رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مع مطلع القرن العشرين بدأ ميدان علم النفس يزخر بالعديد من مقاييس الذكاء التي اهتمت –على العكس من اختبارات جالتون- بقياس ما يسمى بالذكاء المكتسب والذي يعكس عادة ما يكتسبه الفرد من خبرات ومعارف ومعلومات ومن أشهر المقاييس التي ذاع صيتها في تلك الفترة ستانفورد، بينيه ومقياس وكسلر لذكاء الراشدين.
إن المتتبع لنشأة مقاييس الذكاء في علم النفس وحتى السبعينيات من القرن العشرين لا يستطيع أن ينكر النجاح الباهر الذي حققته حركة القياس العقلي في علم النفس وذلك بتقديمها لأول مرة مجموعة من المقاييس والاختبارات الموضوعية المقننة التي تتسم بالثبات والصدق أمكن الاعتماد عليها في قياس القدرات العقلية المختلفة عند الأفراد وعلى رأسها مقياس الذكاء وهناك العديد من الفوائد التي نتجت عن استخدام الباحثين لاختبارات الذكاء، منها مثلاً: استخدام اختبارات الذكاء لمفهوم نسبة الذكاء وهو مفهوم لم يكن موجوداً من قبل، بحيث أمكن الاعتماد عليها في تصنيف الأفراد إلى فئات حسب نسب ذكائهم ومن ثم التنبؤ بمدى كفاءتهم في الأعمال والمهام التي يناط إليهم بها.
كما أثبتت اختبارات الذكاء نجاحاً عالياً في قدرتها على التنبؤ بالتحصيل الدراسي، بحيث أمكن الاعتماد عليها في إلحاق الأطفال بنوع التعليم الذي يتناسب مع قدرتهم ولم يقتصر استخدام اختبارات الذكاء في مجال التعليم الدراسي فحسب، بل امتد ليشمل مجالات أخرى مثل التقييم الإكلينيكي والاختبار المهني، حيث ساعد على استخدام مقاييس الذكاء في تقييم العديد من البرامج العلاجية وبرامج قبل وبعد العلاج أو التدريب.
هل طفلي ذكي؟
والسؤال الذي يشغل بال كل أب وأم هو: هل أستطيع قياس ذكاء طفلي؟ وإذا تبين أنه ذكي فكيف يمكنني الحفاظ على نعمة الذكاء؟ بل وتنميتها؟ وهل تظل نسبة الذكاء للفرد ثابتة سني حياته؟
الواقع أن الإجابة عن هذا السؤال ما زالت مطروحة محوطة بكثير من النقاش، فلم يتفق بعد علماء النفس على رأي قاطع فيها، نظراً لأن هناك الكثير من العوامل التي تحول دون قياس نسبة ذكاء الفرد الواحد بشكل دقيق في مراحل النمو المختلفة، كما أن العوامل الانفعالية وظروف البيئة تؤثر في الشروط التي يجري فيها الاختبار ولكن رغم ذلك كله يمكن القول بوجه عام إن نسبة الذكاء تظل ثابتة في مختلف سني حياته المختلفة، لكن هناك بعض الفرص لتنمية الذكاء وتفعيله.
ويرى العلماء أن الذكاء مفهوم مجرد، فهو لا يشير إلى شيء مادي أو ملموس يمتلكه الشخص الذكي ولكنه مفهوم نصف به السلوك والتصرفات التي تصدر عن الفرد.
خصائص الذكاء:
1- الذكاء تكوين فرضي، فهو لا يشير إلى شيء مادي ملموس يمتلكه الشخص ولا يلاحظه مباشرة ومن ثم لا يقاس قياساً مباشراً ولذلك نستدل عليه عن طريق آثاره أو النتائج المترتبة عليه.
2- الذكاء عامل مشترك بين جميع العلميات العقلية ويسهم فيها بدرجات متفاوتة وهذا العامل يمثل الجانب المعرفي من الشخصية، أي قدرة الشخص على فهم معالم بيئته واكتشاف الصفات الملائمة للأشياء والأفكار وعلاقة بعضها ببعض.
