رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أنت لست فاشلاً، أنت "مُدار": خوارزمية "تحسين الأجور" لطالما تربينا على معادلة اقتصادية بسيطة ومريحة للأعصاب: "اعمل بجد، ستحصل على راتب جيد، وستعيش حياة كريمة". كانت هذه الفرضية هي العمود الفقري لما يُسمى بالطبقة الوسطى المزدهرة؛ تلك الطبقة التي تمتلك فائضاً من الدخل يسمح لها بشراء المنازل، السيارات، ودعم عجلة الاقتصاد ككل. كان فوز العامل يعني فوز المؤسسة او الشركة. ولكن، يبدو أن تلك الأيام قد ولت، وحل محلها واقع "ديستوبي" جديد أي المدينة الفاسدة! وهو دقيق رياضياً، وقاسٍ إنسانيًا في عالم العولمة الذي نعيشه.
ما كشفه هذا العصر الذي انتشرت فيها هذه الظاهرة منذ بداية القرن المضي، يزيح الستار عن حقيقة مرعبة تدور في أروقة مجالس إدارات الشركات الكبرى التي تدير عجلة الاقتصاد في العالم. لم يعد الأمر يتعلق بالازدهار المشترك، بل تحول إلى ما يُطلق عليه مصطلح تقني بارد “تحسين الأجور". وهو مصطلح مهذب لاستراتيجية وحشية تهدف إلى تحديد الحد الأدنى الدقيق الذي يمكن دفعه للموظف ليبقى على قيد الحياة، دون أن يمتلك القدرة أبداً على الهروب والاستقلالية المالية منه!
الأمر ليس عشوائياً، ولا هو سوء طالع يلاحقك في مسيرتك المهنية. إنها "دقة رياضية". لقد أجرت الشركات العابرة للقارات حساباتها وأدركت الحقيقة التالية: إذا دفعت لك القليل جداً، ستنهار وتستقيل. وإذا دفعت لك الكثير، ستشعر بالأمان، وتدخر، وربما تستثمر، مما يمنحك القوة لتقول "لا"، أو لتنافس، أو لتستقيل وتؤسس عملك الخاص. وهي قد عادت المؤسسات في منطقتنا كذلك! لذا، يكمن الحل في المنطقة الرمادية القاتلة: "منطقة التوتر".
الهدف هو إبقاؤك في حالة دائمة من الاعتمادية. راتب يكفي بالكاد لدفع الإيجار، لكنه لا يكفي لامتلاك منزل. يكفي لشراء الطعام، لكنه لا يسمح بالاستثمار. يكفي لضمان حضورك للعمل في اليوم التالي، لكنه لا يكفي لتشعر بالحرية في المغادرة. إنها هندسة مالية تهدف لجعلك تعيش "من راتب إلى راتب"، حيث تفصلك كارثة طارئة واحدة فقط عن الانهيار المالي التام.
في نظر الرأسمالية الحديثة – كما يتصورها منشؤها – أنت لست إنساناً لك أحلام وطموحات؛ أنت "مورد" كما تحفظت في مقال سابق على مصطلح الموارد البشرية. والهدف من أي مورد هو استخراج أقصى قيمة ممكنة منه بأقل تكلفة ممكنة. الراحة تولد الاستقلال، والاستقلال هو عدو الشركات التي تحتاج إلى تروس مطيعة في آلاتها العملاقة.
إن الشعور بالإرهاق المستمر، والقلق من الفواتير، والإحساس بأنك تركض في مكانك رغم كل جهودك، ليس دليلاً على فشلك الشخصي. هذه هي النقطة الأكثر أهمية التي يجب أن ندركها. النظام مصمم ليعمل بهذه الطريقة. أنت لا تفشل في إدارة حياتك؛ بل يتم "إدارتك" ببراعة لتبقى في هذا المربع بالتحديد أو بصيغة أخرى القفص الذهبي.
إن الخطوة الأولى للتحرر من هذا الفخ ليست بالضرورة العمل بجدية أكبر داخل نفس النظام الذي صمم لاستنزافك، بل في الوعي بأن اللعبة قد تغيرت قواعدها. عندما تدرك أن "تحسين الأجور" هو سقف زجاجي وضع عمداً فوق رأسك، تتغير نظرتك للأمور.
