رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

محليات

2227

فتوى جديدة للقره داغي عن الصيام في البلاد التي لا يتمايز فيها الليل والنهار

09 يونيو 2016 , 04:57م
alsharq

المشقة التي تؤدي إلى العجز عن القيام بالعمل تجيز الفطر

أوقات العشاء والإمساك والفجر تقدر بحسب آخر فترة يتمايز فيها الشفقان

المناطق التي لا تغيب فيها الشمس تعامل معاملة المناطق القطبية

لا مانع من الجمع بين العشاء والمغرب وتقديم التراويح على العشاء

أفتى فضيلة الشيخ الدكتور علي محيي الدين القره داغي الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المســـــلمين نائب رئيس المجلس الأوروبي للافتاء والبحوث بمشروعية الجمع بين صلاتي المغرب والعشاء عند ضياع علامة العشاء أو تأخر وقتها، رفعاً للحرج وتيسيراً على المسلمين المقيمين في ديار الغرب، وقال في أحدث الفتاوى التي أصدرها اليوم: إن المناطق التي تغرب فيها الشمس وتفتقد فيها علامتا العشاء والفجر حتى تشرق الشمس في هذه الحالات يقدر وقت العشاء والإمساك في الصوم ووقت صلاة الفجر بحسب آخر فترة يتمايز فيها الشفقان، وفي المناطق التي لا تغيب فيها الشمس طوال الأربع والعشرين ساعة تعامل من حيث أوقات الصلوات والصيام معاملة المناطق القطبية.. وهذا هو نص الفتوى:

الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، وبعد

فقد وردتني أسئلة كثيرة حول صيام وصلاة المناطق التي لا يتمايز فيها الليل والنهار، أو أنها تطول فيها ساعات النهار لتصل إلى أكثر من 20 ساعة، ولأن الموضوع في غاية من الأهمية، وقد نوقش في عدة ندوات ومجامع فقهية ، لذلك نذكرها، ثم نستكمل الباقي :

وقد عقد المجلس الأوروبي للافتاء والبحوث عدة ندوات حول هذا الموضوع، والخلاصة أن بلاد الأقليات الإسلامية في أوروبا لها ثلاثة حالات:

الحالة الأولى: من يعيش في البلاد القطبية التي يستمر فيها الليل، أو النهار حوالى ستة أشهر مثلاً، أو طوال الشهر الفضيل، فإنهم يقدّرون صومهم بصوم أقرب البلاد، أو بصوم مكة المكرمة على الراجح.

الحالة الثانية: الذين يعيشون بقرب البلاد القطبية بحيث يوجد فرق بين الليل والنهار في الظاهر ولكن الليل مظلم كما وصفه الله تعالى بل قد يغيب قرص الشمس ولكن أشعته باقية فهذه تلحق بالحالة الأولى التي ذكرتها قبل قليل.

وهذه الفتوى التي صدرت منها تحل لنا مشاكل المناطق التي ليلها أقل من ساعة، حيث لا تعد ليلاً على التحقيق.

الحالة الثالثة: من يعيشون في بلاد يظهر فيها الليل والنهار، ولكن النهار والليل طويل جداً، والراجح هو أن ما دام وقتا الليل والنهار مميزين، فإن وقت الصوم هو من الفجر إلى الليل كما دلت عليه آيات الصوم الكريمة في سورة البقرة، والأحاديث الصحيحة الواردة في هذا الموضوع، وهذا هو المبدأ العام والأصل والقاعدة الكلية، غير انه إذا كان وقت الليل قصيراً جداً مثل عشرين دقيقة وأقل بحيث لا يسع لأكل لقيمات يقمن صلب الصائم، فإن هذا الوقت القصير ليس الليل المراد في آيات الصوم والأحاديث الذي يسع للأكل والشرب والجماع حيث يقول الله تعالى : "وكلوا واشربوا حتى يتبيّن لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل"[62] ويقول : "أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم"[63] ، ومن هنا فالقول بالتقدير بأقرب البلاد هو الأرجح، لأن الأحكام التكليفية منوطة بالإمكان المعتاد والطاقة ومبنية على اليسر وعدم الحرج الشديد، وقد أكدت آيات الصيام نفسها: اليسر وعدم العسر والحرج فقال تعالى في الآية التي تتحدث عن فريضة صيام رمضان : "يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون) [64] ويدل على ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم : "إذا أمرتكم بأمر فاتوا منه ما استطعتم" [65] وقوله صلى الله عليه وسلم : (إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا ..."[66] فقد بنيت التشريعات الاسلامية عامة على السماحة واليسر والطاقة والرفق بالناس دون عنت ولا إرهاق، وظهرت هذه السماحة وهذا اليسر في فريضة الصوم في الترخيص للمريض أي مرض والمسافر بالافطار وكذلك للحامل والمرضع، وذلك لأن القول باعتماد ذلك الوقت القصير لليل يؤدي إلى وجوب الصوم عليهم دون التمكن من الأكل، وبالتالي يؤدي إلى نوع من الوصال المنهي عنه، وتترتب عليه النتيجة التي تترتب على الوصال وهي الضعف والضغط على النفس، وتعذيب النفس والتشديد عليها، وكل ذلك كان مكروهاً أو محرماً في هذه الشريعة التي تقر بأن للنفس حقاً، وللبدن حقاً.