3- الذكاء استعداد يرثه الفرد عن أبويه وأجداده ولذلك فإن خاصية الذكاء تلازم الشخص طوال حياته وتعد من الصفات الثابتة نسبياً في شخصية الفرد وليس معنى هذا أن البيئة لا تؤثر في الذكاء واستغلال هذا الموروث إلى أقصى درجة ممكنة، بل إنها قد تكون عاملا مساعدا أو مثبطا للذكاء.
4- نمو الذكاء:
أكدت نتائج اختبارات الذكاء أنه ينمو ويقف عند سن السادسة عشرة تقريباً وهي نتيجة قد تكون مثيرة للدهشة إلى حد ما، فقد كانت السن المضبوطة التي يتوقف فيها الذكاء هي سن الرابعة عشرة وبينيه Pinet يجعله في سن الخامسة عشرة وأوتسن يجعله في سن الثامنة عشرة وقد قامت دراسات أخرى أثبتت ذلك منها دراسة "بلادر" والتي تبين منها ثبات الذكاء عند سن الخامسة عشرة.
5- توزيع نسبة الذكاء
دلت البحوث على أن توزيع نسب الذكاء في أي مجتمع إنساني يتبع المنحنى الاعتدالي ويمكن توضيح هذا التوزيع في الجدول التالي:
مستويات الذكاء
نسبة الذكاء
النسبة المئوية لعدد الأفراد
عبقري
ذكي جداً
ذكي أو فوق المتوسط
عادي أو متوسط الذكاء
غبي أو أقل من المتوسط
غبي جداً
ضعيف مورون
أبله
معتوه
140 فأكثر
120-140
110-120
90-110
80-90
70-80
50-70
25-50
أقل من 25
0.25%
6.75%
13%
60%
13%
6%
0.75%
0.19%
0.06%
6- الفروق بين الجنسين في الذكاء:
إن جنس الطفل "كونه ذكراً أو أنثى" يؤثر في نشاطه العقلي وذلك لسببين، أولهما أنه من المحتمل أن توجد روابط جنسية في الموروثات تختلف في تحديد أدوار كل من الجنسين وما يربط بها من قدرات.
وقد اهتم كثير من الباحثين ببحث الفروق بين الجنسين في مستوى الذكاء وقد وجد هؤلاء الباحثون عندما قارنوا بين درجات الذكاء التي حصل عليها الذكور وتلك التي حصل عليها الإناث أن التميز يميل إلى مصلحة أحد الجنسين تارة ولمصلحة الجنس الآخر تارة أخرى.
مقاييس الذكاء:
ارتبطت نشأة مقاييس الذكاء من الناحية التاريخية بازدهار حركة القياس العقلي التي بدأها جالتون في أواخر القرن التاسع عشر، فقد اهتم جالتون بقياس ما يسمى بالذكاء الموروث عند الأفراد، حيث تأثرت بحوثه بنظرية شارلز دارون في النشوء والارتقاء كما تأثرت بقوانين مندل في الوراثة التي ظهرت في ذلك الوقت. وانعكس اهتمام جالتون بدراسة الاستعدادات الوراثية والأولية لمفهوم الذكاء في تقديمه
مجموعة من المقاييس والاختبارات العقلية التي تعتمد على مقياس زمن الرجع وهو المفهوم الذي رأى جالتون أنه يكشف عن الجوانب البيولوجية والفسيولوجية لمفهوم الذكاء.
