رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

محليات

2451

مريم محمد علي لـ "الشرق": لوحة "المليون" تعبير صادق عن اعتزازي بشخصية الأمير الوالد

12 مارس 2016 , 07:24م
alsharq
حاورتها هاجر بوغانمي

*جدتي لوالدي أقامت حفل عشاء على نخب الإنجاز

*اللوحة التي تباع في المزاد العالمي كالذهب لا تفقد قيمتها مهما طال الزمن

*لم أصل بعد إلى المرحلة التي أرسم فيها البورتريه من مخيلتي

*رفضت أن أبيع العديد من لوحاتي لأن سعرها لم يكن يعكس قيمتها

*غياب نقاد متخصصين يجعل الفنان يكتفي بأعماله ويستمر في الإنتاج

وحده الحظ مقترنا بالموهبة والقدرة على إنتاج الجمال الذي لا ينافسه أحدٌ، يستطيع أن يقلب الموازين بين المفكَّر فيه والمتوقَّع، وأن يذيب الحواجز التي كانت تفصل صاحب الحظ والموهبة عن العالم الخارجي..

وحده النجاح يستطيع أن يحول الشعور بالخوف والتردد، والارتباك إلى شعور بالرضا والاعتزاز والافتخار بما تحقق، فيتحول الأمر إلى نوع من التحدي لبلوغ مرتبة الكبار.

هكذا بدا الأمر ونحن ننفرد بحوارنا مع الفنانة التشكيلية القطرية مريم محمد علي التي منحت لنفسها الفن، فمنحها الشهرة وأدخلها التاريخ من بابه الكبير، وذلك بعد أن حققت لوحتها لصاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني أغلى سعر في مزاد أقيم على هامش تدشين شركة "ترتيب" لتنظيم المعارض.

للحكاية فصول: الفصل الأول المرتجل بكفاءة البديهة على حد عبارة محمود درويش، والفصل الثاني نشأتها في عائلة فنية، حيث جدتها وشقيق جدتها ووالدها محمد علي عبد الله مصمم سوق واقف يمارسون الفن بالفطرة، ولكل هواه في هذا العالم المتسع الرؤى.

تربت مريم محمد علي بين الخامات والألوان، وشبّت على حب رسم ما سوف يُرى، لا ما تراه، مؤكدة مقولة الرسام العالمي فان غوخ، وترافقت مع لوحاتها في السر قبل العلن حتى تحول الرسم عندها إلى قصيدة صامتة.

تعيش مريم لحظة المكاشفة الفنية بتفاصيلها، وتستسلم لغواية اللوحة، وتطلق العنان لمخيلتها بحثا عن الأغوار البعيدة التي لا يمكن أن ينتبه إليها إلا فنان مبدع.

التقيناها في غمرة النجاح الذي حققته لوحة "المليون" كما شاعت تسميتها على مواقع التواصل الاجتماعي.. فكان الحوار التالي:

*ما حكاية اللوحة التي ملأت الدنيا وشغلت الناس؟

**الحكاية بدأت من صورة بعثها إليّ والدي في عام 2012، وقال لي إنها تصلح للرسم، كانت الصورة معبرة جدا وجذابة، ولا يبدو الأمر غريبا فهي لصاحب السمو الأمير الوالد.

رسمت من الصورة لوحتين، واحدة أهديتها لصديقتي شريفة الساعي صاحبة شركة "ترتيب"، واللوحة الثانية هي التي بيعت في المزاد.

*ما الذي أثارك في الصورة فنيا؟

**الأساسيات كانت موجودة، واللونان الأصفر والبنفسجي أبرز ما كان يميزها، لكني أضفت إليها اللونين البنفسجي الثاني، والبرتقالي، وغيرت الخلفية ثلاث مرات، واكتشفت في النهاية أن اللوحة استغرقت عامين دون أن أشعر بانقضائها، ولم أعد أستغرب حين يقال إن لوحة ما استغرق إنجازها أربع أو خمس سنوات.