بل إن القول بوجوب الصيام عليهم من الاكتفاء بتلك الدقائق لليل يؤدي إلى نوع من الهلاك، إذ ان ذلك فوق الوصال ليومين أو ثلاثة، وإنما هو لثلاثين يوماً أو تسعة وعشرين يوماً، فلذلك فاعتبار هذا الاحتمال متعارض مع مقاصد الشريعة الاسلامية ومبادئها وأحكامها، فلا ينبغي اعتماده.

فمن شهد منكم الشهر فليصمه

لذلك فنحن مجموعتان من النصوص الشرعية:

مجموعة منها تدل على وجوب الصيام على من شهد شهر رمضان إلاّ من كان مريضاً أو على سفر، فعلى ضوء ذلك يجب عليهم أن يصوموا فوراً ولكنهم بما أن ليلهم ليس ليلاً يؤدى فيه الأكل والشرب ونحوهما ولا يسع ذلك، وبما أنه يترتب على عدم الأكل والشرب الهلاك، أو نوع من الهلاك فلابدّ من مخرج، وهذا المخرج هو إما أن يقال: يعطى لهم من الوقت بمقدار ما يسع أكلهم أو شربهم، لكن هذا القول لا يقوم على معيار منضبط، إذ ان ذلك يختلف باختلاف الأشخاص والشعوب، ولذلك فهو قول لا يمكن اعتماده، لأن الأمور الشرعية منضبطة بالعلل والأسباب المحددة وبالمقادير المحددة.

وإما أن يقال إن أهل تلك البلاد يعتمدون على أوقات أقرب بلد إليهم يكون الليل فيه يسع للأكل والشرب ونحوهما، أو بعبارة الفقهاء يقدرون ليلهم ونهارهم بأقرب بلد إليهم، فهذا القول هو الراجح المعتمد، لأنه يعتمد على معايير منضبطة قال به الفقهاء في تقدير أوقات الصلوات عندما تتداخل كما سبق، وقد أفتى بذلك الشيخ شلتوت في فتاويه ولا ضير في كون إفطارهم قبل الليل، لأن ذلك الوقت هو وقت الضرورات وكما هو الحال لصيام أهل القطبين حيث يصومون في الليل مثلاً.

ومجموعة من النصوص الشرعية تدل على أن الصيام محدد بالفجر إلى الليل، فعلى ضوء ذلك لا يجوز التقدير بأقرب البلاد، ولأنه يؤدي إلى أن يفطروا في النهار قبل دخول ليلهم القصير جداً.

فعلى ضوء ذلك فما دام صيامهم غير ممكن لما ذكرنا من الهلاك فيكون الواجب هو القضاء في أيام يكون ليلها مناسباً قياساً على صيام المريض والمسافر.

وهذا القول في الظاهر له وجاهته لكنه يؤدي إلى أن يكون الواجب عليهم أساساً هو القضاء دون الأداء، وأن يحرموا من بركة شهر رمضان، وان يختلف حالهم عن بقية المسلمين، لذلك قلنا: الأفضل هو القول الأول ..

والخلاصة أن كلا القولين مقبول له أدلته ووجاهته، وعلى أي حال فإنه إذا أدى صيامهم إلى الاضرار بهم، فإنه يجوز للمتضرر أن يفطر ثم يقضي، ولكن هذا الحكم يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال والظروف، ولا يختلف الحكم فيما لو كان نهارهم قصيراً جداً بأن يكون نصف ساعة أو أقل أو أكثر بقليل، ولكن في هذه الحالة فالقول بالتقدير هو الراجح، لأنه يجمع بين المجموعتين من النصوص والله أعلم.

