رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
إنّ البحث عن الوفاق العالمي والتقارب بين الشّعوب ليس أمرا جديدا في عالم الدبلوماسيّة والعلاقات الدوليّة، بل هو هدفٌ ناضلت من أجله أجيال من المفكرين والسياسيين ودُعاة الحوار الثقافي، وسارت على منواله المنظمات الدوليّة بنشر خطابات مختلفة ومنها «التنوّع الثقافي». وعمادُ البحث عن الوفاق بين جميع شعوب الأمم، يجعلنا ننظر إلى علاقتنا بالآخر المختلف باعتباره شرطا من شروط وجودنا لأنّ أيّ مجتمع لا يستطيع العيش دون علاقات مع المجتمعات الأخرى حتّى وإن كانت تختلف عنه في العرق واللغة والمعتقد والثقافة. فما من إنسان في هذا الوجود يستطيع العيش منفردًا، وبتعبير الشّاعر الألماني غوته:»ليس ثمّة عقاب أقسى على المرء من العيش في الجنّة بمفرده، فالمؤكّد أنّ الوجود من دون الآخرين يبدو ضربا من المستحيل». لذلك شكّلت الصّراعات بين الأمم خلال الألف سنة الماضية صورة معاكسة للطبيعة البشريّة التي وصّفها ابن خلدون بـ»الطابع المدني»، فمثلما يكون الإنسان مدنيّا بطبعه بمعنى أهليّته للتواصل مع غيره من البشر تكون المجتمعات مدنيّة في احتكامها إلى ضرورة التواصل الدّولي.
وإذا كانت الثقافة مثلما أشرنا هي القوّة الفاعلة في هذا التواصل فإنّ اعتبارها قوّة ناعمة منذ عقود يسّر لقوى عظمى امتلاك أدوات الجذب والإقناع بأنماط تفكيرها وعيشها أكثر ممّا وفّرته لها القوّة الصلبة التي اعتمدت على الآلة العسكريّة. ذلك ما ترجمه الواقع الدولي منذ نهاية الحرب العالميّة الثانية وإبّان دخول العالم في تجاذب قطبي بين المعسكرين الرأسمالي والاشتراكي، حيثُ اكتشف السياسيّون في تلك المرحلة أنّهم بحاجة إلى وسيلة أكثر فاعلية من طاولات المفاوضات، وأدركوا ما للثقافة من دور في التأثير على الشّعوب وقدرة على تشكيل العلاقات الدوليّة.
الثقافة وزن دبلوماسي جديد:
لقد فكّرت القوى العظمى كثيرًا من خلال مراكز أبحاثها ومفكّريها في كيفيّة استعادة مكانتها أو مواجهة التّحديات الجديدة دون اللّجوء إلى استخدام القوّة الصّلبة، وهو ما أفرز منذ بداية التسعينيّات نمطا جديدا من أنماط الدّبلوماسيّة الدوليّة وهو «الدبلوماسيّة الثقافيّة»، ولم يتمّ الاهتداء إلى هذا النّمط بفضل تراجع المواجهة العسكريّة بين القوى العظمى فقط، وإنّما لظهور معطيات جديدة قلبت منطق «العلاقات» و»طبيعة الصّراع». ففي عالم تشهد فيه وسائل الاتّصال ثورات عقب ثورات لم يعد من السّهل قبول منطق استقواء دولة على أخرى، فقد تقلّصت الفوارق الفكريّة والنفسيّة والاعتقاديّة بين البشر، بسبب انفتاح الشّعوب على بعضها البعض، وانتقال العالم من تاريخ الإعلام التقليدي إلى «الإعلام الرقمي» فصار العالم أشبه بقرية صغيرة. وقد ساعد هذا الامتدادُ الاتصالي في التقارب بين الشّعوب، والأهم من ذلك أنّه أعطى قوّة جديدة للثقافة. إنّنا حين نؤكّد على دور الثقافة في العلاقات الدوليّة فذلك لنشير بأنّ الدول المتقدّمة بالخصوص أدركت أهمية الصناعات الثقافيّة في مبادلاتها التجاريّة مما سمح لها بتوظيفها في دبلوماسيّتها الناعمة، ألم يقل ستيف جوبز بأنّ التزاوج بين التكنولوجيا والفنون والإنسانيّات هو ما جعل قلب آبل يُغنّي؟ ذلك أنّه اعتقد بأنّ التكنولوجيا لا تتقدّم ولا تنمو بواسطة علوم الحاسوب وإنّما من خلال تواصل تلك العلوم بالعلوم الإنسانيّة والفنون.