في الختام، قد تكون الحقيقة مؤلمة: إن المؤسسات والشركات الكبرى في هذا العالم لا تراك كشريك في النجاح، بل كبند تكلفة يجب ضبطه عند حافة الانهيار ولا يتجاوزها. لذا، حين تشعر بالضيق المالي رغم كدحك، تذكر: أنت لست فاشلاً، أنت فقط تخضع لعملية "إدارة" دقيقة. إن كسر خوارزمية "تحسين الأجور" والتحرر من التبعية الوظيفية ليس مجرد طوق نجاة فردي، بل هو ركيزة أساسية في بناء مستقبلنا الوطني. هنا في قطر، نحن نعيش في ظل اقتصاد متسارع النمو يسعى حثيثاً نحو التنويع بعيداً عن الاعتماد الكلي على الموارد التقليدية. إن رؤية قطر الوطنية 2030 لا تُبنى بسواعد الموظفين المكتفين بالحد الأدنى من البقاء فحسب، بل تُبنى بعقول المبتكرين وجرأة رواد الأعمال.
الدولة اليوم توفر بيئة خصبة وحاضنات أعمال غير مسبوقة لتشجيع القطاع الخاص والشركات الصغيرة والمتوسطة. الانتقال من عقلية "البحث عن وظيفة آمنة" إلى عقلية "خلق الفرص والتجارة" هو ما سيصنع الفارق الحقيقي. إن اقتصادنا المحلي بحاجة إلى منتجين، ومصنعين، ومبتكرين يضيفون قيمة حقيقية للناتج المحلي، لا مجرد أرقام في كشوف رواتب الشركات العالمية. لا تكتفِ بأن تكون "مورداً" يُدار؛ بل كن أنت صانع القرار، والمحرك لعجلة التنمية التي نطمح إليها جميعاً.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
عند الحديث عن التفوق الرياضي، لا يمكن اختزاله في تفاصيل فنية أو نتائج آنية، بل يجب النظر إلى البنية الكاملة للفريق، بدءًا من الإدارة، مرورًا بالجهاز الفني، وانتهاءً بروح اللاعبين داخل الملعب. ومن هذا المنطلق، يبرز الشمال كنموذج متكامل لفريق يعرف ماذا يريد، وكيف يصل إليه. إدارة الشمال تقدم مثالًا واضحًا في الحزم والوضوح والاستقرار. القرارات تصدر بثقة، والرؤية واضحة، والدعم متواصل، ما ينعكس مباشرة على حالة الفريق داخل الملعب. هذا الاستقرار الإداري منح المدرب المساحة الكاملة للعمل، فظهر حضوره قويًا، واضح الشخصية، قادرًا على فرض الانضباط وبناء مجموعة تؤمن به وتقاتل من أجله. المدرب في الشمال ليس مجرد اسم، بل قائد فعلي، يزرع الثقة، ويخلق الانتماء، ويحول اللاعبين إلى وحدة واحدة. أما اللاعبون، فيمثلون جوهر هذا التفوق. يتميز الشمال بلاعبين يمتلكون المهارة، لكن الأهم أنهم يمتلكون العقلية. روح جماعية عالية، التزام، استعداد للتضحية، وقتالية واضحة في كل مواجهة. الفريق يلعب بشراسة إيجابية، لا تعرف الاستسلام، ويقاتل على كل كرة، وكأن كل مباراة معركة إثبات جديدة. هذه الروح لا تُشترى، بل تُبنى، والشمال نجح في بنائها بامتياز. في المقابل، يفتقد أم صلال لهذه المنظومة المتكاملة. غياب الاستقرار الفني، وتراجع الحضور القيادي، وانعدام الروح الجماعية، جعل الفريق يبدو بلا هوية واضحة. اللاعبون يدخلون المباريات دون تلك الشراسة المطلوبة، ودون الإحساس بالمسؤولية الجماعية، ما ينعكس على الأداء العام ويكرّس صورة فريق يفتقر إلى الشخصية والقتال. الفارق بين الفريقين ليس في المهارة فقط، بل في الذهنية. الشمال فريق يؤمن بنفسه، بإدارته، بمدربه، وبقدرته على المنافسة حتى اللحظة الأخيرة. أم صلال، في المقابل، يعاني من غياب هذه القيم الأساسية. كلمة أخيرة: يتألق فريق الشمال بانتصاراته الساحقة، مما يبرز براعته الإستراتيجية وقوة إرادته، بينما يعاني فريق أم صلال من إخفاقات متكررة، لتتكشف أمام الجميع الفجوة بين العزم والضعف، مسجّلة درسًا حقيقيًا في مجريات المنافسة الرياضية.
