رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
إنّ البحث عن الوفاق العالمي والتقارب بين الشّعوب ليس أمرا جديدا في عالم الدبلوماسيّة والعلاقات الدوليّة، بل هو هدفٌ ناضلت من أجله أجيال من المفكرين والسياسيين ودُعاة الحوار الثقافي، وسارت على منواله المنظمات الدوليّة بنشر خطابات مختلفة ومنها «التنوّع الثقافي». وعمادُ البحث عن الوفاق بين جميع شعوب الأمم، يجعلنا ننظر إلى علاقتنا بالآخر المختلف باعتباره شرطا من شروط وجودنا لأنّ أيّ مجتمع لا يستطيع العيش دون علاقات مع المجتمعات الأخرى حتّى وإن كانت تختلف عنه في العرق واللغة والمعتقد والثقافة. فما من إنسان في هذا الوجود يستطيع العيش منفردًا، وبتعبير الشّاعر الألماني غوته:»ليس ثمّة عقاب أقسى على المرء من العيش في الجنّة بمفرده، فالمؤكّد أنّ الوجود من دون الآخرين يبدو ضربا من المستحيل». لذلك شكّلت الصّراعات بين الأمم خلال الألف سنة الماضية صورة معاكسة للطبيعة البشريّة التي وصّفها ابن خلدون بـ»الطابع المدني»، فمثلما يكون الإنسان مدنيّا بطبعه بمعنى أهليّته للتواصل مع غيره من البشر تكون المجتمعات مدنيّة في احتكامها إلى ضرورة التواصل الدّولي.
وإذا كانت الثقافة مثلما أشرنا هي القوّة الفاعلة في هذا التواصل فإنّ اعتبارها قوّة ناعمة منذ عقود يسّر لقوى عظمى امتلاك أدوات الجذب والإقناع بأنماط تفكيرها وعيشها أكثر ممّا وفّرته لها القوّة الصلبة التي اعتمدت على الآلة العسكريّة. ذلك ما ترجمه الواقع الدولي منذ نهاية الحرب العالميّة الثانية وإبّان دخول العالم في تجاذب قطبي بين المعسكرين الرأسمالي والاشتراكي، حيثُ اكتشف السياسيّون في تلك المرحلة أنّهم بحاجة إلى وسيلة أكثر فاعلية من طاولات المفاوضات، وأدركوا ما للثقافة من دور في التأثير على الشّعوب وقدرة على تشكيل العلاقات الدوليّة.
الثقافة وزن دبلوماسي جديد:
لقد فكّرت القوى العظمى كثيرًا من خلال مراكز أبحاثها ومفكّريها في كيفيّة استعادة مكانتها أو مواجهة التّحديات الجديدة دون اللّجوء إلى استخدام القوّة الصّلبة، وهو ما أفرز منذ بداية التسعينيّات نمطا جديدا من أنماط الدّبلوماسيّة الدوليّة وهو «الدبلوماسيّة الثقافيّة»، ولم يتمّ الاهتداء إلى هذا النّمط بفضل تراجع المواجهة العسكريّة بين القوى العظمى فقط، وإنّما لظهور معطيات جديدة قلبت منطق «العلاقات» و»طبيعة الصّراع». ففي عالم تشهد فيه وسائل الاتّصال ثورات عقب ثورات لم يعد من السّهل قبول منطق استقواء دولة على أخرى، فقد تقلّصت الفوارق الفكريّة والنفسيّة والاعتقاديّة بين البشر، بسبب انفتاح الشّعوب على بعضها البعض، وانتقال العالم من تاريخ الإعلام التقليدي إلى «الإعلام الرقمي» فصار العالم أشبه بقرية صغيرة. وقد ساعد هذا الامتدادُ الاتصالي في التقارب بين الشّعوب، والأهم من ذلك أنّه أعطى قوّة جديدة للثقافة. إنّنا حين نؤكّد على دور الثقافة في العلاقات الدوليّة فذلك لنشير بأنّ الدول المتقدّمة بالخصوص أدركت أهمية الصناعات الثقافيّة في مبادلاتها التجاريّة مما سمح لها بتوظيفها في دبلوماسيّتها الناعمة، ألم يقل ستيف جوبز بأنّ التزاوج بين التكنولوجيا والفنون والإنسانيّات هو ما جعل قلب آبل يُغنّي؟ ذلك أنّه اعتقد بأنّ التكنولوجيا لا تتقدّم ولا تنمو بواسطة علوم الحاسوب وإنّما من خلال تواصل تلك العلوم بالعلوم الإنسانيّة والفنون.