غالبا ما تكون الثقافة مؤثّرة في صناعة الصّورة التي تحتفظ بها الدول عن بعضها البعض، وتساهم أيضا في تصحيح الانطباعات ونبذ الأفكار المسبقة والمغلوطة، لأنّ تحقيق التفاهم يتطلّب التعرّف على الحقيقة. ويزداد أثر الثقافة كلّما تمكّنت الدول من أدوات الجاذبيّة والإقناع، فتتحوّل المثل التي تنادي بها عبر دبلوماسيّتها الثقافيّة إلى أفق خلاص لبعض الشّعوب أو طموحا لبعضها الآخر. لننظر في تلك المرحلة التي عاشتها أمريكا بعد الحرب العالمية الثانية حينما تمّ جذب الشباب الأوروبي الذي كان يشرئبّ إلى الموسيقى خلف جدار برلين، وكيفَ أصبحت المثل الأمريكيّة في الحرية أملاً للشباب في الصين عند حادثة تيانانمين حين بنوا نسخة من تمثال الحرية، وغيرهم من شباب العالم الذين رأوا في النمط الفكري الأمريكي خلاصًا لأوضاعهم فتبنّوا الموسيقى الأمريكيّة ونمط اللباس الأمريكي والأكلات الأمريكيّة، وفي المقابل لننظر في الأثر الذي تركته أمريكا في نفوس الشباب إثر حرب الأسابيع الأربعة في العراق عام 2003 حين كسبت الولايات المتحدة الأمريكيّة الحرب بإسقاط نظام صدّام، ولكنّ طغيان الآلة العسكريّة أثّر في تراجع صورتها وشعبيّتها في العالم، وحتّى في البلدان التي شاركت حكوماتها في الحرب. ذلك أنّ شنّ حربٍ على العراق بائتلاف صغير من الدّول، ودون غطاء واسع للشرعيّة الدوليّة، ساهم في زعزعة صورة أمريكا في العالم، فقد انتصرت الآلة العسكريّة وهزمت «المثل» الأمريكيّة، ولم يكن من اليسير على الولايات المتّحدة الأمريكيّة أن تستعيد قوّتها التأثيريّة ثقافيّا في العالم، إذ كما يقول جوزيف ناي سيكون»كسب السّلام أصعب من كسب الحرب».
إنّ تبادل الأفكار والمعلومات وكافّة السلع الرمزيّة دون إكراه هو وسيلة الدبلوماسيّة الثقافيّة، وهذا التبادل يضمن بقاء تأثير أيّ دولة على دول أخرى أكثر من الهيمنة العسكريّة أو الاقتصاديّة، فلو قارنّا بين أثر غزو روما لليونان عسكريّا وغزو اليونان لروما ثقافيّا لوجدنا أنّ الحضور الروماني سريعا ما اندثر ولم يُخلّف أثرا في الشّعب اليوناني بينما دام التأثير اليوناني في المجتمع الروماني. لذلك تسعى الدّول إلى تفقّد موارد قوّتها الناعمة من فترة إلى أخرى، ونقصد بذلك أن تهتمّ أكثر بوسائل الإعلام وبالأدوات الثقافيّة والمساعدات في مجالات التعليم بالخصوص في شكل تقديم منح للراغبين في مواصلة تعليمهم الجامعي أو في مساعدة دول العالم على تنفيذ مشاريع تعليم الأطفال في الدول الفقيرة، فتكون للقوّة الناعمة قدرة على الجاذبيّة والتأثير في وقتٍ واحدٍ، وهو ما لا تستطيعُ القوّة الصلبة تحقيقه. وقد يذهب بعض الباحثين إلى القول بأنّ القوّة الصلبة قادرة أيضا على التأثير في الشّعوب من خلال استخدام وسائل التهديد والرشاوى وشراء الذّمم، إلاّ أنّ هذه الوسائل السيّئة لا تنجز ما ينجزه التفاعل الطوعي للشعوب مع الثقافات والأفكار وأنماط السلوك التي تبثّها الدبلوماسية الناعمة لأنّها أكثر إغراء.