*ما الذي قادك إلى الفنون التشكيلية، وكيف كانت البدايات؟

**كنا نعيش في الولايات المتحدة الأمريكية بحكم دراسة والدي، وأذكر أنه كان يأتي بـ(البروجكتير) والخامات إلى البيت، فكانت تلك اللحظات من أجمل لحظات حياتي، أعتقد أن الإبداع متأصل في العائلة فجدتي فنانة تشكيلية، وشقيقها كذلك، وجدهما فنان أيضا.

بعد عودتنا من أمريكا التحقت بمدارس حكومية في الدوحة.، وكان تعليم الرسم في ذلك الوقت بسيطا ولم تكن هناك أساسيات وقواعد.

كان والدي ضد فكرة تخصصي في التربية الفنية، فتوجهت إلى اللغة الإنجليزية، وبعد التخرج عملت في مجال الموارد البشرية لمدة عشر سنوات، لكني أحسست بعد فترة من الزمن بأن طاقتي تهدر رغم حبي لعملي، فقررت أن أتفرغ لرسالة الماجستير، ومكثت في البيت.

ويبدو أن الظروف كانت مناسبة لإنجاز أعمالي، حيث أنتجت العديد من اللوحات بين عام 2011 و2013، وكان من بين تلك اللوحات لوحة صاحب السمو الأمير الوالد.

*عودا إلى اختيارك للألوان، ما الذي أردت أن تبلغيه للمتلقي؟

** أنا أعشق الألوان، وأحرص دائما على أن يأخذ كل لون حقه. كان هناك شغف بالألوان في هذه اللوحة التي كانت تجلب انتباه الأصدقاء والأقارب أثناء زيارتهم لي، حيث لا يكفون عن التقاط الصور معها تعبيرا عن إعجابهم، وكان ذلك يشعرني بالسعادة.

* ما سر جمال هذه اللوحة؟

**ربما لأنني وضعت فيها كل طاقتي، إضافة إلى حب شخصية صاحب السمو الأمير الوالد، وحب الألوان، والتكنيك كان غريبا في لحظتها حيث استهلك مني وقتا لتحويلها من صورة عادية إلى لوحة فنية. كانت هناك طاقة إيجابية بجميع جوانبها.

الأمر الآخر هو أنني عادة ما أشتغل على أعمالي بحب وبضمير، ولا أعتقد أن هناك فنانا لا يعنيه قيمة لوحاته لأن ذلك في تقديري يستهلك وقتا مضاعفا حتى يصل الفنان إلى النتيجة التي يريدها، ولذلك رفضت أن أبيع العديد من لوحاتي لأن سعرها لم يكن يعكس قيمتها.

بينما أن تباع لوحة بمليون ريال فهذا حدث مميز في حياتي.

*كيف عشت لحظت الإعلان عن "المليون"؟

** أنا أحب التميز منذ الطفولة، ولا أدري إن كان هذا الأمر إيجابيا أم سلبيا، حين أنهيت من اللوحة، فكرت في عرضها في مزاد، ولكني لم أتوقع أن تباع في الدوحة بمليون ريال، ما يدل على التقدير الذي أصبح يحظى به الفن التشكيلي في بلدنا.

*من شجعك على عرض اللوحة بالمزاد؟

**شريفة الساعي صاحبة شركة "ترتيب" هي من طلبت مني أن أعرض اللوحة بالمزاد بمناسبة افتتاح الشركة، فأحسست بأن الفكرة مناسبة، وأن الوقت قد حان كي أخرج بلوحاتي من البيت وأن أظهرها للناس.

*كيف كان تفاعل الأسرة مع الحدث، ومن كان بصحبتك في تلك اللحظات؟

**كنت بصحبة شقيقتي وصديقتي، بدأ المزاد بخمسة آلاف، وكان يفترض أن يبدأ بعشرة آلاف، ثم من 5 آلاف إلى 10 ثم 15 فـ50 و60.. ومن 60 ألفا إلى مليون ريال.