غالبا ما تكون الثقافة مؤثّرة في صناعة الصّورة التي تحتفظ بها الدول عن بعضها البعض، وتساهم أيضا في تصحيح الانطباعات ونبذ الأفكار المسبقة والمغلوطة، لأنّ تحقيق التفاهم يتطلّب التعرّف على الحقيقة. ويزداد أثر الثقافة كلّما تمكّنت الدول من أدوات الجاذبيّة والإقناع، فتتحوّل المثل التي تنادي بها عبر دبلوماسيّتها الثقافيّة إلى أفق خلاص لبعض الشّعوب أو طموحا لبعضها الآخر. لننظر في تلك المرحلة التي عاشتها أمريكا بعد الحرب العالمية الثانية حينما تمّ جذب الشباب الأوروبي الذي كان يشرئبّ إلى الموسيقى خلف جدار برلين، وكيفَ أصبحت المثل الأمريكيّة في الحرية أملاً للشباب في الصين عند حادثة تيانانمين حين بنوا نسخة من تمثال الحرية، وغيرهم من شباب العالم الذين رأوا في النمط الفكري الأمريكي خلاصًا لأوضاعهم فتبنّوا الموسيقى الأمريكيّة ونمط اللباس الأمريكي والأكلات الأمريكيّة، وفي المقابل لننظر في الأثر الذي تركته أمريكا في نفوس الشباب إثر حرب الأسابيع الأربعة في العراق عام 2003 حين كسبت الولايات المتحدة الأمريكيّة الحرب بإسقاط نظام صدّام، ولكنّ طغيان الآلة العسكريّة أثّر في تراجع صورتها وشعبيّتها في العالم، وحتّى في البلدان التي شاركت حكوماتها في الحرب. ذلك أنّ شنّ حربٍ على العراق بائتلاف صغير من الدّول، ودون غطاء واسع للشرعيّة الدوليّة، ساهم في زعزعة صورة أمريكا في العالم، فقد انتصرت الآلة العسكريّة وهزمت «المثل» الأمريكيّة، ولم يكن من اليسير على الولايات المتّحدة الأمريكيّة أن تستعيد قوّتها التأثيريّة ثقافيّا في العالم، إذ كما يقول جوزيف ناي سيكون»كسب السّلام أصعب من كسب الحرب».
إنّ تبادل الأفكار والمعلومات وكافّة السلع الرمزيّة دون إكراه هو وسيلة الدبلوماسيّة الثقافيّة، وهذا التبادل يضمن بقاء تأثير أيّ دولة على دول أخرى أكثر من الهيمنة العسكريّة أو الاقتصاديّة، فلو قارنّا بين أثر غزو روما لليونان عسكريّا وغزو اليونان لروما ثقافيّا لوجدنا أنّ الحضور الروماني سريعا ما اندثر ولم يُخلّف أثرا في الشّعب اليوناني بينما دام التأثير اليوناني في المجتمع الروماني. لذلك تسعى الدّول إلى تفقّد موارد قوّتها الناعمة من فترة إلى أخرى، ونقصد بذلك أن تهتمّ أكثر بوسائل الإعلام وبالأدوات الثقافيّة والمساعدات في مجالات التعليم بالخصوص في شكل تقديم منح للراغبين في مواصلة تعليمهم الجامعي أو في مساعدة دول العالم على تنفيذ مشاريع تعليم الأطفال في الدول الفقيرة، فتكون للقوّة الناعمة قدرة على الجاذبيّة والتأثير في وقتٍ واحدٍ، وهو ما لا تستطيعُ القوّة الصلبة تحقيقه. وقد يذهب بعض الباحثين إلى القول بأنّ القوّة الصلبة قادرة أيضا على التأثير في الشّعوب من خلال استخدام وسائل التهديد والرشاوى وشراء الذّمم، إلاّ أنّ هذه الوسائل السيّئة لا تنجز ما ينجزه التفاعل الطوعي للشعوب مع الثقافات والأفكار وأنماط السلوك التي تبثّها الدبلوماسية الناعمة لأنّها أكثر إغراء.