ورغم النجاح والشهرة التي حققتها مقاييس الذكاء في العديد من الميادين، غير أن حركة القياس العقلي وما صاحبها من ظهور اختبارات لقياس الذكاء أسهمت، إلى حد كبير، في إهمال الباحثين لدراسة طبيعة هذا المفهوم من الناحية النظرية وحتى الآونة الأخيرة ارتفعت أصوات كثير من الباحثين تنادي بإعادة النظر فيما تقيسه اختبارات الذكاء الحالية، حيث تتسم بكثير من جوانب القصور والتي تتلخص فيما يلي:
1- افتقار معظم اختبارات الذكاء إلى إطار نظري تقف عليه. يظهر ذلك في أن نشأة اختبارات الذكاء في علم النفس جاءت تلبية لحاجة عملية خاصة بمتطلبات المجتمع، فغني عن الذكر أن ظهور اختبار ستانفورد-بينيه جاء استجابة لطلب الحكومة الفرنسية توفير أداة موضوعية للكشف عن الأطفال المتأخرين عقلياً، كما قدم وكسلر مقياسه المعروف بمقياس وكسلر لذكاء الراشدين أثناء عمله في مستشفى بلنيو، حيث شعر بضرورة الحاجة إلى أداة موضوعية لتقييم المرضى من الناحية الإكلينيكية. كذلك أثارت ظروف الحرب العالمية الأولى والثانية كثيراً من المشكلات الخاصة باختبار وتصنيف آلاف المجندين في الجيش، مما ساعد على ظهور اختبارات الذكاء الجمعي والتي كان لها أثر فعال في مواجهة هذه المشكلات.
2- ترتب على نجاح وانتشار اختبارات الذكاء إهمال الباحثين تعريف هذا المفهوم من خلال إطار نظري معين، بل ذهب البعض إلى القول بأن تعريف الذكاء هو ما تقيسه اختبارات الذكاء وذلك ليؤكدوا الوضع الراهن لتعريف هذا المفهوم ومدى الحاجة في المستقبل لنظريات جديدة تكشف عن الجوانب المختلفة لمعنى الذكاء.
3- إن تحليل أسئلة وبنود اختبارات الذكاء الحالية على اختلاف أنواعها يكشف عن وجود تشابه كبير في مضمون الأسئلة، فرغم حدوث تقدم كبير في نظريات القياس العقلي ونماذج جديدة مثل نظرية السمات الكامنة، غير أن التقدم في نظريات القياس العقلي لم يصاحبه تقدم يذكر في مضمون المقاييس والاختبارات النفسية وذلك لافتقارها لنظرية سيكولوجية خاصة في تعريف الذكاء.
فلنبدأ بتربية المعلم قبل التلميذ!!
إن عملية بناء الفرد في أي مجتمع من المجتمعات ليست بالعملية السهلة المُيسرة ولا تقوم بها جهة واحدة... اقرأ المزيد
1334
| 08 يناير 2016
التربية الثقافية للطفل
تخضع شخصية الإنسان خلال مراحل نموها المتعاقبة لعدد كبير من العوامل الوراثية والبيئية، وتبدأ هذه العوامل تأثيرها من... اقرأ المزيد
7904
| 28 ديسمبر 2015
التخطيط لبرنامج تدريبي ناجح
لكي نخطط لوضع وتنفيذ برنامج تدريبي ناجح ، يجب أن نبدأ بتحديد دقيق لأهداف هذا البرنامج بتغطية الجوانب... اقرأ المزيد
4221
| 30 نوفمبر 2015
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
(ضاعوا عيالنا) عبارة أصبحت تقال كثيرًا في المجالس واللقاءات ومواقع التواصل يقولها الآباء والأمهات وهم يتحدثون عن أبنائهم، وهي عبارة تختصر حجم المشكلة التي نعيشها اليوم. فالأبناء لم يضيعوا منا لأنهم بعيدون عن بيوتنا واعيننا، بل المؤلم أنهم بين أيدينا، وأمام ناظرينا، ويجلسون معنا تحت سقف واحد، ومع ذلك نشعر بأنهم مختطفون منا. لقد سُلبت حرية أبنائنا، وتم السطو على أوقاتهم وتفكيرهم وسلوكهم، حتى أصبحنا نرى آثار ذلك داخل بيوتنا بأشكال كثيره: ضعف في التركيز، وضعف في الحفظ، وحالة من عدم الانتباه والإدراك لما يدور حولهم، وعصبية، وعزلة عن الأسرة، وضعف في الحوار والتواصل، حتى أصبح الجهاز في بعض البيوت المهدئ لهذا الادمان وفقده يجعل الطفل في حالة استنفار وغضب. والمؤلم أننا كأولياء