2136
| 04 فبراير 2026
حين وصل الملك فريدريك الثاني الشام سنة 1228م، لم تُسجَّل له معركة كبرى أمام القدس ولم يُحاصرها بجيش يزلزل الأرض. ومع ذلك تسلم مفاتيح بيت المقدس، وذلك باتفاق مع السلطان الأيوبي الذي ليس له من اسمه نصيب (الملك الكامل). هذا الحاكم سلّم بموجب اتفاق مفاتيح القدس. لم تكن هزيمة عسكرية، بل تنازلًا سياسيًا مُخزيًا ووصمة عار في جبين الأمة حتى يومنا هذا، ولتصحيح هذا الخطأ مات الكثير من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وهنا يقف السؤال في وجه التاريخ: لماذا أُعطيت القدس بهذه السهولة؟ الجواب المؤلم يبدأ من داخل الدولة الأيوبية آنذاك لأنها كانت تعيش انقسامات. والكامل هذا كان في صراع مع إخوته وأقاربه على النفوذ في الشام، ويخشى تحالفهم ضده. فاختار أن يجعل الدولة الصليبية حائط صد بينه وبين إخوته، فماذا فعل؟! أعطى لفريدريك مفاتيح أقدس مقدسات المسلمين بلا مقابل، فقط ليأمن على سلطانه في مصر. صارت القدس ورقة في لعبة توازنات داخلية. لم تُبع في سوق، لكنها استُخدمت لتثبيت كرسي. بمعنى أوضح، مدينة بقدسيتها، بتاريخها، بدماء من سقطوا دفاعًا عنها، تحولت إلى بند في معاهدة. وهنا تكمن المرارة لأن القدس لم تكن أرضًا عادية، بل رمزًا دينيًا وحضاريًا استعادها قبل عقود صلاح الدين الأيوبي بعد معركة حطين، وما أدراك ما حطين مشروع طويل من الإعداد والوحدة والتضحية. يومها لم تكن المسألة كرسي حكم، بل قضية أمة. صحيح أن بعض الروايات تبالغ في تقليل عدد من رافق فريدريك إلى أقل من 1000 مقاتل فقط لأنه كان مطرودًا من البابوية وغير مرغوب فيه في أوروبا وليس له وزن، ومع ذلك يتسلم هذا المطرود المنبوذ مفاتيح أولى القبلتين. وهنا الدرس الذي لا يشيخ: حين تنقسم الصفوف، يصبح الخصم أقل كلفة. لا يحتاج أن ينتصر، يكفيه أن يراقب وينتظر. هذا الفريدريك قام بمجازر ضد المسلمين في صقلية، وأرسل إليه الكامل يطلب منه التوقف لِظن هذا الناقص أن فريدريك سيحفظ له فضل وجميل إعطاء القدس كهدية، ولكن فريدريك مزّق المسلمين وفعل بهم الأعاجيب. وليس اليوم ببعيد عن أمس، فمن يظن أن الغرب يهتمون بدماء وأعراض المسلمين هو ناقص كهذا الذي نتحدث عنه. والتاريخ الإسلامي نفسه مليء بأمثلة معاكسة. رجال ضحّوا بالملك من أجل المبدأ، وفضلوا الثبات على المكسب العاجل. من زمن الصحابة الذين خرجوا يواجهون إمبراطوريات تفوقهم عددًا وعدة، إلى قادة مثل عمر المختار الذي اختار المقاومة على الخضوع، ودفع حياته ثمنًا، لكنه لم يبع كرامته. هؤلاء لم ينظروا إلى القضية كورقة تفاوض، بل كأمانة أمة. ما أريد قوله من هذه الواقعة التي مر عليها أكثر من ثمانمائة عام، وما زال صداها في الذاكرة، أن أخطر ما يضعف الدول المسلمة ليس قوة الخارج، بل خلاف الداخل، والخضوع لا يبدأ دائمًا برغبة في الاستسلام، بل أحيانًا بخوف من فقدان منصب، أو حرص على تثبيت حكم هو أصلًا زائل. ألا يكفي أن نرى النتيجة؟ حين تُقدَّم التنازلات لتجاوز أزمة داخلية أو مصلحة شخصية، قد تتحول تلك التنازلات إلى أزمات أكبر وأعمق وأشد إذلالًا. الهيبة لا تُبنى بالخطابات، بل بوحدة القرار، وبوضوح الخطوط التي لا تُمس. فالأوطان والمقدسات والثروات ليست ملكًا خاصًا للحُكام، ولا هدية تُقدَّم طلبًا لرضا القوى العظمى. الأصل: (إن تنصروا الله ينصركم). تسليم القدس سنة 1229م لم يكن مجرد حادثة عابرة، بل علامة على أن الذل والخنوع والخيانة قد يفتح ما لا تفتحه الجيوش الجرارة والطائرات المسيّرة. ومن لا يتعظ بما مضى، قد يجد نفسه يعيد المشهد ذاته بأسماء جديدة.