أين نحن من الدبلوماسيّة الثقافيّة؟:
أدركت على امتداد مسيرتي الدبلوماسيّة والثقافيّة أنّ النوايا الحسنة غير كافية لتفعيل دور التبادل الثقافي إن لم تتبعها سياسة ثقافيّة لأيّ دولة من أجل إحكام قوّتها الناعمة، وكثيرًا ما عبّرت عن انشغالي بوضع صرح ثقافي عربي، ألا وهو معهد العالم العربي بباريس باعتباره أداة من أدوات الدبلوماسيّة الثقافيّة، وحزنت لما آل إليه من تراجع وضعفٍ في تحقيق الأهداف التي بُعث من أجلها. وكم أسهبتُ في تناولِ النتائج الوخيمة لمحدوديّة إيمان بعض الدول العربيّة بجدوى الثقافة في نهضة الشّعوب بالداخل وفي أثرها على تغيير صورة العرب في الخارج، ولكنّ الوضع العربي اليوم لا يساعد البتّة على خياطة قوّة ناعمة بقماشة مهترئة!
إنّ السياسة الدولية سريعة التغيير، ونحن لا نعرف إلى حدّ الآن كيف سيتشكّل العالم بعد هذه الأزمات المتتالية التي مرّ بها وآخرها استمرار الحرب الروسيّة-الأوكرانيّة، ولكنّنا ندرك أنّنا مطالبون كعرب باستلهام التجارب الناجحة للقوّة الناعمة، والمضيّ في تفعيلها. ثمّة تحوّلات كبرى تستدعي النظر، فأثر الدبلوماسيّة الثقافيّة الغربيّة يتراجع قياسا بنموّ دبلوماسيّة الصين التي تعمل على إعادة صياغة «قوانين اللعبة»، ويبدو أنّ التوسّع الصيني في العالم وخاصّة أمام انحسار دور الولايات المتّحدة الأمريكيّة، يعكس بداية الاستعداد إلى انتقال قيادة النظام العالمي إلى الضفة الشرقيّة، وقد منحت السياسة الخارجيّة الصينيّة للموارد الثقافيّة والاقصاديّة دورا مركزيّا في تحقيق هذه الغاية، ومن معالم الذكاء الصيني في إدارة الخطوة الحضاريّة القادمة أنّ الصين لا تقدّم نفسها بديلاً عن الولايات المتّحدة الأمريكيّة، فهي لا تدّعي إعلان التحدي مع القوّة العظمى التي تهيمن على العالم، بقدر ما تتقدّم بنعومة نحو هدفها، وقد انعكس ذلك على خطابها الذي جذب نخبا وشعوبا كثيرة في العالم، حيثُ تبنّى خطابها السياسي القول بوجود عالم متعدّد الأقطاب لا تُحتكر فيه القيادة ولا الأنماط الثقافيّة ولا تُحقّر فيه ثقافات الآخر مقابل مركزيّة الثقافة الغربيّة. لذلك تقدّم الصين نفسها باعتبارها قوّة مضافة للتطوّر في العالم وليست خطرا يهدّد السلم العالمي.