أمور نشعر بالعجز وهذه حقيقه لا نكابر فيها. لقد حاولت الأسر المنع، وحاولت تحديد الساعات، وحاولت سحب الأجهزة، وحاولت الترغيب والترهيب، ولكننا أمام حرب أكبر من قدرة الأب والأم وحدهما، اصبح الواقع السباحة عكس التيار. ولذلك نسمع في كل مجلس تلك العبارة المؤلمة: (ضاعوا عيالنا). والمفارقة أننا في الماضي كنا نخاف على أبنائنا من الشارع، ومن اللعب بعيدًا عن البيت، ومن الخروج دون اذن، وكنا نطمئن عندما يعود الطفل إلى المنزل ونغلق عليه الباب، معتقدين أنه أصبح الان في المكان الأكثر أمانًا. أما اليوم فقد انقلبت المعادلة، وأصبح الخطر يدخل عليه ويأتيه وهو في بيته، بل وهو في غرفته. قد لا يخرج الطفل أو الشاب من المنزل يومًا كاملًا، وربما لا يغادر غرفته لساعات طويلة، فنظن أنه أمام أعيننا وفي أمان، بينما هو عبر هاتفه يتجول في أماكن أبعد وأخطر من الشارع الذي كنا نخاف عليه منه. يستطيع في دقائق أن يعبر حدود الوطن، وأن يدخل مجتمعات افتراضية لا نعرف عنها شيئًا، وأن يتعرف إلى أشخاص من دول وثقافات وأفكار مختلفة. وليس الخوف هنا من اختلاف الثقافات في حد ذاته، وإنما ممن قد يستغل براءة الطفل أو اندفاع الشاب، أو يستدرجه ويبتزه أو يدفعه إلى سلوكيات وأفعال خطرة، وقد يصل الأمر إلى استغلاله في جرائم أو إقناعه بتصوير أفعال مجّرمه ونشرها عبر مواقع ومنصات محظورة. وهنا يصبح الخطر أكبر، لأن الأب يكون جالسًا في الغرفة المجاورة معتقدًا أن ابنه في أمان، بينما ابنه موجود فعليًا في عالم لا يعرف الأب عنه شيئا. لقد كنا نسأل أبناءنا في الماضي: أين ذهبت؟ ومع من كنت؟ ومتى ستعود؟ أما اليوم فعلينا أن نسأل سؤالًا أصعب: أين كنت وأنت جالس معي وأمامي؟ والخطير ان العالم اليوم قد بدأ يخشى من خروج الذكاء الاصطناعي عن السيطرة، واجتمعت الدول والشركات الكبرى لمناقشة مخاطره ووضع الضوابط والحدود لقدراته، فلماذا لا نتوقف نحن أيضًا أمام ما يحدث لأطفالنا؟ وإذا كانت دول قد بدأت بالفعل في وضع قيود وضوابط على بعض البرامج والمواقع ومنصات الإنترنت بالنسبة للأطفال، فلماذا نترك الأسرة وحدها تخوض هذه الحرب؟ وهي حرب غير متكافئة. ومن هنا فإننا نطلق نداء استغاثة، وليس مجرد اقتراح، إلى الوزارات والمؤسسات والجهات المعنية في الدولة: تدخلوا قبل أن نفقد أبناءنا أكثر. نحتاج إلى آلية واضحة وحقيقية تساعد الأسرة على حماية أبنائها، وإلى قيود وضوابط على البرامج والمواقع والتطبيقات التي يصل إليها الأطفال، وإلى حلول تقنية وتشريعية ورقابية تعيد للأب والأم شيئًا من القدرة على حماية أبنائهم. فالأسرة حاولت كثيرًا، لكنها اليوم تقف بوجه تيار لا تستطيع مواجهته بمفردها. نحن لا نتحدث عن مشكلة عابرة، بل عن جيل كامل يتعرض يوميًا لسيل لا يتوقف من المقاطع والصور والألعاب والرسائل والمحتويات، يدخل إلى عقله وغرفته وبيته دون استئذان حتى منه. إنه تلوث جديد ينساب ببطء إلى فلذات أكباد هذا المجتمع، وقد لا نرى نتائجه كاملة اليوم، لكننا نرى مقدماته واضحة في بيوتنا ومدارسنا ومجالسنا. ولهذا فإن صرخة (ضاعوا عيالنا) التي تتكرر على ألسنة الآباء والأمهات يجب ألّا تبقى شكوى حبيسةً داخل المجالس بل يجب أن تصل إلى أصحاب القرار والجهات المختصة لتتدخل الدولة فالأسرة اليوم تطلب المساندة، وتطلب التدخل، وتطلب حلًا سريعًا. لأن أبناءنا ما زالوا أمام أعيننا، ولكننا نخشى أن يأتي يوم يكونون فيه أمامنا أجسادًا.. بينما عقولهم ووعيهم وحياتهم تخدم أجندة أخرى وربما عدوه.