أين نحن من الدبلوماسيّة الثقافيّة؟:
أدركت على امتداد مسيرتي الدبلوماسيّة والثقافيّة أنّ النوايا الحسنة غير كافية لتفعيل دور التبادل الثقافي إن لم تتبعها سياسة ثقافيّة لأيّ دولة من أجل إحكام قوّتها الناعمة، وكثيرًا ما عبّرت عن انشغالي بوضع صرح ثقافي عربي، ألا وهو معهد العالم العربي بباريس باعتباره أداة من أدوات الدبلوماسيّة الثقافيّة، وحزنت لما آل إليه من تراجع وضعفٍ في تحقيق الأهداف التي بُعث من أجلها. وكم أسهبتُ في تناولِ النتائج الوخيمة لمحدوديّة إيمان بعض الدول العربيّة بجدوى الثقافة في نهضة الشّعوب بالداخل وفي أثرها على تغيير صورة العرب في الخارج، ولكنّ الوضع العربي اليوم لا يساعد البتّة على خياطة قوّة ناعمة بقماشة مهترئة!
إنّ السياسة الدولية سريعة التغيير، ونحن لا نعرف إلى حدّ الآن كيف سيتشكّل العالم بعد هذه الأزمات المتتالية التي مرّ بها وآخرها استمرار الحرب الروسيّة-الأوكرانيّة، ولكنّنا ندرك أنّنا مطالبون كعرب باستلهام التجارب الناجحة للقوّة الناعمة، والمضيّ في تفعيلها. ثمّة تحوّلات كبرى تستدعي النظر، فأثر الدبلوماسيّة الثقافيّة الغربيّة يتراجع قياسا بنموّ دبلوماسيّة الصين التي تعمل على إعادة صياغة «قوانين اللعبة»، ويبدو أنّ التوسّع الصيني في العالم وخاصّة أمام انحسار دور الولايات المتّحدة الأمريكيّة، يعكس بداية الاستعداد إلى انتقال قيادة النظام العالمي إلى الضفة الشرقيّة، وقد منحت السياسة الخارجيّة الصينيّة للموارد الثقافيّة والاقصاديّة دورا مركزيّا في تحقيق هذه الغاية، ومن معالم الذكاء الصيني في إدارة الخطوة الحضاريّة القادمة أنّ الصين لا تقدّم نفسها بديلاً عن الولايات المتّحدة الأمريكيّة، فهي لا تدّعي إعلان التحدي مع القوّة العظمى التي تهيمن على العالم، بقدر ما تتقدّم بنعومة نحو هدفها، وقد انعكس ذلك على خطابها الذي جذب نخبا وشعوبا كثيرة في العالم، حيثُ تبنّى خطابها السياسي القول بوجود عالم متعدّد الأقطاب لا تُحتكر فيه القيادة ولا الأنماط الثقافيّة ولا تُحقّر فيه ثقافات الآخر مقابل مركزيّة الثقافة الغربيّة. لذلك تقدّم الصين نفسها باعتبارها قوّة مضافة للتطوّر في العالم وليست خطرا يهدّد السلم العالمي.