انتابتني حالة من الدهشة.. لم أصدق ما يجري.. قلت ربما أحدهم يمزح. وبعد أن أعاد المذيع الرقم مرة ثم مرتين فثلاث مرات كما يحدث عادة في المزادات، أخذ الجمهور يصفق بحرارة كأنني نجحت في امتحان.

لم أستوعب المبلغ إلا بعد يومين (تضحك) هذا لا يمنع من القول بأن اللوحة تستحق أكثر بالنسبة إليّ على الأقل، وصاحب اللوحة له الفضل في الدولة كاملة.

لا يمكنني حتى هذه اللحظة أن أصف ذلك الشعور، وتهاطلت عليّ التهاني من كل حدب وصوب، أما جدتي لوالدي فكانت فرحتها أكبر حيث أقامت حفل عشاء على نخب الإنجاز. وكانت الأجواء رائعة جدا.

* هل كشف لك هذا النجاح عن ملامح عمل قادم أكثر تميزا؟

** بلا شك، فإن هذا النجاح أعطاني دافعا قويا كي أبدع أكثر في مجال الرسم. كنت دائما أشعر بأنني متحفظة في إبداعاتي ولا أدري هل أنا أنقص من قيمة نفسي.

كنت أقول دائما مازال هناك متسع من الوقت كي نتعلم أكثر، وبالتأكيد فإن المميز في لوحاتي هي ألوانها، وكل لوحة مختلفة عن الأخرى من حيث التكنيك والزمن الذي تستغرقه.

أنا أدخل اللوحة إلى الكمبيوتر وأحذف كل الألوان محتفظة باللونين الأبيض والأسود حتى تدرس عيناي تدرج الإضاءة، بعد ذلك أضع الخطوط الخارجية ثم يبدأ الإبداع، علما بأنني كثيرة الدخول إلى عالم الإنترنت، وأحب أن أستمع إلى الفنانين الكبار لأنك قد تلتقطين بين كلمة وأخرى جزئية تستفيدين منها لاحقا.

ومن بين الفنانين الذين استمعت إليهم رسام أمريكي كان يقول "ليس شرطا أن ترسم كل التفاصيل"، لأن بعض التفاصيل قد تضيع اللوحة بأكملها.

علما بأن هناك خلطا بين الرسمة والصورة. وهناك اعتقاد بأن البورتريه نسخة مطابقة للأصل من الصورة، لذلك لا أضع الصورة بجانب الرسمة.

* كيف ترسم مريم محمد علي الوجوه؟ هل تتخيلين الشخصية أم ترسمينها بحسب الصورة أم كما هي في الحقيقة؟

**الصورة لابد أن تكون موجودة، وأظن أنني ما زلت لم أصل بعد إلى المرحلة التي أرسم فيها بورتريه من ذهني.

لقد تعلمت أن الإبداع من الصورة فحين أرسم الشخص أتخيل شخصيته. وهناك لوحات لأشخاص متوفين، كنت أتخيل شخصيته في حياته وهذا الأمر يستهلك جهدا ذهنيا ونفسيا وعاطفيا،علما بأنني لم ألتق أي شخصية من الشخصيات التي رسمتها في الواقع.

فلكي أرسم العين تأخذني مخيلتي إلى مناطق بعيدة: ماذا رأى؟ وأين ذهب؟ وماذا يرى الآن؟

*لماذا التركيز على البورتريه دون سواه؟

**ليس هناك سبب محدد. ولكن عندي رسومات في استمرارية الحياة بدأت بها مسيرتي الفنية. كنت أخاف من الفشل وأخشى النقد فلم أكن أرسم البورتريه، بعد ذلك شجعني والدي وأذكر أنه قال لي: "ارسمي دون أن تعيري رأي الناس اهتماما"، هذا ما دفعني لخوض التجربة، وكانت ملاحظات والدي ترافقني دائما..