35898
| 14 سبتمبر 2026
في عام 1997، كان السيد فيصل محمد السويدي يخوض المفاوضات مع الشركات اليابانية بصفته نائب رئيس مجلس إدارة شركة قطر للغاز. ولم يعتمد على الخبرة العملية وحدها، بل اهتم بدراسة الطريقة التي يفكر بها اليابانيون ويديرون بها مفاوضاتهم. وكان كتاب The Japanese Negotiator، للمؤلف روبرت مارش، من الكتب التي استعان بها لفهم ذلك الأسلوب. وقد أهداني نسخة منه آنذاك، كما أهدى نسخًا منه إلى آخرين. وكان، من واقع تجربته المباشرة معهم، يشرح لي أسلوب اليابانيين في التفاوض، وكيف يستعدون ويتشاورون ويتأنون قبل اتخاذ القرار. ولم يكن ذلك مجرد حديث عابر، بل كان يعكس حرصه على ألا تبقى خبرته حبيسة غرف المفاوضات، وأن ينقل ما تعلمه إلى الجيل الذي يليه. بقي هذا الكتاب معي، وبقيت معه تلك الشروح، لكن قيمته لم تكن في وصف المفاوض الياباني وحده، بل في السؤال الذي أثاره لديّ: هل يمكن الحديث، في المقابل، عن أسلوب مميز للمفاوض القطري؟ وإذا كان الياباني يدخل غرفة التفاوض مستندًا إلى الإعداد الدقيق والعمل الجماعي والصبر، فما الذي يميز المفاوض القطري؟ وما الذي يمكن أن يتعلمه كل طرف من الآخر؟ لا تعني هذه المقارنة أن كل مفاوض قطري أو ياباني يتصرف بالطريقة نفسها؛ فالأفراد والمؤسسات والظروف تختلف. ويشير الباحث بيتر بيرتون إلى أن كثيرًا من الممارسات المنسوبة إلى اليابانيين توجد بدرجات مختلفة في ثقافات أخرى، ولذلك لا ينبغي اعتبارها صفات ثابتة. يبين روبرت مارش في كتابه The Japanese Negotiator، ويشرح كازو نيشياما في كتابه Doing Business with Japan، أن الاجتماع الرسمي ليس دائمًا المكان الذي يُصنع فيه القرار. فكثير من العمل يتم قبله، من خلال جمع المعلومات ودراسة المخاطر والتشاور بين الإدارات، وصولًا إلى قدر واسع من التوافق داخل المؤسسة. ولذلك قد يبدو المفاوض الياباني بطيئًا أو متحفظًا، بينما هو يتأكد من أن مؤسسته تستطيع الوقوف خلف القرار. ولا يتعامل أعضاء الفريق الياباني عادةً مع المفاوضات باعتبارها مناسبة لإظهار المهارات الفردية. وقد لا يكون أكثرهم حديثًا هو صاحب القرار، كما أن الصمت لا يعني بالضرورة الرفض، والتأخر في الإجابة لا يدل دائمًا على عدم الاهتمام. فقد يكون المطلوب مزيدًا من التشاور الداخلي قبل تقديم موقف تستطيع المؤسسة الالتزام به. وتقدم مفاوضات الغاز بين قطر واليابان مثالًا عمليًا على ذلك. ففي أواخر الثمانينيات كانت قطر تمتلك احتياطيات هائلة من الغاز، لكنها لم تكن قد بنت بعد سجلًا في تصدير الغاز الطبيعي المسال. وكان نجاح المشروع يتطلب مشتريًا رئيسيًا يلتزم بكميات كبيرة ولفترة طويلة، بما يمنحه الأساس التجاري اللازم لجذب الشركاء والتمويل. ويروي مايكل توسياني وآن ماري جونسون، في كتابهما From Black Gold to Frozen Gas، تفاصيل الطريق