رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

الشيخ د. سعود بن ناصر آل ثاني

مساحة إعلانية

مقالات

309

الشيخ د. سعود بن ناصر آل ثاني

الأصدقاء عبر الزمن

31 مايو 2026 , 12:08ص

"قد تكون نفسي بالأمس لا تعرف من أكون الآن؟! ولا أصدقاء اليوم يعرفون ما سأكون عليه في الغد. إنه لأمر عجيب، فلم أعد أملك انعكاساً لصورة نفسي بعد اليوم؛ فالنسخة التي كنتُ عليها والشخصية التي أتحول إليها ليس لهما ذات الشهود لرحلة البداية والنهاية. لقد بات قدامى الأصدقاء لا يعرفون من أكون الآن، وجدد الأصدقاء لا يعرفون ما كنتُ عليه في الماضي؛ فكلتا النسختين أحملهما بمفردي، غريباً وممتناً، من البداية وحتى موضع الوقوف".

"كان يا مكان عبر الزمان ومنذ نعومة أظفارنا؛ ففي الطفولة الباكرة، يكون وعي الإنسان بشقيقه الإنسان بريئاً بحدود الصغر. كان الصديق آنذاك هو من يبادر بالابتسامة، وفي مرحلة أخرى يشاركنا بهجة اللعب المبدع بخيال الفطرة والعفوية، أو يجاورنا على مقاعد البساتين الدراسية، ولم نكن نلتفت للنسخ أو التحولات الرقمية، فالغد كان بعيداً جداً عن الواقعية ولا يشغل بال النفس الطرية. ولكن، مع اتساع مداركنا والعبور نحو بوابات الفتية، يبدأ الوعي في التمرد والتغير إلا من رحم رب البرية؛ ولستُ من أنصار مصطلح 'المراهقة' بل مع حقيقة فتية أبطال هذه الأمة العصية. وتتحول الصداقة في كل محطة من محطات العمر؛ ليسقط شاهدٌ قديم ويُولَدَ صديقٌ جديد، لنجد أنفسنا في نهاية المطاف نقف في منتصف العمر، أمام حقيقة أن اتساع الوعي غدا المتهم الأول بجعل أصدقاء الماضي غرباء عن حاضرنا، وأصدقاء الحاضر جهلاء بماضينا".

"ولكن، ومع قانون التحولات الوجودية، نصل إلى موضع الوعي الحاضر؛ مرحلة النضج الحكيم حيث تتغير كينونة الصداقة في عين الإنسان تَبَعاً لاتساع وعيه، والسقوط في منزلق الأخطاء والهفوات المسببة للشجار مع الأصدقاء. ففي هذه المحطة المتأخرة من العمر قد تتولد العداوات؛ حيث لم يعد اللهث خلف كثرة الأصدقاء غاية، ولا نجزع لقلة رصيد العلاقات المبنية على الصداقات، بل ندرك أن السنين كانت بمثابة مصفاةٍ عادلة تتساقط منها العلاقات الهشة، بل ويتغير فيها حتى ما كان صادقاً منها، ومع ذلك فليس الذي كان هو الذي كان".

الصداقة هنا، وفي فضاء الوعي الجديد، لم تعد بحاجة إلى ثرثرة الألسنة أو تقاسم الوجه للابتسامات الصفر اليومية؛ بل تغدو قدرةً مذهلة على مشاركة الصمت دون حرج، حيث يفهم الصديق الحقيقي صاحبه بلمحة عين، ويقرأ غيبته بقلب صافٍ ونفس متغافلة عن الزلات. إننا نصل إلى التصالح مع غربة الذات، ونكتشف أن الصديق في سنين النضج ليس مرآة لماضينا ولا جهلاً بحاضرنا، بل هو شريك السكينة الذي يتكئ معنا على ذات جدار الأمل، عابراً بنا نفق الزمن بوفاء صامت، لنصبح-رغم انشطار نسخنا-أقل غربةً وأكثر امتناناً لرحلة البداية والنهاية".

إن ماهية الوعي بالصداقات عبر الزمن تكمن في تلك المقارنة الحية بين ما كنا نحس به بقلوبنا الغضة؛ يوم كانت الصداقة في وجداننا طمأنينة مطلقة، ويقيناً لا يقبل الشك، ومظلة نحتمي بها من برد الأيام دون حسابات أو مخاوف، وبين ما صرنا نحس به اليوم بعد أن أدركنا أن العلاقات الإنسانية ليست قدراً ثابتاً، بل كائن يتأثر بتقلب الفصول وسيولة الهوية الإنسانية. لقد علّمنا هذا الوعي إعجازاً خلقياً لا نظير له، وإن كان تارةً عفوياً في الإدراك وصادقاً في التعبير، وبعض الأحيان مغلفاً بالاغتراب والعداوات الطارئة؛ فلنا أن نغفر للعابرين، وأن نمتنّ ونسامح نسخنا القديمة منا ومنهم، وأن نحتفي بـ 'شريك السكينة' الباقي بوفاء صامت الروح. وفي نهاية المطاف، وفي موضع الوقوف، تنقشع غيوم الحيرة، ويتصالح الإنسان مع وحدانية رحلته وعزلة وعيه الكينوني، ليدرك أن الملاذ الحقيقي والرباط الأسمى الذي لا تبدده السنون ولا تغيره الفصول هو بحبل الله المتين وقدره الجاري في أطوار خلقنا؛ قال تعالى{هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا ۚ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ مِن قَبْلُ ۖ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُّسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} غافر: ٦٧".

اقرأ المزيد

alsharq الكورة في ملعبك

لماذا نشعر بالقرب من الله أكثر في العشر من ذي الحجة والحج؟ ولماذا تتغيَّر مشاعرنا وسلوكنا في أيام... اقرأ المزيد

246

| 02 يونيو 2026

alsharq عبدالله بن حمد العطية.. رجل آمن بالحلم فصنع تاريخاً

عندما يُكتب تاريخ الرياضة القطرية فإن بعض الأسماء لا تُذكر بوصفها شخصيات رياضية فحسب، بل باعتبارها جزءًا من... اقرأ المزيد

87

| 02 يونيو 2026

alsharq البيروقراطية وإصلاحات "فلوتون"

لم تصل الدول المتقدمة إلى مرونتها الإدارية الحالية من فراغ، ولم تولد أنظمتها الحديثة كاملة منذ البداية، بل... اقرأ المزيد

114

| 02 يونيو 2026

مساحة إعلانية