إنّ هذا الدّور الصيني يُذكّرني بما لعبته الحضارة العربية الإسلاميّة في أزهى مراحلها، حين كان العرب يهبون الإنسانيّة علومهم وآدابهم، فانتعشت حركة الترجمة بين العرب وغيرهم من الشّعوب، لما تفطّن إليه العرب من أثر للتبادل الثقافي في تطوير الحضارة الإنسانيّة. وسارع الغرب في أكثر من مرحلة تاريخيّة إلى الاستفادة من التراث الفكري العربي، ذلك ما شهدته طليطلة على سبيل المثال في القرن الحادي عشر للميلاد، حين أصبحت مركزا للترجمة يقدّم للعالم الغربي ثمرات التأليف العربيّة فتأسّس فيها «معهد المترجمين الطليطليين»، فالترجمة تلعب دورا مهمّا في نماء الفنون والتقنيات وأنماط الحياة، لأنّها أشبه بجسر تعبر منه السلع الثقافيّة بشتّى أنواعها وتزيد في تمتين الصّلات بين الشّعوب حتّى يتبيّن لها أنّ الغاية من الوجود واحدة وأنّ مصيرنا مشترك. فتبادل السّلع الثقافيّة من شأنه توطيد العلاقات بين المجتمعات الإنسانيّة، وهو ما يكون سدّا منيعا أمام اهتزاز قيم المحبّة والحوار والتفاعل الحضاري. ولكنّ واقع الترجمة في العالم العربي مازال متردّيا، فمن المحتمل أنّ ترجمتنا لآداب الشّعوب الأخرى تشهد إقبالا ونسبًا مرتفعة إلاّ أنّ ترجمة آدابنا العربيّة إلى اللغات الأجنبيّة هزيلٌ جدّا، وما يزال أمامنا طريقٌ طويلٌ لإحداث تطوير لهذا المجال الذي يعدّ من أبرز أدوات صناعة صورة الثقافة العربيّة.
وإذا ما أردنا تطوير آفاق هذه الدّبلوماسيّة الثقافية فإنّه لا خيار أمامنا غير فسح المجال أمام النخب الثقافيّة لتقدِّم تصورات وخططا من أجل تفعيل التبادل الثقافي وتزويد الدبلوماسية العربيّة بمنتجات التبادل الثقافي، ومن ضرورات ذلك تشريك الأكاديميين، والمؤسسات الأكاديميّة، فالعلوم التي تدرّس في الجامعات ليس غايتها الأساسيّة توفير كفاءات للمجتمع فحسب، بل تأهيل مواطنين يُمارسون قيم الحوار وتبادل الثقافات من أجل نشر التّفاهم مثلما تقوم الجامعات بتوفير منتجات علميّة لها أثرها في العالم. ولا يعني ذلك أنّ الدبلوماسيّة الثقافيّة شأن تختصّ به الأجهزة الحكوميّة فقط، بل للمثقفين والنخب والأدباء والفنانين دور مهمٌّ في تطوير أثرها وجاذبيّتها، ورغم ذلك يظلّ دور الدولة أساسيّا. لذلك كنّا في قطر واعين تمام الوعي بهذا الأمر ومارسنا الدبلوماسيّة الثقافيّة بتميّز ممّا عزّز مكانة بلدنا وتفاعله مع العالم، فكانت تجربة السّنوات الثقافيّة بين قطر وبعض دول العالم علامةً فريدة على نجاح الثقافة في بناء جسر بين الشّعوب، وتعزيز التفاهم من خلال تبادل التجارب الإبداعيّة واستكشاف التنوّع الثقافي والتفاعل الحضاري. وشاركت مختلف المؤسسات الثقافيّة في هذا الاتّجاه، لتمنح الدبلوماسيّة الثقافيّة محتوى متجدّدا في البرامج الثقافية. كما ساهمتْ مبادرات «التّعليم فوق الجميع» و»علّم طفلاً» في تعزيز الروابط الدّبلوماسيّة لما تحمله رسالة التّعليم من تنمية لثقافة السّلم، وعزّز نجاح قطر في تنظيم بطولة كأس العالم لكرة القدم 2022، من تقديم الحجّة على دور الرياضة في بثّ الرسائل الثقافيّة التي تدعم القوّة الناعمة.