الصعب الذي سبق انطلاق أول مشروع قطري للغاز الطبيعي المسال، والدور الذي أدته السوق اليابانية في توفير الركيزة التجارية اللازمة لانطلاقه. وفي عام 1991 وقّعت شركة تشوبو اليابانية خطاب نوايا لشراء أربعة ملايين طن سنويًا لمدة خمسة وعشرين عامًا، رغم ظروف حرب الخليج. ولكن عندما انسحبت شركة BP من المشروع، أثار ذلك مخاوف اليابانيين، وأعادوا تقييم المخاطر، فتأجل توقيع العقد النهائي. وبعد استمرار الاتصالات ومعالجة المخاوف، وُقّع العقد عام 1992، ووصلت أول شحنة من الغاز القطري إلى اليابان في يناير 1997. تكشف هذه القصة أن الجانب الياباني في تلك المفاوضات لم يمنح ثقته بسهولة، لكنه عندما اطمأن إلى قدرة المشروع، التزم بعلاقة امتدت لعقود. كما تكشف جانبًا من التجربة القطرية؛ فلم يكن الفريق القطري يفاوض على سعر الغاز وشروط توريده فقط، بل كان مطالبًا ببناء الثقة في قدرة قطر، التي لم يسبق لها حينذاك تصدير الغاز المسال، على إنجاز مشروع ضخم والوفاء بالتزامات تمتد لعقود. وهنا يظهر اختلاف مهم بين المدرستين: المفاوض الياباني يصنع جزءًا كبيرًا من القرار قبل دخول غرفة التفاوض، عبر الدراسة والتشاور الداخلي، بينما ظهرت قوة الفريق القطري في هذه التجربة داخل عملية التفاوض، من خلال سرعة التواصل وبناء العلاقة وفهم مخاوف الطرف الآخر والبحث عن حلول تحفظ مصالح الطرفين. ومن الناحية العملية، نتعلم من التجربة اليابانية أن الاستعداد لا يقتصر على معرفة السعر والشروط، بل يبدأ بفهم الطريقة التي يتخذ بها الطرف الآخر قراره: من أصحاب التأثير داخل مؤسسته؟ ومن يملك الموافقة النهائية؟ وما المعلومات التي يحتاج إليها ليقنع زملاءه؟ وما المخاطر التي يخشى أن يتحمل مسؤوليتها لاحقًا؟ قد ننجح في إقناع الجالس أمامنا، لكن الصفقة تتعثر لأنه لم يستطع إقناع مؤسسته. فالمفاوض الجيد يسير في مسارين متوازيين: يفاوض الشخص الجالس أمامه، ويساعده في الوقت نفسه على بناء الحجة التي يحتاج إليها لإقناع مؤسسته. وفي المقابل، تكشف التجربة القطرية عن قيمة سرعة التواصل، وبناء القنوات المباشرة، والقدرة على التكيف مع الظروف المتغيرة. فالنجاح ليس في اختيار أحد الأسلوبين ورفض الآخر، بل في الجمع بين دقة الإعداد وسرعة الاستجابة. وتعيدنا تجربة فيصل السويدي إلى درس إداري مهم: فالمعرفة التي تتكون خلال المفاوضات الكبرى يجب ألا تغادر المؤسسة مع أصحابها، بل يجب أن تتحول إلى دراسات حالة وأدلة عمل وبرامج تدريب يستفيد منها المفاوضون الجدد، بدل أن يبدأ كل جيل من الصفر. وقد تجددت الشراكة في فبراير 2026، عندما وقّعت قطر للطاقة وشركة JERA اليابانية للطاقة عقدًا لتوريد ثلاثة ملايين طن من الغاز الطبيعي المسال سنويًا لمدة سبعة وعشرين عامًا، ابتداءً من عام 2028. وبعد أكثر من ثلاثة عقود على الاتفاق الأول، دخلت