954
| 04 فبراير 2026
امشِ في أحد أحيائنا القديمة التي بقيت على حالها، إن وجدتَها. ستلاحظ شيئاً غريباً في التصميم: الجدران قصيرة، والأبواب تكاد تكون متقابلة، و»السكيك» ضيقة وكأنها صُممت لتجعل الناس يصطدمون ببعضهم البعض فيلقون السلام. كان العمران هناك «خادماً» للوصل. وكانت روح الفريج حاضرة في كل تفصيلة معمارية. كان الحجر يُجبر البشر على التلاقي. ثم انتقل بسيارتك إلى أحيائنا السكنية الحديثة. شوارع فسيحة، وفلل تشبه القلاع الحصينة. كل بيت يحيط نفسه بسور عالٍ، وبوابات إلكترونية، وكاميرات مراقبة. لقد حصلنا على «الخصوصية» التي كنا نحلم بها، ولكن، هل سألنا أنفسنا عن الثمن؟ المعادلة بسيطة ومؤلمة: كلما ارتفعت الجدران الإسمنتية بين البيوت، ارتفعت معها الجدران النفسية بين القلوب، وتآكلت روح الفريج شيئًا فشيئًا. في زمن «الفريج»، كان الجار هو «خط الدفاع الأول»، وهو «الأهل» الأقرب. كانت الأمهات يتبادلن الأطباق، والأطفال يركضون من بيت لآخر وكأن الحي كله بيت واحد كبير. كانت «عين الجار» حماية، وصوته أنساً. لم يكن الفريج مجرد مكان للسكن، بل كان «نظاماً اجتماعياً» متكاملاً للتكافل والتربية المشتركة. اليوم، تحت ذريعة «الخصوصية» و»الاستقلالية»، عزلنا أنفسنا. أصبحنا نعيش لسنوات بجانب شخص لا نعرف إلا نوع سيارته. قد يمرض الجار، أو يحزن، أو يفرح، ولا نعلم عنه شيئاً إلا إذا رأينا خيام العزاء أو الزفاف صدفةً عند الباب. تحول الجار من «سند» إلى «غريب»، وأحياناً إلى مصدر إزعاج نشتكي منه إذا أوقف سيارته أمام سورنا. لقد قتلنا «روح الفريج» بدم بارد، واستبدلناها بـ «ثقافة العزلة». نحن لا ننكر أن التطور العمراني ضرورة، وأن الخصوصية حق. لا أحد يطالب بالعودة إلى بيوت الطين وضيق المكان. ولكننا نطالب بـ «أنسنة» مدننا الحديثة. المشكلة ليست في «الحجر» وحده، بل في «البشر» الذين سمحوا لهذه الأسوار أن تتسلل إلى نفوسهم. لقد استوردنا تصاميم هندسية غربية تقدس الفردية، ونسينا أننا مجتمع «جمعي» يتنفس الوصل. صممنا مدناً للسيارات لا للمشاة، وللأبواب المغلقة لا المشرعة. هل يمكننا استعادة ما فقدناه؟ نعم، ولكن البداية ليست بـ «هدم الأسوار» الإسمنتية، بل بهدم «الأسوار النفسية». أن نمتلك الشجاعة لنطرق باب الجار ومعنا «طبق حلو» وابتسامة، بلا مناسبة. أن نُحيي «مجلس الحي» ولو مرة في الشهر. أن نعلم أطفالنا أن «حق الجار» ليس مجرد كف الأذى، بل هو بذل الندى، والسؤال، والاهتمام. وهو جوهر روح الفريج. إن «الوحشة» التي نشعر بها في أحيائنا الفارهة لا يعالجها المزيد من الرخام والزجاج، بل يعالجها «دفء» القلوب المتواصلة. فلنجعل بيوتنا قلاعاً تحمينا من الخارج، نعم، ولكن لا تجعلها سجوناً تعزلنا عمن هم أقرب الناس إلينا جغرافياً، وأبعدهم عنا شعورياً.
732
| 04 فبراير 2026