إنّ هذا الدّور الصيني يُذكّرني بما لعبته الحضارة العربية الإسلاميّة في أزهى مراحلها، حين كان العرب يهبون الإنسانيّة علومهم وآدابهم، فانتعشت حركة الترجمة بين العرب وغيرهم من الشّعوب، لما تفطّن إليه العرب من أثر للتبادل الثقافي في تطوير الحضارة الإنسانيّة. وسارع الغرب في أكثر من مرحلة تاريخيّة إلى الاستفادة من التراث الفكري العربي، ذلك ما شهدته طليطلة على سبيل المثال في القرن الحادي عشر للميلاد، حين أصبحت مركزا للترجمة يقدّم للعالم الغربي ثمرات التأليف العربيّة فتأسّس فيها «معهد المترجمين الطليطليين»، فالترجمة تلعب دورا مهمّا في نماء الفنون والتقنيات وأنماط الحياة، لأنّها أشبه بجسر تعبر منه السلع الثقافيّة بشتّى أنواعها وتزيد في تمتين الصّلات بين الشّعوب حتّى يتبيّن لها أنّ الغاية من الوجود واحدة وأنّ مصيرنا مشترك. فتبادل السّلع الثقافيّة من شأنه توطيد العلاقات بين المجتمعات الإنسانيّة، وهو ما يكون سدّا منيعا أمام اهتزاز قيم المحبّة والحوار والتفاعل الحضاري. ولكنّ واقع الترجمة في العالم العربي مازال متردّيا، فمن المحتمل أنّ ترجمتنا لآداب الشّعوب الأخرى تشهد إقبالا ونسبًا مرتفعة إلاّ أنّ ترجمة آدابنا العربيّة إلى اللغات الأجنبيّة هزيلٌ جدّا، وما يزال أمامنا طريقٌ طويلٌ لإحداث تطوير لهذا المجال الذي يعدّ من أبرز أدوات صناعة صورة الثقافة العربيّة.
وإذا ما أردنا تطوير آفاق هذه الدّبلوماسيّة الثقافية فإنّه لا خيار أمامنا غير فسح المجال أمام النخب الثقافيّة لتقدِّم تصورات وخططا من أجل تفعيل التبادل الثقافي وتزويد الدبلوماسية العربيّة بمنتجات التبادل الثقافي، ومن ضرورات ذلك تشريك الأكاديميين، والمؤسسات الأكاديميّة، فالعلوم التي تدرّس في الجامعات ليس غايتها الأساسيّة توفير كفاءات للمجتمع فحسب، بل تأهيل مواطنين يُمارسون قيم الحوار وتبادل الثقافات من أجل نشر التّفاهم مثلما تقوم الجامعات بتوفير منتجات علميّة لها أثرها في العالم. ولا يعني ذلك أنّ الدبلوماسيّة الثقافيّة شأن تختصّ به الأجهزة الحكوميّة فقط، بل للمثقفين والنخب والأدباء والفنانين دور مهمٌّ في تطوير أثرها وجاذبيّتها، ورغم ذلك يظلّ دور الدولة أساسيّا. لذلك كنّا في قطر واعين تمام الوعي بهذا الأمر ومارسنا الدبلوماسيّة الثقافيّة بتميّز ممّا عزّز مكانة بلدنا وتفاعله مع العالم، فكانت تجربة السّنوات الثقافيّة بين قطر وبعض دول العالم علامةً فريدة على نجاح الثقافة في بناء جسر بين الشّعوب، وتعزيز التفاهم من خلال تبادل التجارب الإبداعيّة واستكشاف التنوّع الثقافي والتفاعل الحضاري. وشاركت مختلف المؤسسات الثقافيّة في هذا الاتّجاه، لتمنح الدبلوماسيّة الثقافيّة محتوى متجدّدا في البرامج الثقافية. كما ساهمتْ مبادرات «التّعليم فوق الجميع» و»علّم طفلاً» في تعزيز الروابط الدّبلوماسيّة لما تحمله رسالة التّعليم من تنمية لثقافة السّلم، وعزّز نجاح قطر في تنظيم بطولة كأس العالم لكرة القدم 2022، من تقديم الحجّة على دور الرياضة في بثّ الرسائل الثقافيّة التي تدعم القوّة الناعمة.