العلاقة مرحلة جديدة من الالتزام طويل الأجل. إن أهم ما تعلمناه من هذه التجربة ليس أن المفاوض القطري يجب أن يصبح يابانيًا، بل أن التفاوض الناجح يبدأ قبل الجلوس إلى الطاولة: بدراسة الطرف الآخر، وفهم طريقة اتخاذ القرار داخل مؤسسته، والاستعداد لمخاوفه قبل أن يعبّر عنها. أما الدرس الأهم لمؤسساتنا، فهو ألا تبقى خبرات المفاوضين الكبار حبيسة الذاكرة أو غرف الاجتماعات، بل يجب أن تتحول إلى معرفة موثقة تنتقل من جيل إلى آخر. فالصفقة الجيدة تحقق مكسبًا اليوم، أما المعرفة المتراكمة فتصنع مفاوضين قادرين على تحقيق المكاسب لسنوات طويلة.
6939
| 15 سبتمبر 2026
لم تعد أزمة مضيق هرمز حدثاً سياسياً أو عسكرياً بعيداً عن حياة الناس، فقد امتد أثرها إلى حركة السفن وتكاليف الشحن والتأمين وسرعة وصول البضائع إلى دول المنطقة. ومع استمرار الاضطراب، ارتفعت أسعار بعض السلع، وقد يمتد الارتفاع إلى سلع أخرى إذا طالت الأزمة. وجانب من هذا الغلاء له أسباب حقيقية، فعبور السفن في منطقة عالية المخاطر يرفع أقساط التأمين، وقد يدفع شركات الشحن إلى فرض رسوم إضافية. كما أن تأخر وصول البضائع يزيد تكاليف التخزين والتمويل، وقد يضطر المستورد إلى استخدام طريق أطول أو وسيلة نقل أكثر كلفة حتى يحافظ على توافر السلعة. لكن ارتفاع هذه التكاليف لا يعني أن تصبح أزمة هرمز مبرراً مفتوحاً لزيادة أسعار جميع السلع وبأي نسبة. فليست كل السلع تمر بالطريق نفسه، ولا تمثل كلفة الشحن النسبة ذاتها من سعر كل سلعة. كما أن بعض البضائع المعروضة حالياً وصلت إلى قطر قبل ارتفاع تكاليف النقل والتأمين. ومن هنا يظهر ما يمكن تسميته «غلاء هرمز»، أي الزيادة التي فرضتها الأزمة فعلاً. غير أن هناك فرقاً بين هذه الزيادة الحقيقية وبين استغلال الظروف لرفع الأسعار بما يتجاوز ارتفاع التكلفة. فقد يسارع بعض التجار إلى رفع الأسعار بنسب تتجاوز الزيادة الفعلية أو المتوقعة في تكلفة استبدال المخزون، أو يرفعون أسعار سلع لم تتأثر مباشرة، مستفيدين من توقع المستهلك أن كل شيء سيصبح أغلى. ولا يعني ذلك اتهام التجار والمستوردين عموماً؛ فكثير منهم يواجهون ظروفاً صعبة ويحاولون المحافظة على تدفق البضائع رغم ارتفاع المخاطر. لكن حماية التاجر الجاد لا تتعارض مع مساءلة من يستغل الأزمة لتوسيع هامش ربحه. والفاصل بين الحالتين هو قدرة التاجر على إثبات مقدار الزيادة التي تحملها فعلاً. وقد تحركت الجهات المختصة في قطر مبكراً لمواجهة آثار الأزمة. فدعت غرفة قطر، بالتعاون مع الهيئة العامة للجمارك، شركات الشحن والنقل إلى استخدام المسار البري عبر المملكة العربية السعودية ونظام النقل الدولي البري «TIR»، مع تخصيص مسار سريع وتسريع التخليص من خلال نظام النديب الإلكتروني. وفي الوقت نفسه، كثفت وزارة التجارة والصناعة رقابتها على الأسواق، فنفذت