إنّ العالم يتغيّر من حولنا بنسقٍ سريعٍ، وإذا أردنا أن نتبوّأ المكانة التي تسمح لنا بالمساهمة الفاعلة في الحضارة البشريّة فما علينا إلاّ أن نعيد الاهتمام بدبلوماسيّتنا الثقافيّة ونتعهّد مكاسبها بالتطوير حتّى لا نقف عند نجاحات بعض ما نقوم به، دون أن نستفيد حقّا من ثمار تلك النّجاحات.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
بعد أسابيع عصيبة عاشتها بلادنا على وقع الأزمة التي شهدتها محافظتا حضرموت والمهرة، وما رافقها من إجراءات أحادية قام بها المجلس الانتقالي ( المنحل ) أربكت المشهد السياسي والأمني، ومن الواضح أن اليمن يتجه اليوم بعزم وإرادة، نحو مرحلة أكثر هدوءا واستقرارا.هذه الفترة رغم قصر مدتها إلا أنها كانت حافلة بالأحداث التي شكلت اختبارا صعبا لتماسك الدولة وقدرتها على الصمود، وأيضا لحكمة القيادة السياسية في إدارة لحظة شديدة الحساسية، داخليا وإقليميا.إن خطورة ما جرى في محافظتي حضرموت والمهرة لم يكن مقتصرا على تعميق الانقسام الاجتماعي أو إثارة الحساسيات المحلية، بل تجاوزت ذلك إلى تهديد وحدة البلد ووحدة مجلس القيادة الرئاسي وتماسك الحكومة، وإضعاف جبهة الشرعية برمتها في لحظة لا تحتمل فيها البلاد أي تصدّعات إضافية. هذا الوضع الصعب مثل تحديا حقيقيا كاد أن ينعكس سلبا على المسار السياسي العام، وعلى قدرة الدولة على مواجهة التحديات الوجودية التي لا تزال قائمة وفي مقدمتها الوضع الاقتصادي والإنساني المتردي وانقلاب جماعة الحوثي. وخلال هذه الأزمة، برز بوضوح مدى أهمية الموقف الدولي، الذي ظل رغم كل التعقيدات قائما على مقاربات موضوعية ومسؤولة تجاه الملف اليمني. فقد حافظ المجتمع الدولي على موقف موحد داعم للحكومة الشرعية ومجلس القيادة الرئاسي، وهو مكسب سياسي ودبلوماسي بالغ الأهمية كان مهددا بالتآكل نتيجة تداعيات الأزمة الأخيرة. ومن المهم التأكيد على أن الحفاظ على هذا الدعم والزخم الدولي المساند للحكومة لم يكن نتاج صدفة عابرة، بل هو ثمرة جهد سياسي ودبلوماسي منظم وواع، أدرك حساسية المرحلة وخطورة أي انزلاق غير محسوب نحو الصراع داخل مظلة الحكومة، مرسخا قناعة دولية بضرورة دعم الشرعية باعتبارها الإطار الوحيد القادر على استعادة الدولة وصون الاستقرار. اليوم تمضي القيادة السياسية والحكومة في مسار تصحيحي شامل، يستهدف احتواء تداعيات الأزمة ومعالجة جذورها، وهو مسار يحظى بتأييد شعبي واسع، ودعم كامل وواضح من الأشقاء في المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي. وبالحديث عن دعم أشقائنا في مجلس التعاون بقيادة السعودية فإنه من المهم أن نشير إلى أن هذا الدعم لا ينبغي أن ينظر إليه باعتباره مساندة ظرفية مرتبطة بأحداث معينة، بقدر ما هو ضرورة استراتيجية تفرضها اعتبارات الأمن الإقليمي والاستقرار السياسي، وتشابك المصالح بين اليمن ومحيطه الخليجي. نعم، إن أهمية الدعم الخليجي لليمن تتجاوز بطبيعتها البعد الاقتصادي أو الإنساني، لتتصل مباشرة بجوهر المعادلة الأمنية والسياسية في المنطقة. فاستقرار اليمن والاستثمار في دعم مؤسساته الشرعية يظل الخيار الأكثر حكمة لضمان أمن جماعي مستدام، قائم على الشراكة والمسؤولية المشتركة. ولكي تتمكن الحكومة ومجلس القيادة من استعادة زمام المبادرة، وتعزيز حضور الدولة، فإن اليمن أحوج ما يكون اليوم إلى موقف خليجي داعم على مختلف المستويات، سياسيا، واقتصاديا، وأمنيا، لأن هذا الدعم يشكّل الطريق الأكثر واقعية لضمان استقرار الأوضاع، واستعادة الثقة، وانتشال اليمن من أزماته المتراكمة، بعيدا عن الحلول المؤقتة أو المعالجات التي لا تنفذ إلى جوهر المشكلات التي تعاني منها بلادنا. وعلى المستوى الداخلي، شكلت الأزمة الأخيرة فرصة لإعادة تذكير جميع المكونات والقوى السياسية بأولويات اليمن الحقيقية، وبالمخاطر الأساسية المحدقة به. فالصراع الجانبي، وتغليب الحسابات الضيقة، لا يخدم سوى مشاريع التقسيم والإنفلات ومشروع الحوثي، الذي لا يزال التهديد الأكبر لمستقبل اليمن، وهو ما يضع مسؤولية كبيرة على الجميع للتحرك وفق برنامج واضح، يعيد ترتيب الأولويات، ويضع إنهاء الانقلاب واستعادة الدولة في صدارة الأهداف، وصولا إلى مرحلة لا يكون فيها اليمن رهينة للسلاح أو المشاريع الخارجة عن الدولة، وإنما دولة مستقرة، شريكة لمحيطها، وقادرة على إدارة شؤونها بإرادة وطنية جامعة.