إنّ العالم يتغيّر من حولنا بنسقٍ سريعٍ، وإذا أردنا أن نتبوّأ المكانة التي تسمح لنا بالمساهمة الفاعلة في الحضارة البشريّة فما علينا إلاّ أن نعيد الاهتمام بدبلوماسيّتنا الثقافيّة ونتعهّد مكاسبها بالتطوير حتّى لا نقف عند نجاحات بعض ما نقوم به، دون أن نستفيد حقّا من ثمار تلك النّجاحات.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
أصبح ملاحظًا في الآونة الأخيرة تزايد شكاوى المعلمين وأساتذة الجامعات من سطحية بعض الطلاب وضعف قدرتهم على التحليل، بل وقلة اهتمامهم بالشأن العام وغياب الحس بالمسؤولية المجتمعية. وهذه الظاهرة لا يمكن إلقاء اللوم بها على المناهج أو أساليب التدريس، بل ترتبط بشكل كبير بغياب المتابعة الأسرية وانشغال الوالدين أو اعتمادهم الكامل على المؤسسات التعليمية لتأدية دور الوالدين أو توكيل الخدم بكل ما سبق، وهذه طامة أخرى سنأتي عليها لاحقًا. هل يُعقل أن طالبًا جامعيًا لا يعرف من وزير خارجية بلاده؟! وكم هي مساحة الدولة التي يعيش فيها؟! بل أكثر من ذلك، ففي مثل هذه الأيام التي تمر فيها المنطقة في صراع إقليمي وحرب تُغيّر خريطة العالم وتحالفاته وتقلب طاولة الاقتصاد رأسًا على عقب، هو لا يعرف من وكيف ولماذا، وهل هو مع أو ضد توجه معين أو رأي بلاده من كل هذا؟! وبسبب ما سبق عملنا مع بعض الزملاء مسحًا سريعًا للبحث عن هذه الأسباب، فتبيّن أن الأم والأب يقضيان أكثر من ٤ ساعات يوميًا على الهاتف بين برامج التواصل الاجتماعي بما لا ينفع بل بما يضر أحيانًا، ولم نحسب ساعات متابعة الأفلام والمسلسلات ضمن هذا. إن مسؤولية تربية الأبناء لا يمكن تفويضها أو التهرب منها. فتربية الأبناء ليست ما تنتجه المدارس أو المعاهد أو الجامعات، بل هم انعكاس لبيئة كاملة تبدأ بالأسرة. وإذا أردنا جيلًا واعيًا مثقفًا وقادرًا على تحمل مسؤولياته فعلينا أن نعيد الاعتبار لدور الوالدين، وأن ندرك أن التربية الحقيقية تُبنى في البيت أولًا ثم تُستكمل في بقية مؤسسات المجتمع. لأن التربية ليست مهمةً يمكن اختصارها في مؤسسة واحدة أو جهة رسمية بعينها. ومن هنا فإن إلقاء المسؤولية على وزارة التربية والتعليم فيما يتعلق بمستوى الأبناء الفكري والسلوكي والثقافي، هو طرحٌ ناقص يُغفل الدور الجوهري الذي يقع على عاتق الوالدين أولًا ثم بقية مكونات المجتمع. الأسرة هي النواة الأولى التي تتكون فيها شخصية الطفل، وهي البيئة التي يتعلم فيها القيم الأساسية والدينية قبل أن يتعلم الحروف والأرقام. في البيت يتعلم الأبناء معنى المسؤولية واحترام الوقت وأهمية