعت، وأصبح من الواضح أن أي قراءة تقليدية لمفهوم الدفاع لم تعد كافية أمام تطور الصواريخ الدقيقة والطائرات المسيّرة والهجمات السيبرانية التي يمكن أن تستهدف المنشآت الحيوية خلال دقائق معدودة.

إن المنظومة الجديدة للدفاع لا تقوم فقط على امتلاك أنظمة اعتراض حديثة، بل على بناء شبكة مترابطة من القدرات تبدأ من الإنذار المبكر، وتمر بتحليل المعلومات، وتنتهي بسرعة القرار الميداني. ولهذا فإن بناء مركز خليجي متكامل لتبادل المعلومات الدفاعية قد يصبح في المرحلة المقبلة ضرورة لا تقل أهمية عن امتلاك السلاح نفسه، لأن سرعة تبادل المعلومة أصبحت في الحروب الحديثة جزءاً من عنصر الحسم.

كما أن التجارب الأخيرة أثبتت أن المنشآت الاقتصادية لم تعد بعيدة عن دائرة التهديد، ولذلك فإن حماية حقول الطاقة، ومحطات الكهرباء، وشبكات المياه، والموانئ، والمطارات، أصبحت جزءاً أساسياً من مفهوم الدفاع الوطني. فالخطر لم يعد موجهاً فقط إلى المواقع العسكرية، بل إلى مفاصل الاقتصاد التي تقوم عليها الحياة اليومية والاستقرار الاجتماعي.

وفي هذا الإطار، فإن الصناعات الدفاعية المحلية ستأخذ أهمية أكبر خلال السنوات المقبلة، لأن امتلاك القدرة على الصيانة والتطوير والتحديث داخل المنطقة يمنح مرونة عالية في التعامل مع الظروف الطارئة. كما أن هذه الصناعات تفتح الباب أمام إعداد كوادر وطنية تمتلك المعرفة الفنية الدقيقة، وهو ما تحتاجه أي منظومة دفاعية حديثة.

ومن الجانب السياسي، فإن المنظومة الجديدة للدفاع تفرض أيضاً قدراً أعلى من التنسيق الخليجي، لأن طبيعة المخاطر لم تعد تسمح بتأخر القرار المشترك عند وقوع أي تطور مفاجئ. فالأمن في الخليج أصبح مترابطاً، وأي استهداف لمنشأة في دولة واحدة ينعكس أثره على بقية الدول بحكم الترابط الاقتصادي والجغرافي.

كما أن الأمن البحري سيظل ركناً رئيسياً في هذه المنظومة، لأن استقرار الملاحة في الخليج ومضيق هرمز يرتبط مباشرة بحركة الطاقة العالمية والتجارة الدولية. ولهذا فإن حماية الممرات البحرية تحتاج إلى حضور دائم، وقدرات مراقبة متقدمة، وتنسيق مستمر مع الشركاء الإقليميين والدوليين.

ومن الجوانب التي تفرض نفسها بقوة أيضاً الأمن السيبراني، لأن الحروب الحديثة قد تبدأ بشلل إلكتروني قبل أي تحرك عسكري مباشر. ولذلك فإن حماية الأنظمة الرقمية للمؤسسات الحيوية أصبحت جزءاً لا يتجزأ من الأمن الوطني.

وفي المرحلة المقبلة، قد تتجه دول الخليج إلى توسيع مفهوم الدفاع ليشمل الأمن الغذائي والدوائي، لأن الحروب الحديثة لا تستهدف فقط المجال العسكري، بل قد تستخدم أدوات الضغط الاقتصادي وسلاسل الإمداد لتعطيل الحياة اليومية. ولهذا فإن بناء مخزون إستراتيجي مستدام من المواد الأساسية أصبح جزءاً من التفكير الدفاعي الحديث.

كما أن التدريب المشترك بين المؤسسات العسكرية والمدنية سيأخذ أهمية أكبر، لأن إدارة الأزمات الحديثة تتطلب جاهزية شاملة تشمل مختلف القطاعات. فالمطارات، والموانئ، وشبكات الاتصالات، والمؤسسات الصحية، جميعها أصبحت تدخل ضمن دائرة الأمن الوطني في الظروف الاستثنائية.

وتبقى المسألة الأهم أن دول الخليج أصبحت تدرك أن التحديات المقبلة قد لا تمنح وقتاً طويلاً لاتخاذ القرار، ولذلك فإن الاستثمار في العنصر البشري والتخطيط المسبق والتدريب المشترك سيكون هو الأساس الحقيقي لأي منظومة دفاعية ناجحة. فالقوة الحديثة لا تُقاس فقط بحجم ما يُمتلك من معدات، بل بقدرة هذه المعدات على العمل ضمن رؤية موحدة واستجابة دقيقة.

إن المتغيرات التي تعيشها المنطقة اليوم لم تعد تسمح بالنظر إلى الأمن الخليجي باعتباره ملفاً مؤجلاً أو مرتبطاً بردود الفعل المؤقتة، لأن طبيعة التهديدات الحديثة تفرض بناء منظومة دفاعية قادرة على الاستجابة السريعة والعمل الوقائي قبل وقوع الخطر. فالخليج لم يعد أمام تحد عسكري فقط، بل أمام اختبار استراتيجي طويل يتطلب الجمع بين القوة والتخطيط والتنسيق والاعتماد على القدرات الذاتية. وفي ظل ما تشهده المنطقة من تحولات متسارعة، فإن نجاح دول الخليج في بناء هذه المنظومة الجديدة لن يكون فقط ضمانة لحماية حدودها ومنشآتها، بل سيشكل أيضاً ركيزة أساسية لاستقرار الاقتصاد الإقليمي وحماية المصالح الدولية المرتبطة بهذه المنطقة الحيوية. ولذلك فإن المرحلة المقبلة قد تكون مرحلة انتقال حقيقي من مفهوم الدفاع التقليدي إلى مفهوم الأمن الشامل الذي يجمع بين الردع، والجاهزية، والرؤية الموحدة للمستقبل.

مساحة إعلانية