1725
| 14 يناير 2026
بين فرحة الشارع المغربي وحسرة خسارة المنتخب المصري أمام السنغال، جاءت ليلة نصف النهائي لتؤكد أن كرة القدم لا تعترف إلا بالعطاء والقتال على أرض الملعب. قدمت مصر أداءً مشرفًا وأظهرت روحًا قتالية عالية، بينما كتب المغرب فصولًا جديدة من مسيرته القارية، مؤكدًا تأهله إلى النهائي بعد مواجهة ماراثونية مع نيجيريا امتدت إلى الأشواط الإضافية وحسمت بركلات الترجيح. المباراة حملت طابعًا تكتيكيًا معقدًا، اتسم بسرعة الإيقاع والالتحامات القوية، حيث فرض الطرفان ضغطًا متواصلًا طوال 120 دقيقة. المنتخب المغربي تعامل مع هذا الإيقاع بذكاء، فحافظ على تماسكه وتحكم في فترات الضغط العالي دون ارتباك. لم يكن التفوق المغربي قائمًا على الاستحواذ وحده، بل على إدارة التفاصيل الصغيرة التي تصنع الفارق في المباريات الكبرى. تجلّى هذا التوازن في الجمع بين التنظيم الدفاعي والقدرة على الهجوم المنظم. لم يغامر المغرب دون حساب، ولم يتراجع بما يفقده زمام المبادرة. أغلق اللاعبون المساحات وحدّوا من خطورة نيجيريا، وفي المقابل استثمروا فترات امتلاك الكرة لبناء الهجمات بهدوء وصناعة الفرص، ما منحهم أفضلية ذهنية امتدت حتى ركلات الجزاء. في لحظة الحسم، تألق ياسين بونو، الذي تصدى لركلتي جزاء حاسمتين بتركيز وثقة، وهو ما منح المغرب بطاقة العبور إلى النهائي وأثبت حضوره في اللحظات المصيرية. على الصعيد الفني، يواصل وليد الركراكي تقديم نموذج المدرب القارئ للمباريات بإدارة متقنة، ما يعكس مشروعًا قائمًا على الانضباط والواقعية الإيجابية. هذا الأسلوب أسهم في تناغم الفريق، حيث أضاف إبراهيم دياز لمسات فنية ومهارات فردية ساعدت على تنويع الهجمات وصناعة الفرص، بينما برز أشرف حكيمي كقائد ميداني يجمع بين الصلابة والانضباط، مانحًا الفريق القدرة على مواجهة أصعب اللحظات بثقة وهدوء، وخلق الانسجام التكتيكي الذي ساعد المغرب على التقدم نحو ركلات الجزاء بأفضلية ذهنية واضحة. ولا يمكن فصل هذا الإنجاز عن الجمهور المغربي، الذي شكّل سندًا نفسيًا هائلًا، محولًا المدرجات إلى مصدر طاقة ودافع مستمر. كلمة أخيرة: الآن يستعد المغرب لمواجهة السنغال في النهائي، اختبار أخير لنضج هذا المنتخب وقدرته على تحويل الأداء المتزن والطموح المشروع إلى تتويج يليق بطموحات أمة كروية كاملة.
