رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

عبدالعليم الشلفي

مساحة إعلانية

مقالات

309

عبدالعليم الشلفي

من الدوحة إلى نيوجرسي.. ومن الأرجنتين إلى ميسي

23 يوليو 2026 , 11:32م

حين أطلق الحكم صافرة النهاية معلناً انتهاء ملحمة كأس العالم 2026 في نيوجرسي، لم تكن تلك اللحظة مجرد إسدال لستار بطولة كبرى، بل كانت النقطة التي ختمت دائرة كبرى في الزمن الكروي الحديث. إنها رحلة طويلة بدأت من رمال الدوحة وابتساماتها العريضة في ليلة ديسمبرية مجنونة، واختُتمت على عشب أمريكا الشمالية بدموع صامتة وصدمة لم تكن في الحسبان. بين هاتين المحطتين، تقاطعت حكايات أمة بأكملها مع رحلة رجل واحد تحول من أسطورة تحت الاختبار إلى أيقونة أزلية، ثم إلى إنسان يعتصم بالصمت أمام قسوة النهاية.

في الدوحة، لم تكن الكأس التي رفعها ليونيل ميسي مجرد قطعة ذهبية توجت سنوات من العذاب والانتظار؛ كانت نوعاً من الإنصاف والتوزيع العادل، هناك في قطر التحم الشعب الأرجنتيني بفريقه ليُشكلا معاً كتلة واحدة صلبة، صاغها المدرب ليونيل سكالوني من خيوط العزيمة والروح الجماعية. ومحا ذلك التتويج كل خطايا الماضي، وأغلق أبدياً دفاتر التشكيك، وأطفأ حرائق عقود من المقارنات الظالمة مع دييغو مارادونا. بدا وكأن التاريخ قد استراح، وأن الأرجنتين وجدت أخيرًا مرساها الأخير بعد هوس طويل بالبحث عن المخلص.

لكن كرة القدم، في قسوتها المعهودة، لا تمنح صكوكا أبدية للخلود. بين الدوحة ونيوجرسي، دارت دوائر الأيام. فالجيل الذي صُهر في بوتقة الانتصارات المتتالية - كوبا أمريكا ثم كأس العالم - لم يكن معصوماً من قانون الزمن. وحين حطّت الرحال في نهائي نيوجرسي واصطدمت الأرجنتين بصلابة إسبانيا وجيلها الشاب، لم تكن الخسارة مجرد سقوط في مبارة، بل كانت لحظة كشف كبرى.

إن الهزيمة، خلافاً للانتصار، فضّاحة. ذلك أن الانتصار يستر العيوب، ويذيب الفوارق الفردية، ويصنع من الأفراد كتلة متجانسة بلا شقوق. أما الهزيمة فتعيد لكل فرد لغته الخاصة ومزاجه القديم. هذا ما تجسد فوق عشب نيوجرسي؛ شجار هنا، واعتراض على التحكيم هناك، وصرخات توتر أعادت الأذهان إلى طبائع اللاعبين الحقيقية التي غطاها بريق الذهب طويلاً.

ووحدَه، جلس ليونيل ميسي على العشب بعد المباراة، عاريًا إلا من صمته. لم يصرخ في وجه الحكم كمارادونا في صيف 1990، ولم يندفع في لغة الغضب المعتادة. كان الصمت هذه المرة أبلغ من كل الكلمات، وكأنه يدرك أن الدائرة قد اكتملت، وأن الفصول الأخيرة من الحكاية قد كُتبت بالفعل. بين ميسي الذي أبكى الملايين فرحاً في الدوحة، وميسي الذي جلَس صامتاً شاردًا في نيوجرسي، امتدت مسافة من المجد والشقاء الإنساني النادر.

إن الرحلة من الدوحة إلى نيوجرسي لم تكن مجرد انتقال جُغرافي بين بطولتين، بل كانت رحلة عبور من نشوة الاكتمال إلى واقعة الأفول الطبيعي. فالأرجنتين، التي ظنت أنها وجدت الخلود الأبدي في تلك الليلة القطرية، اكتشفت مجدداً أن المجد الرياضي ليس محطة وقوف دائم، بل هو تيار جارٍ. وميسي، الذي حَمل أمةً على كتفيه طوال عقدين، أعطى لكرة القدم كل ما يملك، حتى انتهت الحكاية حيث بدأت: إنسان عظيم، واجه النهاية بشجاعة الصمت، وترك التاريخ يروي الباقي.

اقرأ المزيد

صوت الحكمة صوت الحكمة

مع تصاعد التهديدات المتبادلة بين واشنطن وطهران، وازدياد المخاوف من مخاطر تجدد انزلاق المنطقة نحو مواجهة أوسع من... اقرأ المزيد

36

| 02 أغسطس 2026

السيجار.. ولغة النخب السيجار.. ولغة النخب

تجاوز السيجار في المجتمعات الخليجية حدود كونه مجرد خيارٍ استهلاكي شخصي، ليصبح لدى البعض رمزًا للمكانة والوجاهة الاجتماعية،... اقرأ المزيد

48

| 02 أغسطس 2026

عصر العقل الرقمي عصر العقل الرقمي

في كل حقبة زمنية، كانت البشرية تقف أمام اختراع يغير مسار التاريخ، من اختراع الطباعة إلى الثورة الصناعية،... اقرأ المزيد

39

| 02 أغسطس 2026

مساحة إعلانية