بين 28 فبراير و22 مارس 2026 نحو 50 ألف جولة تفتيشية طارئة، وضبطت منشآت مخالفة وأغلقت منشأتين، في رسالة واضحة بأن ارتفاع التكلفة لا يمنح أحداً الحق في استغلال الأزمة. كما تمتلك قطر قاعدة بيانات للأسعار، بعد إلزام المنشآت التجارية والصناعية بتسجيل أسعار السلع والخدمات وتحديثها إلكترونياً. وهناك أيضاً سلع وخدمات لا يجوز رفع أسعارها من دون موافقة الجهة المختصة. وبذلك تتوافر أدوات لمقارنة الأسعار قبل الأزمة وبعدها، وربط أي زيادة بفواتير الاستيراد والشحن والتأمين. إلا أن استمرار الأزمة يتطلب البناء على هذه الإجراءات، والانتقال من الاستجابة العاجلة إلى خطة أطول مدى. وينبغي أن تسير هذه الخطة في اتجاهين متوازيين: منع استغلال الأزمة داخل السوق، وخفض تكلفة وصول البضائع إلى قطر عبر الطرق البديلة. ففتح الطريق البري خطوة مهمة، لكن نجاحه لا يقاس بوصول البضاعة فقط، بل بالتكلفة التي تصل بها. فإذا كانت كلفة الطريق البديل مرتفعة جداً، فسيدفع المستهلك ثمنها في النهاية. لذلك من المهم مقارنة تكاليف الاستيراد عبر المسارات المختلفة، واختيار الطريق الأنسب لكل نوع من السلع. ومن المهم أيضاً منح الأولوية في النقل والتخليص للغذاء والدواء والسلع الأساسية، وتقليل فترات انتظار الشاحنات عند المنافذ؛ لأن كل يوم إضافي يرفع تكاليف النقل والتبريد والتخزين. ويمكن دراسة تخفيف بعض الرسوم مؤقتاً، متى ثبت أن ذلك سينعكس على السعر النهائي، لا أن يتحول إلى زيادة في هامش الربح. أما داخل السوق، فينبغي أن تركز الرقابة على العلاقة بين ارتفاع التكلفة وارتفاع سعر البيع. فإذا أثبت المستورد أن تكلفة وصول سلعة معينة ارتفعت بنسبة محددة، فمن الطبيعي أن ينعكس جزء من ذلك على سعرها. أما إذا ارتفع السعر بنسبة أكبر كثيراً، فمن حق الجهة الرقابية أن تطلب تفسير الفارق. وفي المقابل، يجب الحذر من تثبيت جميع الأسعار بصورة جامدة؛ لأن إجبار المستورد على البيع بأقل من تكلفته قد يدفعه إلى تقليل الاستيراد، فتتحول مشكلة الغلاء إلى نقص في السلع. فالرقابة الناجحة تقبل الزيادة المبررة، وتكبح الزيادة التي تستغل الأزمة، وتحافظ في الوقت نفسه على استمرار الإمدادات. لقد أثبتت قطر في أزمات سابقة قدرتها على تنويع مصادر الاستيراد وبناء مخزون إستراتيجي والمحافظة على استقرار الأسواق. والمطلوب اليوم هو تطوير الإجراءات الحالية إلى خطة مستمرة لطرق استيراد بديلة ذات تكلفة مقبولة، مع رقابة تمنع استخدام اسم هرمز لفرض زيادات لا تبررها الأرقام. إن مواجهة «غلاء هرمز» تقوم على مسارين لا ينفصلان: تسهيل وصول البضائع إلى قطر بأقل تكلفة ممكنة، ومنع تضخيم هذه التكلفة عندما تنتقل إلى المستهلك. وبهذا التوازن يمكن حماية المستهلك، ومساندة التاجر الجاد، والمحافظة على استقرار السوق في وقت واحد.
5349
| 13 سبتمبر 2026