رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

الشيخ د. سعود بن ناصر آل ثاني

مساحة إعلانية

مقالات

678

الشيخ د. سعود بن ناصر آل ثاني

غلق باب الجنة

05 يوليو 2026 , 01:00ص

لم يكن الفقد مجرد رحيل شخص، بل كان أشبه بانطفاء سراجٍ وهَّاجٍ كان يضيء عتمة الأيام، وبدءِ تسرب برودة الحزن إلى جدران بيتٍ اعتاد دفء الحضور. في تلك اللحظة التي يغادر فيها أحد الوالدين الحياة، يشعر المرء فجأةً بأن السماء قد أطبقت على الأرض، وأن دفة بابٍ من أبواب الجنة قد أُغلق؛ ذلك الباب الذي كان مشرعاً بالبر والرضا. وحين يرحلان، يدرك الإنسان عمق الحقيقة النبوية التي رواها أبو الدرداء رضي الله عنه، حين قال النبي ﷺ: «الوالِدُ أوسَطُ أبوابِ الجنَّةِ، فإنْ شِئتَ فأَضِعْ ذلك البابَ، أوِ احْفَظْهُ». إن غياب هذا الباب يترك المرء في مواجهة العالم بقلبٍ يكتشف، لأول مرة، المعنى الحقيقي لليتم أمام قسوة اختبارات الدنيا.

لم تعد تفاصيل المكان كما كانت؛ فالكرسي الذي كان يشغل حيزاً من الفراغ، وتلك الزاوية التي كانت تفيضُ حكمةً وتوجيهاً، تحولت إلى شواهد صامتة تروي حكاية الغياب. في غمرة هذا الصمت، يكتشف المرء أن الحماية التي كان يظنها مكتسبة، كانت في الحقيقة ممتدة من قلبٍ يحرسه الحب، وأن غياب هذا الوجود يعني انتزاع الدرع الخفي الذي كان يمتص صدمات الأيام. لم يعد البيت مجرد جدران وأثاث، بل صار مستودعاً لذكرياتٍ تتزاحم في المخيلة، حيث كل زاوية تستحضر دعوةً صادقة، أو ابتسامةً عابرة كانت تمنح الحياة معناها. إن الفقد هنا لا يعني فقط غياب الجسد، بل يعني فقدان بوصلةٍ كانت تضبط إيقاع الأيام، وتحدد وجهة السير نحو الطمأنينة وسط ضجيج عالمٍ لا يتوقف عن الضياع.

وعلى الرغم من انغلاق هذا الباب، إلا أن الوفاء يظل جسراً ممتداً لا يعرف الانقطاع. إن الفقد الحقيقي لا يكمن في الرحيل، بل في نسيان القيم التي غرسها الراحلون في أرواحنا. لذا، يصبح البر بعد الوفاة أسمى تجليات الامتنان؛ إذ يتحول الأبناء إلى امتدادٍ لرسالة والديهم، يحملون إرثهم الأخلاقي ومشاعل الحكمة التي أنارت دروبهم، ويترجمونها في أعمالٍ نافعة تخدم المجتمع وتُبقي ذكراهم حيةً لا تأفل. إننا، وإن ودعنا أجسادهم، نتمسك بأثرهم الذي لا يغيب، مؤمنين بأن الباب الذي أُغلق دنيوياً، قد فُتحت بسببه أبوابٌ من الأجر والعمل الصالح؛ فبإمكان المرء التنويع في القربات من وقفٍ ودعاء وحج وعمرة وغيرها من سبل الخير. فكأنهم برحيلهم قد علمونا درساً أخيراً في كيفية الارتقاء بالروح نحو خلودٍ لا يعرف الفناء: {وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} الإسراء ٢٤.

مساحة إعلانية