*هل العزلة والانطواء على الذات اختيار؟

** كما أسلفت القول أريد التميز دون التقليل من أي مكان أو جهة أو شخص. وقد حاولت أن أشارك في مناسبات معينة لكني لم أتلق ردا بالرفض أو القبول أو كلمة شكر للمشاركة.

دفتري يرافقني أينما كنت، وأرسم فيه ما التقطت عيناي، وأدخل في عالم آخر، وكانت الملاحظات التي أسمعها من قبيل "لم نر فنانا يرسم بهذه الدقة" تشعرني بالفرح والمسؤولية في آن، وكنت أخشى أن أشارك في مناسبة أو في مكان معين وينتقد الناس أعمالي، من باب الغيرة عليها ليس أكثر. كنت أريد أن أبدأ بداية صحيحة، بالإضافة إلى أنني خجولة بطبعي، وأجد صعوبة في المبادرة.

*يلاحظ أنك تميلين إلى الحجم الكبير في لوحاتك، ما سر هذا التوجه؟

**اللوحة الكبيرة تجذب الانتباه، وتملأ المكان، أحيانا أستخدم سلما في رسم اللوحة، علما بأني عند رسم العين مثلا أقلب اللوحة وأرسم ما أراه، أي ما تراه العين وليس ما يقوله العقل، وبعد ذلك أصعد السلم مرة أخرى كي أنهي الجزء الفوقي، فاللوحة ذلت الحجم الكبير تتطلب جهدا ولكن متعة إنجازها لا تضاهيها متعة لأنني في النهاية تعبت في الوصول إلى تلك النتيجة، علما بأنني أحرص دائما على التثقيف من خلال الاطلاع على الكتب الخاصة بالفنون التشكيلية بطريقة انتقائية أي أقرأ ما يهمني.

وتعجبني في هذا الإطار أعمال عبد القادر الريس أحد أهم الفنانين في الخليج، فهو يرسم الطبيعة بأسلوب تجريدي، ويضيف الحروف العربية والنقوش الخليجية. ويعجبني في أعمال هذا الفنان اختياره للألوان، وقد تكون لمسة السكين عنده أثرت في بشكل واضح، بالإضافة إلى هدوئه.

*هل الفنان التشكيلي بحاجة إلى النقد؟

**بلا شك، فالنقد عضد الإبداع، والفنان لا يمكن أن يتقدم بعيدا عن النقد شرط أن يكون النقد بناء، إلا أن الفنان في الخليج يكتفي بأعماله ويستمر في الإنتاج دون توجيه في ظل غياب نقاد متخصصين، وعدد كبير من الفنانين اليوم موجودون في الساحة ويعرضون أعمالهم ولديهم سوق وجمهور، هذا الأمر يشعرني بأنني موجودة.

*من خلال النجاح الذي حققته لوحة "المليون"، هل الفن برأيك موهبة أم دراسة أكاديمية؟

**الفن موهبة بكل تأكيد لكن لا يمنع ذلك من التعلم، إضافة إلى أن الفن ممارسة يومية واستزادة من معين التجارب المختلفة، فلوحاتي التي رسمتها قبل ثلاث سنوات تختلف عن لوحاتي اليوم.

*ما أبرز طقوسك في الرسم؟

**عندي غرفة خاصة، بحسب المزاج تكون الأغاني والموسيقى، ثم أنخرط في عالم آخر، وأعزل نفسي عن العالم الحقيقي، لكني قبل ذلك أجهز الرسمة وأدخلها في الكمبيوتر، وأستمتع بإعداد الصورة حتى أراها باللونين الأبيض والأسود، ثم أدخل في أجواء إيجابية جدا، بعد ذلك قد أترك المكان منظما وأحيانا كثيرة أتركه دون تنظيم حتى أشعر بأن العمل مازال لم ينته بعد.

*ما مشروعك القادم؟

**لا أخطط للعمل القادم، لكن ربما أفكر في المشاركة في مزادات عالمية، لأن المزاد تقدير للفن. واللوحة التي تباع في المزاد العالمي مثل الذهب لا تفقد قيمتها مهما طال الزمن.

مساحة إعلانية