المعرفة والقدرة على الحوار. فإذا نشأ الطفل في بيئة تشجعه على التساؤل وتمنحه مساحة للتعبير وتعطيه قدرًا من الثقة والشعور بالمصداقية وتتابع اهتماماته الدراسية والثقافية، فإنه يدخل المدرسة والجامعة وهو يحمل أدوات التفكير والفهم لا مجرد قابلية للحفظ والتلقين. أما إذا غاب هذا الدور فإننا نجد أنفسنا أمام طالب يفتقر إلى الأساس الذي يُبنى عليه كل شيء. فحين يجلس الأب أو الأم مع الأبناء لمناقشة حدثٍ ما أو كتابٍ قرأوه أو فكرةٍ سمعوها، فإنهم يزرعون فيهم بذور التفكير النقدي، ويعلمونهم كيف يكونون جزءًا من مجتمعهم لا مجرد متفرجين عليه، كما أن للشارع والأصدقاء دورًا لا يقل أهمية، فهم يشكلون جزءًا من البيئة التي يتفاعل معها الأبناء يوميًا. لذلك فإن اختيار الصحبة الصالحة، وتوجيه الأبناء نحو الأنشطة المفيدة، ومتابعة سلوكهم خارج المنزل، كلها أمور تقع ضمن مسؤولية الوالدين. إضافة إلى ذلك، فإن وسائل الإعلام ومؤسسات الدولة المختلفة تتحمل دورًا تكامليًا في تعزيز القيم الثقافية والاجتماعية من خلال تقديم محتوى هادف، وخلق بيئات داعمة للنمو الفكري. إن التربية مشروعٌ مشترك تتكامل فيه الأدوار ولا تتقاطع. فوزارة التربية والتعليم تؤدي دورًا مهمًا في تنظيم العملية التعليمية وتوفير المناهج والتربية كذلك، لكنها لا تستطيع وحدها أن تصنع وعيًا أو تبني شخصية متكاملة. هذا الدور يبدأ من البيت حيث تتشكل القيم ويتأسس الفكر ويتعلم الأبناء أين يقفون في هذا العالم المتغير من حولهم.
3129
| 22 أبريل 2026
من خلال متابعتنا للمستجدات الصادرة في الثامن من أبريل ٢٠٢٦، حول تحديث قواعد الضريبة الانتقائية بموجب القانون رقم ٢ لسنة ٢٠٢٦، بداية فإن موضوع الضريبة الانتقائية بشكل خاص لا يتعلق بمفهوم الزيادة في الأسعار ولا السعر الجبري الذي تفرضه الدولة بالمعنى الشائع؛ بل هو آلية تنظيمية تلقائية للأسعار تعني ببعض السلع الانتقائية والذي يحفز الفرد على الاستغناء عنها أو تقليلها تدريجياً وهي خطوة ذكية لتعزيز المناعة المجتمعية. هذا التعديل الذي أصدره سمو الأمير يأتي في وقت تضغط فيه الأزمات العالمية على موازنات الدول، مما يجعل صحة الناس والبيئة المحيطة بمثابة الحصن الحقيقي، خصوصاً في زمن الحروب والظروف الجيوسياسية المتقلبة. فالدولة التي يمتلك أفرادها صحة جيدة، وميزانية لا تهدر في فواتير علاج الأمراض المزمنة، هي الأقدر على الصمود في وجه أي تحديات عالمية. وحسب ما هو مفهوم من هذه الأداة الاقتصادية والتحديث المقصود، نجد أن الضريبة الانتقائية هي ضريبة تُفرض على