أما البلاد التي يكون نهارها طويلاً بأن يصل مثلاً إلى عشرين ساعة أو أكثر كما هو الحال بالنسبة لبعض بلاد أوروبا التي يصل فيها النهار في بعض الأوقات إلى 22 ساعة أو أكثر فإن صيام شهر رمضان واجب عليهم بدون خلاف، وذلك لوجود الليل وتمايزهما تمايزاً واضحاً ووجود زمن مناسب للأكل والشرب وهو الأكثر من ساعة، فالصوم الشرعي يبتدئ بنص القرآن الكريم من الفجر إلى الليل دون النظر إلى مدة الليل أو النهار، فإن مجرد طول النهار لا يعدّ عذراً شرعياً يبيح الفطر، وإنما يباح الفطر إذا غلب على ظن الإنسان بأمارة ظهرت أو تجربة وقعت أو بإخبار طبيب حاذق عادل أن صومه في هذه المدة يفضي إلى المرض، أو إلى اعياء شديد يضره فيكون حكمه حكم المريض الذي يخشى التلف، أو يزيد مرضه، أو يبطئ شفاؤه إذا صام، ومن هنا فإذا كان صومه في المدة الطويلة يؤدي إلى إصابته بمرض أو ضعف أو إعياء يقيناً أو في غالب الظن بإحدى الوسائل العلمية التي ذكرناها آنفاً حلّ له الترخيص بالفطر، وإذا كان لا يؤدي إلى ذلك حرم عليه الفطر، علماً بأن هذا الحكم ليس عاماً لأهل تلك البلاد من المسلمين وإنما يختلف الحكم حسب قدراتهم وحالاتهم، وقد أفتى بمثل ذلك فضيلة الشيخ حسنين مخلوف حيث قال : "وأما البلاد التي تطلع فيها الشمس وتغرب كل يوم إلاّ مدة طلوعها تبلغ نحو عشرين ساعة بالنسبة للصلاة التي يجب عليهم أداؤها في أوقاتها لتميزها تميزاً ظاهراً، وبالنسبة للصوم يجب عليهم الصوم في رمضان من طلوع الفجر إلى غروب الشمس هناك إلاّ إذا أدى الصوم إلى ضرر بالصائم وخاف من طول مدة الصوم الهلاك أو المرض الشديد فحينئذ يرخص له الفطر، ولا يعتبر في ذلك مجرد الوهم والخيال، وإنما المعتبر عليه الظن بواسطة الامارات او التجربة أو إخبار الطبيب الحاذق بأن الصوم يفضي إلى الهلاك أو المرض الشديد أو زيادة المرض، أو بطء البرء، وذلك يختلف باختلاف الأشخاص، فلكل شخص حالة خاصة، وعلى أن أفطر في كل هذه الأحوال قضاء ما أفطره بعد زوال العذر الذي رخص له من أجله الفطر ... )[68] وقد أيدّ هذه الفتوى قرار لهيئة كبار العلماء بالسعودية[69] .

من الفجر الى الليل

وقد خالفتهم دار الافتاء المصرية حيث أجازت لمسلمي النرويج وغيرهم ممن على وضعهم من طول النهار في شهر رمضان ان يقدروا زمن صومهم بصوم أهل مكة، او المدينة، أو أن يقدروا بأقرب البلاد المعتدلة إليهم، وأن يبدأوا بالصوم مرتبطين بفجر تلك البلاد وليلها ولا يتوقفون على غروب الشمس، فقد قال الشيخ شلتوت: ( صيام ثلاث وعشرين ساعة من أصل أربع وعشرين تكليف تأباه الحكمة من أحكم الحاكمين والرحمة من أرحم الراحمين" [70] .

والراجح هو القول الأول، لأن النصوص الشرعية قد حددت فترة الصيام بالنهار من الفجر إلى الليل فقال تعالى : (وكلوا واشربوا حتى يتبيّن لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل) [71] وقال النبي صلى الله عليه وسلم : "إذا أقبل الليل من هنا وأدبر النهار من هنا وغربت الشمس فقد أفطر الصائم )[72] فما دام الليل والنهار مميزين فيجب الالتزام بهما، ولا ينبغي الخروج إلاّ للضرورة، ولا ضرورة هنا، إذ ان غير القادر على هذا الصيام الطويل لمرضه، أو ضعفه أو لأنه يؤدي إلى اعياء شديد أو نحو ذلك مما ذكرناه آنفاً يجوز له الافطار، ثم يجب عليه القضاء في وقت آخر مناسب.

خامساً - لا مانع شرعاً من الجمع بين صلاتي العشاء والمغرب تقديماً او تأخيراً رفعاً للحرج في هذه الظروف الحرجة، كما أنه لا مانع أيضاً شرعاً من تقديم صلاة التراويح على العشاء، لأن وقتها يبدأ من بداية الليل عند جماعة من السلف الصالح، والخلاصة أن ديننا دين يسر وليس بعسر، ودين رحمة يسع كل هذه الاجتهادات ونحوها ما دامت صادرة من أهل الاجتهاد وفي مجل الاجتهاد.

مساحة إعلانية