1437
| 16 يناير 2026
للأسف، جميعنا نمرّ بلحظات جميلة في حياتنا، لحظات كان من المفترض أن تترك أثرًا دافئًا في قلوبنا، لكننا كثيرًا ما نمرّ بها مرور العابرين. لا لأن اللحظة لم تكن جميلة، بل لأننا لم نمنحها انتباهنا الكامل، وانشغلنا بتوثيقها أكثر من عيشها. نعيش زمنًا غريبًا؛ نرفع الهاتف قبل أن نرفع رؤوسنا، ونوثّق اللحظة قبل أن نشعر بها، ونلتقط الصورة قبل أن يلتقطنا الإحساس. لم نعد نعيش اللحظة كما هي، بل كما ستبدو على الشاشات. كأن وجودنا الحقيقي مؤجّل، مرتبط بعدسة كاميرا، أو فيديو قصير، أو منشور ننتظر صداه. نخشى أن تمر اللحظة دون أن نُثبتها، وكأنها لا تكتمل إلا إذا شاهدها الآخرون وتفاعلوا معها. كم مرة حضرنا مناسبة جميلة؛ فرحًا، لقاءً عائليًا، أو جلسة بسيطة مع من نحب، لكن عيوننا كانت في الشاشة، وأصابعنا تبحث عن الزاوية الأفضل والإضاءة الأجمل، بينما القلب كان غائبًا عن المشهد؟ نضحك، لكن بوعيٍ ناقص، ونبتسم ونحن نفكر: هل التُقطت الصورة؟ هل وثّقنا اللحظة كما ينبغي؟ نذهب إلى المطعم، أو نسافر إلى مكان انتظرناه طويلًا، فننشغل بالتصوير أكثر من التذوّق، وبالتوثيق أكثر من الدهشة. نرتّب الأطباق لا لنستمتع بطعمها، بل لتبدو جميلة على صفحاتنا، ونصوّر الطريق والمنظر والغرفة، بينما الإحساس الحقيقي يمرّ بجانبنا بصمت. نملأ صفحاتنا بالصور، لكننا نفرّغ اللحظة من معناها، ونغادر المكان وقد وثّقناه جيدًا… دون أن نكون قد عِشناه حقًا. صرنا نعيش الحدث لنُريه للآخرين، لا لنعيشه لأنفسنا. نقيس جمال اللحظة بعدد الإعجابات، وقيمتها بعدد المشاهدات، ونشعر أحيانًا بخيبة إن لم تلقَ ما توقعناه من تفاعل. وكأن اللحظة خذلتنا، لا لأننا لم نشعر بها، بل لأن الآخرين لم يصفّقوا لها كما أردنا. ونسينا أن بعض اللحظات لا تُقاس بالأرقام، بل تُحَسّ في القلب. توثيق اللحظات ليس خطأ، فالذاكرة تخون أحيانًا، والسنوات تمضي، والصورة قد تحفظ ملامح ووجوهًا وأماكن نحب العودة إليها. لكن الخطأ حين تصبح الكاميرا حاجزًا بيننا وبين الشعور، وحين نغادر اللحظة قبل أن نصل إليها، وحين ينشغل عقلنا بالشكل بينما يفوتنا الجوهر. الأجمل أن نعيش أولًا. أن نضحك بعمق دون التفكير كيف ستبدو الضحكة في الصورة، أن نتأمل بصدق دون استعجال، وأن نشعر بكامل حضورنا. ثم – إن شئنا – نلتقط صورة للذكرى، لا أن نختصر الذكرى في صورة. بعض اللحظات خُلقت لتُعاش لا لتُوثّق، لتسكن القلب لا الذاكرة الرقمية. فلنمنح أنفسنا حق الاستمتاع، وحق الغياب المؤقت عن الشاشات، فالعمر ليس ألبوم صور، بل إحساس يتراكم… وإن فات، لا تُعيده ألف صورة.
840
| 13 يناير 2026