سلع محددة تضر الصحة أو البيئة عموماً. والهدف ليس تحصيل العوائد فحسب، بل تشجيع الناس على تغيير عاداتهم واستبدال المشروبات المليئة بالمحليات المضافة، سواء كانت سكراً طبيعياً أو بدائل صناعية، ببدائل طبيعية ومفيدة أكثر. كما أن هذا التوجه يتماشى مع سياسات دول مجلس التعاون الخليجي، التي بدأت تتحرك ككتلة واحدة لحماية أسواقها، والضغط على الشركات العالمية لتقديم منتجات أكثر جودة وصحة لمنطقتنا. إن جوهر هذا القانون والذي سيبدأ تطبيقه في يوليو ٢٠٢٦، لا يهدف لتقييد خيارات الناس، بل لإعادة هيكلة هذه الخيارات داخل المنظومة الاقتصادية. فالسوق لا يزال مفتوحاً للجميع وعادات الاستهلاك غير مقيدة لكن القواعد تغيرت؛ حيث صار المشروب المحلى يتحمل تكلفته الصحية مسبقاً عبر الضريبة الانتقائية. والجديد هنا هو الاعتماد على النموذج الحجمي، أي أن الضريبة تُحسب بناءً على كمية السكر أو المحليات في كل ١٠٠ ملل من محتوى المنتج. وللتوضيح، المشروب الذي تشتريه الآن بـ ٤ ريالات قد يصل سعره إلى ٥ أو ٥.٥٠ ريال إذا كان محتفظاً بنسبة سكر مرتفعة، بينما ستحافظ المشروبات قليلة التحلية على أسعارها الحالية أو قد تفرض عليها النسبة الدنيا من الضريبة، نظراً لانخفاض كثافة المحليات مقارنةً بنظيراتها المشبعة بالسكر، مما يدفع الشركات لتغيير مكوناتها لتبقى منافسة في السعر. هذا التغيير يفتح باباً للمنافسة العادلة، فالنموذج الحجمي يلغي الأفضلية السعرية التي كانت تُنسب عادةً للمشروبات الرخيصة المليئة بالسكر على حساب البدائل الصحية المبتكرة. اليوم المنافسة صارت على الجودة والابتكار، وهذا يحفز مصانعنا الوطنية لتقديم منتجات صحية منافسة محلياً وعالمياً. أما عن المردود المادي فالدولة في هذا السياق تنهض مرتين؛ الأولى عبر تنويع الدخل لدعم الخدمات العامة والبنية التحتية، والثانية عبر توفير المليارات التي كانت تُصرف على علاج السكري والسمنة والأمراض الأخرى المرتبطة باستهلاك السكاكر بشكل مفرط. ولضمان الشفافية خصص القانون نسبة ١٪ من هذه الضريبة لميزانية وزارة الصحة لتمويل برامج التوعية المختلفة، بينما تذهب بقية العوائد لدعم المشاريع الوطنية، مما يجعل المنتج الضار وسيلة لتمويل البناء والنهوض بالمجتمع. وباعتبار هذه الرؤية هي الركيزة لتعزيز الأمن القومي الغذائي والصحي؛ أضحت الوقاية التي ندركها من روح وجوهر هذا القانون خط الدفاع الأول ضد الأزمات، والمجتمع القوي صحياً هو المحرك الحقيقي لاقتصاد صامد في ظل أي ظرف، يحمي سيادة الوطن وصحة مكوناته الوطنية وأجياله القادمة.
939
| 24 أبريل 2026
جبل الانسان بالفطرة على نبذ العنف وكره الظلم في جميع صوره وعلى فعل الخير أينما كان وفي أي وقت حتى لو كان ذلك على حساب نفسه دون تمييز، وهذه من الصفات الحميدة التي يتحلى بها الانسان في أي موضع او منصب كان، ولكن في عصرنا الحاضر اصبح هذا الامر من النوادر وربما من العجائب، حيث إن معظم الساسة الغربيين رغم ادعاءاتهم بالوقوف مع حقوق الإنسان ومناصرة المظلوم ومواجهة الظالم، الا أن هذا الامر عندما يأتي للشعوب المكلومة او المظلومة فهؤلاء الساسة لا يعرفون من ذلك شيئا ولا يعترفون بها، فهم مع الظالم ضد المظلوم قلبا وقالبا وبدون مواربة وبكل وقاحة يعلنونها لأنهم باعوا ضمائرهم ومبادئهم للماسونية والصهيونية التي تسيطر عليهم سيطرة كاملة ويأتمرون بأوامرها، لأن في واقع الأمر هؤلاء لهم خاصية مختلفة عن بقية البشر، لأنهم جبلوا على الانغماس في الشرور كيفما كانت، ولا يتوانون في أي لحظة من قول وفعل كل ما هو مشين وغير أخلاقي او غير منطقي او طبيعي لأنهم بلا هذا الشيء لا قيمة لهم ولا مكانة عند اسيادهم الماسونيين والصهاينة، واثبتوا أن مصالحهم الاستعمارية فوق المصالح الإنسانية والأخلاقية، وانه لا علاقة لهم بالوقوف مع الحق ضد الباطل. ما دعاني لقول ذلك خروج وزير خاجية فرنسا (جان نويل بارو) والممثل الأمريكي لادارة وإصلاح الأمم المتحدة (جيفري بارتوس) بالدعوة الى اقالة المقررة الخاصة للأمم المتحدة للأراضي الفلسطينية المحتلة (فرانشييسكا البانيز) والسبب انها قالت (ان الكيان العصابي الصهيوني هو العدو المشترك للإنسانية) وكان بارو قد عقب على ذلك بقوله: (ان باريس تدين دون تحفظ التصريحات "الفاحشة والشائنة" التي ادلت بها البانيز) اما الأمريكي فقال: (حان الوقت لطرد فرنشيسكا البانيز وكيف تسمحون لشخص كهذه "المجنونة" بارتداء الزي الرسمي للأمم المتحدة وتسميم العمل الجيد) تخيلوا أن أمثال هؤلاء يتحدثون عن شخصية قالت الحقيقة عن الكيان العصابي بكل معانيها وتفصيلاتها، هي لم تقل شيئا من الخيال بل واقع لمسته وعاشته بل قالت ما يمليه عليها ضميرها وانسانيتها وهذا من صميم عملها ودورها في كشف زيف هذا الكيان العصابي المتجبر، وقد حوصرت هذه المرأة التي قامت بواجبها الإنساني تجاه ما يتعرض له اهل فلسطين امعانا في تأديبها والانتقام منها حيث تلقت تهديدات باغتصاب ابنتها، وطرد زوجها من عمله، وفرضت أمريكا عليها عقوبات مالية ومصادرة شقتها، ووضعت في خانة المجرمين والقتلة وتجار المخدرات فقط لأنها صدحت بالحقيقة وتجرأت وقالت ما لم يتجرأ الآخرون على قوله، ولكن ماذا نقول عندما تنقلب الموازين في الغرب لصالح المجرم بدلا من الوقوف مع الذي وقع عليه الجرم، فعندما يصدر تصريح مثل هذا من مسؤول غربي دون أدنى شعور بالذنب تجاه ما حصل لأهل غزة فاعلم انه فقد بوصلتة الإنسانية وشرفه (هذا ان كان يملكها) وتمادى في شطحاته السياسية، وعندما يأتي مسؤول غربي أيا كانت صفته ويمعن في التقليل والاستهزاء بالاضرار النفسية والبدنية والاجتماعية لاطفال واهل غزة فاعلم انه فاقد لحواسه الطبيعية التي يتمتع بها الانسان السوي، وان بعض المسؤولين الغربيين والذين تسيطر عليهم الماسونية العالمية والصهيونية منغمسون في الشر والاستمتاع بأذى الاخرين الذين لا ينتمون لبني جلدتهم، وعلينا نحن ألا نقف صامتين، علينا ان نفضح هؤلاء الذين يرون أنفسهم أكثر إنسانية من الاخرين وهم لا علاقة لهم بالانسانية البتة، الإنسانية التي يرونها هي ما تخصهم أما غير ذلك فلا قيمة له عندهم.
681
| 25 أبريل 2026